الطریقة الجزئیة في التعلیم بین علم النفس والتربیة االجتماعیة - مقدمة ابن خلدون أنموذجا- أ/د.عبد القادر سّالمي قسم اللغة العربیة وآدابها كلیة اآلداب واللغات الجزائر- جامعة تلمسان skaderaminaanes@gmail.com :دمةمق* الّتحصیل التربوي تحكمه عّدة عوامل نفسیة وأخرى اجتماعیة, ترجع إلى طبیعة إّن الفروق الفردیة أو إلى طبیعة الّتوجیه الذي قد یحیي الّرغبة في الّدراسة أو الّنفور منها, وكّل ذلك ، وهو ما تنّبه إلیه ابن خلدون، فعقد لهذا قد یؤّثر على نوعّیة الّتحصیل سلبا أو إیجابا فصًال في مقدمته بعنوان(في أّن كثرة التألیف في العلوم عائقة عن التحصیل)، جاء فیه"؛ التالیة إلى عرض تفاصیله. المداخلةوهو ما تسعى ترجمة ابن خلدون:- 1 هو عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهیم بن عبد ه خالد المعروف بخلدون، ویكّنى أَبا زید،ویلقّب بولّي الّدین الرحمن ابن خلدون نسبة إلى جدّ نسبه إلى وائل ابن حجر من عرب الیمن.ولد ابن ینتهيلتوّلیه قضاء المالكیة بمصر و درس على عدد كبیر من هـ،ولن أجداده أندلسیون من إشبیلیة.732خلدون بتونس سنة قّروا فیها فقرأ علیهم القرآن الكریم بالقراءات العلماء األندلسیین الذین هاجروا من تونس و است السبع إفرادًا وجمعًا فیإحدى وعشرین ختمة ثّم جمعها في ختمة واحدة وعرض بعد ذلك هـ) الّآلمیة والرائیة 590قصیدتي أبي القاسم بن فیرة بن خلف بن أحمد الرعیني الّشاطبي( ت هـ) ودارسهم كتبًا عّدة نحو كتاب 463وكتاب التقّصي ألحادیث الموّطأ ألبن عبد البّر(ت هـ) في الفقه،ثّم تعّلم صناعة 646هـ) ومختصر ابن الحاجب(ت 682التسهیل ألبن مالك(ت العربیة ،وحفظ كتاب األشعار السّتة والحماسة لیوسف بن سلیمان الشَّْنَتمري المعروف ني ألبي الفرج هــ)وطائفة من شعر المتنّبي ومن أشعار كتاب األغا476باألْعَلم (ت نة وكتاب المالكیة،كما أخذ الّنحو والفقه عن إمام 356األصفهاني(ت هـ) وقرأ مختصر المدوَّ هـ) وأخذ العلوم 740المحّدثین والّنحاة بالمغرب أبو محمد بن عبد المهیمن الحضرمي( ت ّما بلغ( هـ). إّال أنّه ل757العقلیة من منطق وحكمة عن عبد اهللا محمد بن إبراهیم اآلبلي(ت هـ انتشر وباء الّطاعون الذي ذهب باألعیان 749ابن خلدون) السابعة من عمره أي في سنة والّصدور وجمیع المشیخة، وأبویه، األمر الذي حال دون متابعته دروسه. وقد نشأ خلدون مكّبًا على تحصیل العلم حریصًا على اقتناء الفضائل متنقًِّال بین شبابه انغمر ابن خلدون في حیاة سیاسیة حافلة في بالط دروس العلم وحلقاته.وفي الحفصیین في تونس، أو في بني عبد الواد في تلمسان و اجتذبه بالط بني مرین في فاس هـ) 776للخدمة فیه، وهناك اتصل ابن خلدون بالوزیر الغرناطي لسان الدین بن الخطیب(ت داقة متینة بینهما امتّدت إلى حین حینما نفي مع سلطانه إلى المغرب،وتوّطدت بینهما ص وفاته ابن الخطیب في محبسه؛آثر بعدها ابن خلدون االعتزال واالنطواء، أربع هـ) قضاها في قلعة بني سالمة أو قلعة توغزوت التي تقع على بعد 780-هـ776سنوات( رة كبیرة وبها مغاخمسة كیلومترات من مدینة فرندة الحالیة في والیة تیهارت غربي الجزائر، یظّن أّن ابن خلدون كتب مقدمته فیها. من أشهر مصنفاته: كتاب العَبر ودیوان المبتدأ والخبر والخبر في تاریخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الّشأن األكبر، و التعریف بابن خلدون ورحلته غربًا وشرقًا، كتاب في منطق،وهوهـ) وتقیید ال606وتلخیص محّصل كتاب فخر الّدین الّرازي (ت وشرح هـ)وشرح قصیدة البردة للبوصیري،595الحساب، ولخص كثیرًا من كتب ابن رشد(ت أرجوزة في الفقه للسان الّدین بن الخطیب.