)46 ( جامعة النجاح الوطنية كلية الدراسات العليا منهج القرآن الكريم في إقامة الدليل والحجة إعداد الطالب مجاهد محمود أحمد ناصر إشراف محسن سميح الخالدي: الدكتور الــدين أصــول قــدمت هــذه األطروحــة اســتكماال لمتطلبــات درجــة الماجســتير فــي ــة ــا الدرا بكلي ــات العلي ــي س ــة ف ــاح الوطني ــة النج ــي جامع ــطينف ــابلس ، فلس ن م2003 – ـه 1424. )47 ( منھج القرآن الكريم في إقامة الدليل والحجة إعداد الطالب مجاهد محمود أحمد ناصر .م وأجيزت 14/12/2003نوقشت هذه األطروحة بتاريخ التوقيع أعضاء اللجنة …………… . يسا محسن سميح الخالدي مشرفا ورئ. د -1 …………… . خالد خليل علوان مناقشا داخليا .د -2 ……………. علي علوش مناقشا خارجيا .د -3 )48 ( ـــداءاإله . إلى الذين َسَمْوا في زمن عزَّ فيه الشامخون . ا أمد اهللا في عمرههما،وأحسن لهما في أجرهم… أمي وأبي…إلى اللَّذينِ أفنيا حياتهما في تربيتي ي ي طريق م ف بيل العل ي يسرت س ة ، الت ي المخلصة الوفي ى زوجت ر … إل ي خي ا هللا عن فجزاھ . الجزاء ، وأجزل لھا الثواب .رزقني اهللا برَّهن. شَْهد ، وإيمان ، وميمونة … فَلَذاِت كَبِدي …إلى قُّرِة عيني .سدد اهللا تعالى خطاهم على الحق واإليمان . …إلى إخوتي وأخواتي .إلى كل العلماء العاملين المخلصين .إلى أرواح شهداء االنتفاضة األبرار .……أهدي هذا الجهد المتواضع مجاهد محمود أحمد ناصر )49 ( شكر وتقدير ال يسع الباحث إال أن يتقدم بعظيم الشكر ووافر االمتنان لكل من أسهم في هـذا البحـث .حتى خرج إلى حيز الوجود ن سميح الخالدي ، الذي تكرم باإلشراف حِسأستاذي ، فضيلة الدكتور ُم: أخص بالذكر و على هذه الرسالة ، وجاد علي بوقته وعلمه ، وفتح لي قلبه وعقله ، وأرشـدني بتوجيهاتـه .البناءة إلى ما جعل هذا البحث أكثر نفعا ، وأعم فائدة ي ، األستاذ جابر محمود أبـو الحـوف ، كما أتقدم بالشكر إلى صهري ، فضيلة المرب .الذي جاد بوقته في مراجعة هذه الرسالة ، وتصحيح ما فيها من أخطاء لغوية ونحوية إسماعيل نواهضة ، الذي حّرك لدّي فكرة : كما أتقدم بالشكر إلى أستاذي فضيلة الدكتور د ، الذي ساعد فـي تكـوين محمد السّي: وأستاذي فضيلة الدكتور . البحث في هذا الموضوع .خطة هذا البحث ، بما جاد به من توجيهات وإرشادات علـي : خالد خليل علوان ، وفضيلة الدكتور : كما أتقدم بالشكر لكل من فضيلة الدكتور .علوش ؛ اللذين تكرما بمناقشة هذه الرسالة ، فجزاهم اهللا عني خير جزاء القائمين على مكتبة المسجد الكبير في مدينة جنين ، على مـا كما أتقدم بالشكر إلى كل .قدموه لي من عون ومساعدة في الرجوع إلى المصادر المختلفة داعيا المولى الكريم أن يكتب عمل الجميع في ميزان حسناتهم يوم القيامة ، . إنه سميع قريب Ν ν ] [ فهرس المحتويات )50 ( الصفحة الموضوع ب………………..…………….………………………………………………اإلهداء ج.……………..………….………………………………………………شكر وتقدير د..…………….….…………………………………………………فهرس المحتويات ح.…………....…………………………………………………………ملخص البحث 1…….………..…….……………………………………………………….…مقدمة ..………………………………………………………………………الفصل التمهيدي .………………………………أهمية العقل والتفكير في القرآن : المبحث األول 11.….………..………………………مكانة العقل في القرآن: المطلب األول 16..….….……….……رآن في الحض على التفكيرأساليب الق: المطلب الثاني .……………………دعوة القرآن إلى المجادلة بالتي هي أحسن: المبحث الثاني 24.….……....…………الجدل في اللغة واالصطالح مفھوم: المطلب األول 26.