كما كانت له قصائد في السَّالطین تتراوح بین )1(الجودة والّرداءة. مقدمة:التعریف بال- 2 ستة أبواب،من حیث طال عالجت مقدمة ابن خلدون موضوعات متنوعة ضمن البابان الثالث والسادس عن غیرهما،فكان أن جاء: الباب األول : في العمران البشري على الجملة وأصنافه وقسطه من األرض. والباب الثاني: في العمران البدوي وذكر القبائل واألمم الوحشیة. انیة.والباب الثالث: في الدول والخالفة والملك وذكر المراتب الّسلط والباب الرابع: في العمران الحضري والبلدان واألمصار. والباب الخامس: في الصنائع والمعاش والكسب ووجوهه. والباب السادس: في العلوم واكتسابها وتعّلمها. اب العَبر ودیوان وكان مسعى ابن خلدون من المقدمة وهي الجزء األول من "كت ربر ومن عاصرهم من ذوي الّشأن األكبر"، هو أن یضع في تاریخ العرب والبالمبتدأ والخبر هـ)مصّححًا بعض ما وقع فیه من 346نفسه في فئة المؤرخین وأن یقفو أثر المسعودي (ت أخطاء، إّنه یصعب على المراجع أن یصّنفه ضمن المؤرخین،كونه أخذ في مقدمته من كّل ادیات،داعمًا ما ذهب إلیه علم بطرف، فتحّدث عن كّل ما یخّص اإلنسان من معنویات وم من آراء بشواهد من الذكر الحكیم و دیوان العرب الشعري. ونظرًا لمكانتها العلمیة، فقد حظیت المقدمة منذ أن وقعت علیها األنظار بعنایة و الفالسفة واللغویین عربًا ومستشرقین، كما طبعت عّدة مّرات والمؤرخین وعلماء االجتماع بتحقیقات مختلفة. المقدمة و التحصیل التربوي:- 3 الّتحصیل في اللغة:- أ الّتحصیل مشتّق من الفعل حصل وهو :"الحاصل من كّل شيء :ما َبِقَي َوَثَبَت وذهب ما سواه, یكون من الِحساب واألعمال ونحوها؛ َحَصَل الشَّيُء َیحُصُل ُحُصوًال. والّتحصیل: ْلُت تمییز ما یحصُل, واالسم الحصیلة, و الَحصَ ائُل :البقایا , الواحدة حصیلة. وقد َحصَّ ) في قوله ه207الّشيء تحصیال. وحاصل الشيء ومحصوُلُه: بقّیُتُه.قال الفراء(ت ُدورِ تعالى: َل َما ِفي الصُّ َل ))2وُحصِّ أي ُبیَِّن؛ وقال غیره: ُمیَِّز,وقال بعضهم: ُجِمَع. وَتَحصَّ :الحاِصل,وهو أحد المصادر التي جاءت على مفعول الّشيُء :َتَجمََّع وثبت. واَلمْحُصولُ )3(كالمعُقوِل والمیُسوِر و المعُسوِر. وتحصیُل الكالم:َردُُّه إلى محصوِله. التحصیل بین علمي التربیة والنفس:-ب وعن مدلول الّتحصیل من وجهة النظر اصطالحیة ، فهو: "مقدار المعرفة أو المهارة )4(ة الّتدریب والمرور بخبرات سابقة."التي حصل علیها الفرد نتیج على أّن من التربویین من یرى فیه تلك: المعرفة أو المهارة المقتبسة،التي هي خالف )5(القدرة؛ وذلك على اعتبار أّن اإلنجاز أمر فعلي ولیس إمكانیة. توى أّما بعض علماء الّنفس، فیرى فیه إنجازا یكون في العادة تعلیمیا ویعني بلوغ مس معین من الكفاءة في الّدراسة, سواء في المدرسة أو الجامعة وتحّدد ذلك اختبارات الّتحصیل )6(المقّننة أو تقدیرات المدّرسین أو االثنان معا. كما أن الّتحصیل الّدراسي هو درجة االكتساب التي یحّققها فرد أو مستوى الّنجاح مجال تعلیمي أو تدریبي معّین. فاالختبارات الذي یحرزه أو یصل إلیه في ماّدة دراسیة أو التي یطّبقها األستاذ على طّالبه على مدار العام الّدراسي یفترض أّنها تقیس الّتحصیل الّدراسي أو األكادیمي. والهدف من تصمیم هذه االختبارات الّتحصیلیة هو قیاس مدى والمهارات المتعّلقة بالماّدة الّدراسیة في وقت استیعاب الطّالب لبعض المعارف والمفاهیم )7(معّین أو في نهایة مدة تعلیمیة معّینة. ویعّد الّتحصیل الدراسي الهدف األساس في تشكیل عملّیة التعّلم وتحدیدها،والّنجاح فیه عامل ذو أثر كبیر في تكوین الّشخصیة إذ یتبعه عادة الثقة بالّنفس واالرتیاح؛ أما الفشل المتكّرر، فیتبعه عادة تأنیب الّنفس ونقد من اآلخرین. وكّل هذه العوامل الرسوب و الّنفسیة ستؤّثر بشكل حاسم على عملیة التحصیل. من منظور ابن خلدون:ضوء الطریقة الجزئیةالتحصیل في - د لئن أثبتت التجارب أن الّطریقة الكلیة أفضل من الطریقة الجزئیة؛ ألنه كّلما كان وع المراد تعلمه متسلسال تسلسال منطقیا أو طبیعیا كلما سهل تعلمه, فالموضوع الذي الموض یكّون وحدة طبیعیة یكون أسهل في تعلمه بالطریقة الكلیة عن الموضوعات المكونة من إّال أّن اتّباع الّطریقة الجزئیة في التحصیل والتبلیغ یعّد من أْنَسب (8)أجزاء ال رابطة بینها، یب التربویة قدرة على التواصل بین األجیال في رأي ابن خلدون.فقد عقد لذلك فصًال األسال في مقدمته بعنوان(في أّن كثرة التألیف في العلوم عائقة عن التحصیل)، جاء فیه:"اعَلْم أّنُه مّما أَضرَّ بالّناس في تحصیل العلِم والوقوِف على غایاتِه كثرُة التَّآلیِف واختالُف حاِت في التعلیم، وتعدُُّد ُطُرقها، ثّم مطالَبُة المتعلِّم والتلمیذ باستحضار ذلك.وحینئٍذ االصطال یسلَُّم لُه منصُب التحصیِل، فیحَتاُج المتَعلُِّم إلى حفِظها كلِّها أو أكَثِرها ومراعاِة ُطُرقها.وال یفي ر وال ُبدَّ دون ِرْتَبِة عًمُرُه بما ُكِتَب في صناعٍة واحدٍة إذا تجرَّد لها، فیقُع الُقصو التحصیل...وثمَّ إنَُّه ُیْحتَاُج إلى تمییِز (طرق القدماء)وُطرِق المتَأخِّریَن عنهم، واإلحاَطِة بذلك كلِّه، .ٌ.. والمَتَعلُِّم ُمَطاَلٌب باستْحَضاِر جمیِعها وتمییِز ما بینها، والُعُمُر ینقضي في واحد بالُمَتَعلِّمیَن على المسائِل المذهِبَیِة فقط، لكاَن األمُر دون ذلك منها. ولو اقَتَصَر المَعلُِّموَن بكثیٍر، وكان التَّعلیُم سْهًال ومْأَخُذُه قریبًا؛ولكََّنُه داٌء ال یرَتفُع الستقراِر الَعَوائِد علیه،فصارت من كتاِب كالطَّبیعِة التي ال یمكُن نقُلها وال تحویُلها. ویمثَُّل أیضًا ِعْلُم الَعَربَِّیةِ هـِ)، وجمیِع ما ُكِتَب علیه،وطرِق الَبْصرییَن والُكوفیِّین والَبْغَدادیِّیَن واألنَدُلسیِّین 180سیبویه(ت هـ) 682هـ) وابِن َمالٍك(ت646من بعدهم،وطرِق الُمَتَقدِّمیَن والمَتَأخِّریَن مثِل ابِن الَحاِجِب (ت لمَتَعلُِّم ، وینَقضي ُعُمُرُه دوَنُه، وال َیْطَمُع أَحٌد في وجمیِع ما ُكِتَب في ذلك.وكیَف ُیَطاَلُب به ا (9)" !الَغاَیِة منُه إالَّ في القلیِل النَّاِدِر؟ فلعّل ابن خلدون قصد بذلك الّتدریب الموّزع الذي یخضع لفترات متباعدة تتخللها دة, وقد وجد أنه یؤدي فترات من الّراحة.