….……..……………………نيالجدل في السياق القرآ: المطلب الثاني 29.….…………………المجادلة بالتي هي أحسن بوجو: المطلب الثالث ..………………………………… مفهوم المعرفة وطرق الوصول إليها: المبحث الثالث 34.…..….……………المعرفة في اللغة واالصطالحمفهوم : المطلب األول 37...….………………………الطرق الموصلة إلى المعرفة: المطلب الثاني موضوع المعرفة في القرآن : المطلب الثالث 42……………………….……امل الطرق الموصلة إليهاوتك ………..…………………………الدليل واالستدالل في القرآن : الفصل األول .………………….…………………مفهوم الدليل في اللغة واالصطالح: المبحث األول 48.….……………….……………مفهوم الدليل في اللغة: المطلب األول 49.…..….……………………مفهوم الدليل في االصطالح: المطلب الثاني ..…………………………………………………أقسام الدليل وأنواعه: المبحث الثاني 55.……..………….……………ام الدليل عند العلماءأقس: المطلب األول 59….…………...…………………سام الدليل في القرآنأق: المطلب الثاني ..………………………………………………خصائص األدلة القرآنية: المبحث الثالث )51 ( 66….…….…………ب واإلقناع للعقولالتأثير في القلو: الخصيصة األولى 68....…ا برهانية منطقية وخطابية مؤثرةمع بين كونهالج: الخصيصة الثانية 69……………………سهولة والوضوح وقلة المقدماتال: الخصيصة الثالثة 71……………زمة للجاحدأنها قاطعة للشكوك والشبه مل: الخصيصة الرابعة 72….………لقرآنية صياغة منطقيةاألدلة ا عدم صياغة:الخصيصة الخامسة 73………..……………………………أنها متكاملة: ة السادسة الخصيص ــابعة ــة الســ ــل : الخصيصــ ــبه كــ ــع شــ ــمنت دفــ تضــ 74...……………………الجاحدين 76…….………ألھم عقائد الدين ولكل أركانهأنھا شاملة : الخصيصة الثامنة االستدالل على القضية الواحدة بضروب: الخصيصة التاسعة 77….…………………………مختلفة من االستدالل ــرة ــة العاش ــرا: الخصيص ــة إب ــور إمكاني ــي ص ــد ف ــدليل الواح ز ال 77....……متعددة 78………………جمع بين كونها عقلية وسمعية ال: رالخصيصة الحادية عش ……..……………………………االستدالل وأنواعه في القرآن: المبحث الرابع 81.……………..…ستدالل في اللغة واالصطالحمفهوم اال: المطلب األول 83.….………………..………اع االستدالل في القرآنأنو: المطلب الثاني .………………………………الحجة في القرآن ومنهجه في إقامتها: صل الثاني الف .…………………………………………………مفهوم الحجة ومراتبها: المبحث األول 91.….…………………طالحمفهوم الحجة في اللغة واالص: المطلب األول ــاني ــب الثـــ ــ: المطلـــ ــياق الحجـــ ــي الســـ ة فـــ 93.……………..………………القرآني 94..…..…………..………………………مراتب الحجة: الث المطلب الث .………………………………………………طرق االحتجاج في القرآن: المبحث الثاني 106………………………………………………المناظرة والجدل: أوال 111…...……………………………………………………الحوار: انيا ث 113……….………………………………………………القصة: ثالثا )52 ( … .……………… ابتداء فـي غيـر سـياق المنـاظرة سوق الحجة من اهللا: رابعا 119 .....…………………………………أساليب االحتجاج في القرآن: المبحث الثالث 123……...…………………………………………السبر والتقسيم: أوال ــا ــي : ثانيــــــــــــــــ الترقــــــــــــــــ 125…...……………………..……………………والتدلي 128…..……..……………………………………………التحدي: ثالثا 130..………..…………………………………………راعاالخت: رابعا 131..………..……………………………………………الهدم: سا خام 132…..…………………………..............………………………االستدراج:سادسا 133….…………………...........…….………………………………التوسع:سابعا ..……………………………………………………القياس: ثامنا 135……………………………………………قياس العكس -أ 137……….