أما التدریب المرّكز, فیتم في وقت واحد وفي دورة واح إلى التعب والملل, ویكون عرضة للنسیان؛ وذلك ألن فترات الراحة التي تتخلل التدریب (10)الموّزع تؤدي إلى تثبیت ما یتعلمه الفرد. على أّن الّتحصیل التربوي عنده تحكمه عّدة عوامل نفسیة وأخرى اجتماعیة, ترجع إلى الّتوجیه الذي قد یحیي الّرغبة في الّدراسة أو الّنفور طبیعة الفروق الفردیة أو إلى طبیعة (11)منها, وكّل هذا قد یؤّثر على نوعّیة الّتحصیل سلبا أو إیجابا. وهو ما انتهى إلیه األسالف قبله ومنهم أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطیب العلُم كثیٌر، هـ)،رضي اهللا عنه،:68هـ) الذي تناهى إلیه قول ابن عباس(ت463البغدادي(ت (12)ولن تعیه قُلوبكم، ولكن ابتغوا أحسنه..." هـ)رأى رُجًال حسن العلم، كثیر 215ویذكر في هذا الصدد" أّن أبا زید األنصاري( ت الروایة، جّید الحفظ ِلُمَلح األخبار، ال یتمّثل إّال بحَسن، وال یستشهُد إّال بجیِّد، فقال:كأن واهللا هـ): یرید به ظهور 390قال المعافى بن زكریا الجریري ( ت -رعلُمه من ظهور الدفات (13)الّدفاتر ال یكتُب علیها إّال اَألحَسن". هـ) أن یوصي بعض بنیه بقوله:"اكُتب أحَسن 219وهو ما حدا بالخلیفة المأمون(ت (14)ما تسمع، واحفظ أحَسن ما تكُتب، وحّدث بأحسن ما تحفظ." الخاتمة: بین الباّث یة التحصیل والمصطلح في العملیة التربویة والتواصلنظرًا إلى أهم إلى استعراض نموذجین یمّثالن غیضًا من فیض ، عمدنا المداخلةوالمتلّقي، سعینا في هذه بما یعرض لتلك الّلمحات اإلشراقیة التي حفلت بها إلى رسم مالمح منهجیة لتحصیل العلوم َرضًاُ◌ في المقدمة كونه ال یمّثل الهدف األساس من ولئن جاء ذلك عَ مقدمة ابن خلدون . . على وراء تألیفها إّال أّنه،في رأینا،یمّثل جسر تواصل مع إنجاز ینتظر اإلنصاف واإلقرار؛ نحٍو اتَّخذته بعض دوائر علن النفس والتربیة االجتماعیة الحدیثة تكأة في التنظیر والتطبیق. حواشي:ال -8/277و المقري،نفح الطیب:365-3ر: ابن خلدون، التعریف بابن خلدون:نظی(1) 286. .10لعادیات:ا(2) ، مادة (حصل).11/153بن منظور،لسان العرب:ا(3) .166بد الرحمن العیسوي،علم النفس بین النظریة والتطبیق:ع(4) . 16-4عاقل،معجم علم النفس:خرفا(5) .5س والتحلیل النفسي:فعلم النة وعبد المنعم الحفني ،موسع(6) . 306-305وي والنفسي:بح الدین محمود عالم،القیاس والتقویم التر صال(7) .199-198د الرحمن العیسوي،علم النفس بین النظریة والتطبیق:عب(8) .528-527بن خلدون،المقدمة :ا(9) .198-197بد الرحمن العیسوي،علم النفس بین النظریة والتطبیق:ع(10) .198المرجع نفسه: (11) .141لخطیب البغدادي، تقیید العلم:ا(12) .141المرجع نفسه:(13) .141المرجع نفسه:(14) :مصادر والمراجعال .لمصحف الشریف**ا :دبن خلدون،عبد الرحمن محم*ا ناني، دار الكتاب المصري، لبورحلته غربًا وشرقًا ،دار الكتاب ال، تعریف بابن خلدونال- هـ. 1979 ،تحقیق درویش الجویدي، المكتبة العصریة للطباعة والنشر،صیدا، 2قدمة ابن خلدون،طم- م.1996-هـ1416بیروت، ،دار 3,طان العرب:لسال الدین محمد بن مكرمجمن منظور،* اب .م1994-ه1414صادر,بیروت,لبنان, م.1979ي،بول،مكتبة مد2،طسوعة علم النفس والتحلیل النفسي:مو حفني،عبد المنعم* ال ، 3تحقیق یوسف العش،ط، یید العلم:تقلخطیب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت* ا م.1988هـ، 1395دار الوعي، حلب، م.1977ار العلم للمالیین, بیروت,،دجم علم النفس:معقل،فاخر* عا ي, القاهرة,،دار الفكر العرب1,طقیاس والتقویم التربوي والنفسي:الم،صالح الدین محمود* عال .م2000-ه1420 النهضة للطباعةارد،نظریة والتطبیقالم النفس بین :علعیسوي،عبد الرحمن*ال م. 1984والنشر,بیروت, ار صادر، ،دمقري،أحمد بن محمد:نفح الطیب من غصن األندلس الرطیب*ال هـ.1388بیروت، ??????? ??????? ?? ??????? ??? ??? ????? ???????? ??????????.doc الطريقة الجزئية في التعليم بين علم النفس والتربية الاجتماعية · مقدمة ابن خلدون أنموذجا- أ/د.