………………........………………قياس العلة -ب 138..….………………….......………………قياس الداللة -ج 141………………………….……………………قياس الخلف -د 143……………………….………………………القول بالموجب: سعا تا 144……….………….………………………………االنتقال: عاشرا 145…..……………………………ليق األمر على مستحيلتع: حادي عشر 146….…………….………………………………المناقضة: ثاني عشر 148………….………………ليم للخصم في بعض مقدماتهالتس: ثالث عشر 149.….…….…………………………لمطالبة الخصم بالدلي: شر رابع ع 150..….….………………………إظهار التشهي والتحكم: خامس عشر 151………….…………ل إلى أمور بديهية معروفةرد المسائ: سادس عشر 152…….…………الخصم من اللبس واالشتباه بيان ما وقع فيه: سابع عشر 152…………….………م بإثبات قضية جزئية موجبةسلب العا: من عشر ثا ….……….………………… الفرق التي وقع عليها االحتجاج في القرآن: المبحث الرابع )53 ( 156……………………………………ركين في القرآنمحاجة المش: أوال 159…….………………………………اجة المنافقين في القرآنمح: ثانيا 160…….………………………………ة أهل الكتاب في القرآنمحاج: ثالثا ….……………دراسة تحليلية ألدلة القرآن في إثبات بعض القضايا العقيدية: الفصل الثالث .………………………………………… أدلة القرآن في إثبات التوحيد: المبحث األول 167……….………..……………………مسلك اإلثبات: المطلب األول 170….…….….……………………………مسلك النفي: ي المطلب الثان ………..…………أدلة القرآن في إثبات الرسالة وأن القرآن من عند اهللا:المبحث الثاني 178….……………….………………في إثبات النبوة أدلة القرآن: أوال 189……………….…………ثبات ذاته من عند اهللاقرآن في إأدلة ال: ثانيا ..………..…………………………………أدلة القرآن في إثبات البعث: المبحث الثالث 195.……….……………………………بات البعثالطرق العامة في إث 197……......…….……………………المسالك الخاصة في إثبات البعث 197….…………….……………………الستدالل الماديمسلك ا: وال أ 201……………….……………………الستدالل المعنويمسلك ا: ثانيا 205…………….……………………………………………أهم نتائج البحث: الخاتمة ….……….…………………………………………………………………الفهارس 209….…………………………….………………………………… فهرس اآليات 217….…………….………..………………………………………حاديثفهرس األ 218..…………….…….………………………………………………فهرس األعالم 219.……….….…………………………………………………………ثبت المراجع )54 ( ملخص ال في إقامة الدليل والحجة الكريم منهج القرآن -:سلك القرآن الكريم منهجا مميزا في االحتجاج يمكن إجماله في أمرين طرق عامة في االحتجاج ، وقد توصل الباحث إلى أربع طرق رئيسة سلكلها القرآن في حججه ، وتتمثل هذه : أوال .الطرق بالمناظرة ، والحوار ، والقصة ، وسوق الحجة من غير مناظرة وال حوار وال قصة ، أي ابتداء من اهللا تعالى لالحتجاج في القرآن، وهذه األساليب طُبِقت في إطار الطرق أساليب خاصة ، وقد عّد الباحث ثمانية عشر أسلوبا: ثانيا . األربع العامة .المشركون والمنافقون واليهود والنصارى : وقد وقع االحتجاج في القرآن على أربع فرق ضالة هي بوة والقرآن والبعث ، وكذلك شمل االحتجاج في القرآن أهم قضايا العقيدة اإلسالمية ، حيث أثبت التوحيد، والن .ودحض كل شبهة أثيرت حول هذه القضايا وكل ذلك وفق أساليب جعلت هذه الحجج في غاية الكمال وتأدية المطلوب )55 ( μ ] [ رب يسر وأعن ، وأنت خير مستعان الحمد هللا ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ باهللا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، .هده اهللا فهو المهتد ، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا من ي وصل اللهم وبارك على محمد بن عبداهللا ، الرسول النبي األمين ، وعلـى آلـه وصـحبه .