عبد القادر سلاّمي قسم اللغة العربية وآدابها كلية الآداب واللغات جامعة تلمسان-الجزائر skaderaminaanes@gmail.com *مقدمة: إنّ التّحصيل التربوي تحكمه عدّة عوامل نفسية وأخرى اجتماعية, ترجع إلى طبيعة الفروق الفردية أو إلى طبيعة التّوجيه الذي قد يحيي الرّغبة في الدّراسة أو النّفور منها, وكلّ هذا قد يؤثّر على نوعيّة التّحصيل سلبا أو إيجابا، وهو ما تنبّه إليه ابن خلدون، فعقد لذلك فصلاً في مقدمته بعنوان(في أنّ كثرة التأليف في العلوم عائقة عن التحصيل)، جاء فيه"؛ وهو ما تسعى المداخلة التالية إلى عرض تفاصيله. 1- ترجمة ابن خلدون: هو عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن خلدون نسبة إلى جدّه خالد المعروف بخلدون، ويكنّى أبَا زيد،ويلقبّ بوليّ الدّين لتولّيه قضاء المالكية بمصر و ينتهي نسبه إلى وائل ابن حجر من عرب اليمن.ولد ابن خلدون بتونس سنة 732هـ،ولن أجداده أندلسيون من إشبيلية. درس على عدد كبير من العلماء الأندلسيين الذين هاجروا من تونس و استقرّوا فيها فقرأ عليهم القرآن الكريم بالقراءات السبع إفراداً وجمعاً فيإحدى وعشرين ختمة ثمّ جمعها في ختمة واحدة وعرض بعد ذلك قصيدتي أبي القاسم بن فيرة بن خلف بن أحمد الرعيني الشّاطبي( ت590هـ) اللآّمية والرائية وكتاب التقصّي لأحاديث الموطّأ لأبن عبد البرّ(ت463هـ) ودارسهم كتباً عدّة نحو كتاب التسهيل لأبن مالك(ت 682هـ) ومختصر ابن الحاجب(ت 646هـ) في الفقه،ثمّ تعلّم صناعة العربية ،وحفظ كتاب الأشعار الستّة والحماسة ليوسف بن سليمان الشَّنْتَمري المعروف بالأعْلَم (ت476 هــ)وطائفة من شعر المتنبّي ومن أشعار كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني(ت 356هـ) وقرأ مختصر المدوَّنة وكتاب المالكية،كما أخذ النّحو والفقه عن إمام المحدّثين والنّحاة بالمغرب أبو محمد بن عبد المهيمن الحضرمي( ت740هـ) وأخذ العلوم العقلية من منطق وحكمة عن عبد الله محمد بن إبراهيم الآبلي(ت757هـ). إلاّ أنهّ لمّا بلغ( ابن خلدون) السابعة من عمره أي في سنة 749هـ انتشر وباء الطّاعون الذي ذهب بالأعيان والصّدور وجميع المشيخة، وأبويه، الأمر الذي حال دون متابعته دروسه. وقد نشأ خلدون مكبّاً على تحصيل العلم حريصاً على اقتناء الفضائل متنقِّلاً بين دروس العلم وحلقاته.وفي شبابه انغمر ابن خلدون في حياة سياسية حافلة في بلاط الحفصيين في تونس، أو في بني عبد الواد في تلمسان و اجتذبه بلاط بني مرين في فاس للخدمة فيه، وهناك اتصل ابن خلدون بالوزير الغرناطي لسان الدين بن الخطيب(ت776هـ) حينما نفي مع سلطانه إلى المغرب،وتوطّدت بينهما صداقة متينة بينهما امتدّت إلى حين وفاته ابن الخطيب في محبسه؛آثر بعدها ابن خلدون الاعتزال والانطواء، أربع سنوات(776هـ-780هـ) قضاها في قلعة بني سلامة أو قلعة توغزوت التي تقع على بعد خمسة كيلومترات من مدينة فرندة الحالية في ولاية تيهارت غربي الجزائر، وبها مغارة كبيرة يظنّ أنّ ابن خلدون كتب مقدمته فيها. من أشهر مصنفاته: كتاب العبَر وديوان المبتدأ والخبر والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشّأن الأكبر، و التعريف بابن خلدون ورحلته غرباً وشرقاً، وتلخيص محصّل كتاب فخر الدّين الرّازي (ت606هـ) وتقييد المنطق،وهو كتاب في الحساب، ولخص كثيراً من كتب ابن رشد(ت595هـ)وشرح قصيدة البردة للبوصيري، وشرح أرجوزة في الفقه للسان الدّين بن الخطيب.كما كانت له قصائد في السَّلاطين تتراوح بين الجودة والرّداءة.(1) 2-التعريف بالمقدمة: عالجت مقدمة ابن خلدون موضوعات متنوعة ضمن ستة أبواب،من حيث طال البابان الثالث والسادس عن غيرهما،فكان أن جاء: الباب الأول : في العمران البشري على الجملة وأصنافه وقسطه من الأرض. والباب الثاني: في العمران البدوي وذكر القبائل والأمم الوحشية. والباب الثالث: في الدول والخلافة والملك وذكر المراتب السّلطانية. والباب الرابع: في العمران الحضري والبلدان والأمصار. والباب الخامس: في الصنائع والمعاش والكسب ووجوهه. والباب السادس: في العلوم واكتسابها وتعلّمها. وكان مسعى ابن خلدون من المقدمة وهي الجزء الأول من "كتاب العبَر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشّأن الأكبر"، هو أن يضع نفسه في فئة المؤرخين وأن يقفو أثر المسعودي (ت346هـ)مصحّحاً بعض ما وقع فيه من أخطاء، إنّه يصعب على المراجع أن يصنّفه ضمن المؤرخين،كونه أخذ في مقدمته من كلّ علم بطرف، فتحدّث عن كلّ ما يخصّ الإنسان من معنويات وماديات،داعماً ما ذهب إليه من آراء بشواهد من الذكر الحكيم و ديوان العرب الشعري. ونظراً لمكانتها العلمية، فقد حظيت المقدمة منذ أن وقعت عليها الأنظار بعناية والمؤرخين وعلماء الاجتماع و الفلاسفة واللغويين عرباً ومستشرقين، كما طبعت عدّة مرّات بتحقيقات مختلفة. 3- المقدمة و التحصيل التربوي: أ- التّحصيل في اللغة: التّحصيل مشتقّ من الفعل حصل وهو :"الحاصل من كلّ شيء :ما بَقِيَ وَثَبَتَ وذهب ما سواه, يكون من الحِساب والأعمال ونحوها؛ حَصَلَ الشَّيءُ يَحصُلُ حُصُولًا. والتّحصيل: تمييز ما يحصلُ, والاسم الحصيلة, و الحَصَائلُ :البقايا , الواحدة حصيلة. وقد حَصَّلْتُ الشّيء تحصيلا. وحاصل الشيء ومحصولُهُ: بقيّتُهُ.قال الفراء(ت207ﻫ) في قوله تعالى:(وحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ((2) أي بُيِّنَ؛ وقال غيره: مُيِّزَ,وقال بعضهم: جُمِعَ. وتَحَصَّلَ الشّيءُ :تَجَمَّعَ وثبت. والَمحْصُولُ:الحاصِل,وهو أحد المصادر التي جاءت على مفعول كالمعقُولِ والميسُورِ و المعسُورِ. وتحصيلُ الكلام:رَدُّهُ إلى محصولِه.(3) ب-التحصيل بين علمي التربية والنفس: وعن مدلول التّحصيل من وجهة النظر اصطلاحية ، فهو: "مقدار المعرفة أو المهارة التي حصل عليها الفرد نتيجة التّدريب والمرور بخبرات سابقة."(4) على أنّ من التربويين من يرى فيه تلك: المعرفة أو المهارة المقتبسة،التي هي خلاف القدرة؛ وذلك على اعتبار أنّ الإنجاز أمر فعلي وليس إمكانية.(5) أمّا بعض علماء النّفس، فيرى فيه إنجازا يكون في العادة تعليميًّا ويعني بلوغ مستوى معين من الكفاءة في الدّراسة, سواء في المدرسة أو الجامعة وتحدّد ذلك اختبارات التّحصيل المقنّنة أو تقديرات المدرّسين أو الاثنان معا.(6) كما أن التّحصيل الدّراسي هو درجة الاكتساب التي يحقّقها فرد أو مستوى النّجاح الذي يحرزه أو يصل إليه في مادّة دراسية أو مجال تعليمي أو تدريبي معيّن. فالاختبارات التي يطبّقها الأستاذ على طلّابه على مدار العام الدّراسي يفترض أنّها تقيس التّحصيل الدّراسي أو الأكاديمي. والهدف من تصميم هذه الاختبارات التّحصيلية هو قياس مدى استيعاب الطلّاب لبعض المعارف والمفاهيم والمهارات المتعلّقة بالمادّة الدّراسية في وقت معيّن أو في نهاية مدة تعليمية معيّنة.