الطيبين المباركين أما بعد ؛ فقد جاء القرآن الكريم دعوة صريحة الستخدام العقل والتفكير في الحكـم علـى القضـايا في مواضع شتى منه " أفال يتدبرون " و " أفال يتفكرون " و " أفال يعقلون " ، وكرر لفظ المختلفة ، ثم نعى على الذين يزعمون ويقولون من غير دليل وبرهان لقولهم ، وكرر المطالبة بالبرهان .) 1( ]قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين [: في مواضع كثيرة منه ، حيث قال القرآن ليدعو إلى هذا ثم يتركه ؛ فكان يستخدم األدلة العقلية في الـرد علـى ولم يكن .مزاعم وافتراءات الكافرين كلما تعرض ألمر غيبي أو فند دعوى مزعومة لهم ولم يقتصر القرآن في إقامة حججه وبراهينه على طريقة واحدة وال أسلوب واحـد ، بـل ومن هنا فقد اخترت أن أكتب رسالتي .في الرد واالستدالل نجده قد استخدم طرقا وأساليب شتى ).منهج القرآن في إقامة الدليل والحجة(في ).64(آية : سورة النمل ) 1 )56 ( )57 ( سبب اختيار الموضوع وتكمن أهمية هذا البحث وسبب اختياره ، في أنه يكشف هذه الطرق واألساليب القرآنيـة العقيدة والرد على الخصـوم ، في االستدالل وإقامة الحجج والبراهين العقلية في إثبات قضايا خاصة وأن كل ما كتب بشأن منهج القرآن في االحتجاج ، لـم يكشـف عـن هـذه الطـرق هـذا، ومـن األهميـة .واألساليب بشكل يجعل القارئ في صورة هذا المنهج القرآني العظيم هـذا بمكان معرفة هذا المنهج لكل من نصَّب نفسه داعيا لإلسالم أو مدافعا عنـه ، ليقتفـي المنهج الرباني الحكيم ، بعيدا عن المناهج المبتدعة في االحتجاج ، التي أساء أربابهـا وهـم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، فكانت النتيجة أن ضلوا وأضلوا غيرهم ، ولو أنهم عادوا إلى المنهج القرآني ألراحوا واستراحوا الرد على أعداء اإلسـالم وافتـراءاتهم فلكل قارئ أن يستفيد من هذه األساليب القرآنية في .حول قضايا العقيدة أو التشريعات والنظم اإلسالمية وفق هذا المنهج القرآني القويم مشكلة البحث .الوقوف على مفهوم الدليل ، وأنواع األدلة القرآنية وخصائصها ومميزاتها • .معرفة أنواع االستدالل في القرآن • جاجمعرفة طرق القرآن في االحت • .معرفة أساليب القرآن في االحتجاج وإقامة األدلة • .معرفة الفرق التي وقع عليها االحتجاج في القرآن ، وأساليبه في االحتجاج عليهم • )58 ( معرفة منهج القرآن في إقامة األدلة على وحدانية اهللا ، وإثبات الرسـالة وصـدق حاملهـا، • .لساعة وإثبات أن القرآن من عند اهللا ، وإثبات البعث وا أهداف البحث :يهدف الباحث من هذه الدراسة إلي ما يلي .إبراز أهمية العقل والتفكير في القرآن الكريم بيان مفهوم الدليل من حيث اللغة واالصطالح عنـد علمـاء الفقهـاء واألصـوليين .والمتكلمين .بيان أنواع األدلة من حيث التركيب والمادة والداللة والموضوع .أهم خصائص األدلة القرآنية ومميزاتهاإبراز .بيان أنواع االستدالل في القرآن مع التمثيل عليها .الكشف عن طرق القرآن في االحتجاج .الكشف عن أساليب القرآن في إقامة األدلة والحجج .دراسة وتحليل حجج وأدلة القرآن في إثبات بعض الحقائق الغيبية :الدراسات السابقة أعلم أحدا من العلماء تناول هذا الموضوع تناوال تفصيليا شامال على هذه الصورة التي ال .سيتم عرضها ان شاء اهللا )59 ( اإلمام : غير أن بعض العلماء كتبوا في بعض جوانب الموضوع باختصار واقتضاب ،منهم احتجـاج القـرآن واكتفى بإشارة سريعة حول" البرهان في علوم القرآن " الزركشي في كتابه .