(7) ويعدّ التّحصيل الدراسي الهدف الأساس في تشكيل عمليّة التعلّم وتحديدها،والنّجاح فيه عامل ذو أثر كبير في تكوين الشّخصية إذ يتبعه عادة الثقة بالنّفس والارتياح؛ أما الرسوب والفشل المتكرّر، فيتبعه عادة تأنيب النّفس ونقد من الآخرين. وكلّ هذه العوامل النّفسية ستؤثّر بشكل حاسم على عملية التحصيل. د- التحصيل في ضوء الطريقة الجزئية من منظور ابن خلدون: لئن أثبتت التجارب أن الطّريقة الكلية أفضل من الطريقة الجزئية؛ لأنه كلّما كان الموضوع المراد تعلمه متسلسلا تسلسلا منطقيا أو طبيعيا كلما سهل تعلمه, فالموضوع الذي يكوّن وحدة طبيعية يكون أسهل في تعلمه بالطريقة الكلية عن الموضوعات المكونة من أجزاء لا رابطة بينها، (8) إلاّ أنّ اتّباع الطّريقة الجزئية في التحصيل والتبليغ يعدّ من أنْسَب الأساليب التربوية قدرة على التواصل بين الأجيال في رأي ابن خلدون.فقد عقد لذلك فصلاً في مقدمته بعنوان(في أنّ كثرة التأليف في العلوم عائقة عن التحصيل)، جاء فيه:"اعلَمْ أنّهُ ممّا أضَرَّ بالنّاس في تحصيل العلمِ والوقوفِ على غاياتهِ كثرةُ التَّآليفِ واختلافُ الاصطلاحاتِ في التعليم، وتعدُّدُ طُرُقها، ثمّ مطالبَةُ المتعلِّم والتلميذ باستحضار ذلك.وحينئذٍ يسلَّمُ لهُ منصبُ التحصيلِ، فيحتَاجُ المتعَلِّمُ إلى حفظِها كلِّها أو أكثَرِها ومراعاةِ طُرُقها.ولا يفي عمًرُهُ بما كُتِبَ في صناعةٍ واحدةٍ إذا تجرَّد لها، فيقعُ القُصور ولا بُدَّ دون رِتْبَةِ التحصيل...وثمَّ إنَّهُ يُحْتَاجُ إلى تمييزِ (طرق القدماء)وطُرقِ المتأَخِّرينَ عنهم، والإحاطَةِ بذلك كلِّه، ..ٌ. والمتَعَلِّمُ مُطَالَبٌ باستحْضَارِ جميعِها وتمييزِ ما بينها، والعُمُرُ ينقضي في واحد منها. ولو اقتَصَرَ المعَلِّمُونَ بالمُتَعَلِّمينَ على المسائلِ المذهبِيَةِ فقط، لكانَ الأمرُ دون ذلك بكثيرٍ، وكان التَّعليمُ سهْلاً ومأْخَذُهُ قريباً؛ولكَّنَهُ داءٌ لا يرتَفعُ لاستقرارِ العَوَائدِ عليه،فصارت كالطَّبيعةِ التي لا يمكنُ نقلُها ولا تحويلُها. ويمثَّلُ أيضاً عِلْمُ العَرَبِّيَةِ من كتابِ سيبويه(ت180هـ)ِ، وجميعِ ما كُتِبَ عليه،وطرقِ البَصْريينَ والكُوفيِّين والبَغْدَاديِّينَ والأندَلُسيِّين من بعدهم،وطرقِ المُتَقَدِّمينَ والمتَأَخِّرينَ مثلِ ابنِ الحَاجِبِ (ت646هـ) وابنِ مَالكٍ(ت682هـ) وجميعِ ما كُتِبَ في ذلك.وكيفَ يُطَالَبُ به المتَعَلِّمُ ، وينقَضي عُمُرُهُ دونَهُ، ولا يَطْمَعُ أحَدٌ في الغَايَةِ منهُ إلاَّ في القليلِ النَّادِرِ؟‍‍! " (9) فلعلّ ابن خلدون قصد بذلك التّدريب الموزّع الذي يخضع لفترات متباعدة تتخللها فترات من الرّاحة.أما التدريب المركّز, فيتم في وقت واحد وفي دورة واحدة, وقد وجد أنه يؤدي إلى التعب والملل, ويكون عرضة للنسيان؛ وذلك لأن فترات الراحة التي تتخلل التدريب الموزّع تؤدي إلى تثبيت ما يتعلمه الفرد.(10) على أنّ التّحصيل التربوي عنده تحكمه عدّة عوامل نفسية وأخرى اجتماعية, ترجع إلى طبيعة الفروق الفردية أو إلى طبيعة التّوجيه الذي قد يحيي الرّغبة في الدّراسة أو النّفور منها, وكلّ هذا قد يؤثّر على نوعيّة التّحصيل سلبا أو إيجابا.(11) وهو ما انتهى إليه الأسلاف قبله ومنهم أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي(ت463هـ) الذي تناهى إليه قول ابن عباس(ت68هـ)،رضي الله عنه،: العلمُ كثيرٌ، ولن تعيه قلُوبكم، ولكن ابتغوا أحسنه..."(12) ويذكر في هذا الصدد" أنّ أبا زيد الأنصاري( ت215هـ)رأى رجُلاً حسن العلم، كثير الرواية، جيّد الحفظ لِمُلَح الأخبار، لا يتمثّل إلاّ بحسَن، ولا يستشهدُ إلاّ بجيِّد، فقال:كأن والله علمُه من ظهور الدفاتر-قال المعافى بن زكريا الجريري ( ت 390هـ): يريد به ظهور الدّفاتر لا يكتبُ عليها إلاّ الأَحسَن".(13) وهو ما حدا بالخليفة المأمون(ت219هـ) أن يوصي بعض بنيه بقوله:"اكتُب أحسَن ما تسمع، واحفظ أحسَن ما تكتُب، وحدّث بأحسن ما تحفظ." (14) الخاتمة: نظراً إلى أهمية التحصيل والمصطلح في العملية التربوية والتواصل بين الباثّ والمتلقّي، سعينا في هذه المداخلة إلى استعراض نموذجين يمثّلان غيضاً من فيض ، عمدنا إلى رسم ملامح منهجية لتحصيل العلوم بما يعرض لتلك اللّمحات الإشراقية التي حفلت بها مقدمة ابن خلدون .ولئن جاء ذلك عَرَضاًُ في المقدمة كونه لا يمثّل الهدف الأساس من وراء تأليفها إلاّ أنّه،في رأينا،يمثّل جسر تواصل مع إنجاز ينتظر الإنصاف والإقرار؛. على نحوٍ اتَّخذته بعض دوائر علن النفس والتربية الاجتماعية الحديثة تكأة في التنظير والتطبيق. الحواشي: (1) ينظر: ابن خلدون، التعريف بابن خلدون:3-365 و المقري،نفح الطيب:8/277-286. (2) العاديات:10. (3) ابن منظور،لسان العرب:11/153، مادة (حصل). (4) عبد الرحمن العيسوي،علم النفس بين النظرية والتطبيق:166. (5)فاخر عاقل،معجم علم النفس:4-16. (6) عبد المنعم الحفني ،موسوعة علم النفس والتحليل النفسي:5. (7)صلاح الدين محمود علام،القياس والتقويم التربوي والنفسي:305-306. (8) عبد الرحمن العيسوي،علم النفس بين النظرية والتطبيق:198-199. (9) ابن خلدون،المقدمة :527-528. (10) عبد الرحمن العيسوي،علم النفس بين النظرية والتطبيق:197-198. (11) المرجع نفسه: 198. (12) الخطيب البغدادي، تقييد العلم:141. (13) المرجع نفسه:141. (14) المرجع نفسه:141. المصادر والمراجع: **المصحف الشريف. *ابن خلدون،عبد الرحمن محمد : - التعريف بابن خلدون، ورحلته غرباً وشرقاً ،دار الكتاب اللبناني، دار الكتاب المصري، 1979هـ. - مقدمة ابن خلدون،ط2،تحقيق درويش الجويدي، المكتبة العصرية للطباعة والنشر،صيدا، بيروت، 1416هـ-1996م. * ابن منظور، جمال الدين محمد بن مكرم:لسان العرب,ط3،دار صادر,بيروت,لبنان,1414ﻫ-1994م. * الحفني،عبد المنعم:موسوعة علم النفس والتحليل النفسي،ط2،مكتبة مدبولي،1979م. * الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت:تقييد العلم، تحقيق يوسف العش،ط3، دار الوعي، حلب،1395هـ، 1988م. * عاقل،فاخر:معجم علم النفس،دار العلم للملايين, بيروت,1977م. * علام،صلاح الدين محمود:القياس والتقويم التربوي والنفسي,ط1،دار الفكر العربي, القاهرة, 1420ﻫ - 2000 م. *العيسوي،عبد الرحمن:علم النفس بين النظرية والتطبيق، دار النهضة للطباعة والنشر,بيروت,1984م. *المقري،أحمد بن محمد:نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب،دار صادر، بيروت،1388هـ.