وذكر بعض طرق القرآن في االحتجاج دون الخوض في التفصيل وقـد " اإلتقان في علوم القـرآن " جالل الدين السيوطي في كتابه الشهير : ومنهم اإلمام الشيخ تناول فيه " في جدل القرآن "الذي سماه ) الثامن والستون(تحدث حول هذا الموضوع في النوع في االحتجاج بشكل موجز ومختصـر ، ولـم يتعـرض لقضـايا الـدليل بعض طرق القرآن .واالستدالل في القرآن واكتفى فيه بعـرض " الفوز الكبير في أصول التفسير " اإلمام الدهلوي ، صاحب كتاب : ومنهم .الفرق التي وقع معها المخاصمة والرد في القرآن وردود القرآن على هذه الفرق الضالة المحدثين الذين تعرضوا لهذا الموضوع الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة الميـداني ومن العلماء تعرض فيه لقضايا االسـتدالل فـي القـرآن ، " ضوابط المعرفة وأصول االستدالل " في كتابه .وكذلك عرض دراسة تحليلية لعشر مناظرات في القرآن تعرض لبعض أساليب القرآن فـي "أدب الحوار والمناظرة " علي جريشة في كتابه . د: ومنهم .االستدالل عرض فيه ألدلة القرآن في إقامـة " المشاهد في القرآن " حامد صادق قنيبي في كتاب . ومنهم د .الحجج والبراهين العقلية على قضايا الوحدانية والبعث وغيرها من القضايا . محمد أبو زهرة ، تحدث فيه بشكل مختصر حول حجج القرآن. د: هم نوم )60 ( نوفان ، في كتابه الداللة العقلية في القرآن ومكانتها فـي تقريـر مسـائل معبدا لكري. ومنهم د العقيدة ، وقد تعرض لبعض أساليب القرآن في االحتجاج ، لكن تركيز الباحث في هذا الكتـاب الحتجاجكان منصبا على تتبع األدلة العقلية في القرآن ، غير آبه بإبراز المنهجية القرآنية في ا إن أحدا من العلماء لم يتنـاول هـذا الموضـوع : وبشكل عام يستطيع الباحث القول .بإحاطة وشمول على هذه الصورة ، وإنما كانت دراسات تُعنى بجانب منه، وتهمل اآلخر شامل إن ما يميز هذه الدراسة أنها تتناول الموضوع بتفصيل : وبالتالي يمكننا القول وتلم بجميع وجوهه وجوانبه ، وتؤلف بين شتاته في مكان واحد ، ما استطاع الباحث إلى ذلـك .سبيال . مقدمة ، وتمهيد ، وثالثة فصول ، وخاتمةوقد اشتمل هذا البحث على ففي المقدمة عرض الباحث أهمية هذا الموضوع والسبب في اختياره ، وبين مشكلة البحث ثم بين فيها عرضا موجزا ألهم الدراسات التي تناولت هذا الموضوع . ه الدراسة وأهدافه من هذ .، وما يميز هذا البحث عنها -:، فقد قسمه الباحث إلى ثالثة مباحث التمهيدأما أهمية العقـل : وتناول فيه مطلبين ، األول . أهمية العقل والتفكير في القرآن: المبحث األول .أساليب القرآن في الحض على التفكير : ب الثاني في القرآن ، والمطل )61 ( األول تناول : ، وفيه ثالثة مطالب دعوة القرآن إلى المجادلة بالتي هي أحسن: المبحث الثاني مفهوم الجدل في اللغة واالصطالح ، والثاني تناول الجدل في السياق القرآني ، والثالث تنـاول .وجوب الجدل بالتي هي أحسن األول مفهـوم : وفيه ثالثـة مطالـب . مفهوم المعرفة وطرق الوصول إليها: الثالثالمبحث موضـوع : طرق الوصول إلى المعرفة ، والثالـث : المعرفة في اللغة واالصطالح ، والثاني .المعرفة وتكامل الطرق الموصلة إليها في القرآن :أما الفصول التي يتكون منها هذا البحث ، فكانت ثالثة فصول : وقد اشتمل هذا الفصل على أربعة مباحث. الدليل واالستدالل في القرآن: الفصل األول .تناول فيه الباحث مفهوم الدليل من حيث اللغة ومن حيث االصطالح : األول .يتناول أنواع األدلة عند العلماء بشكل عام ، وفي القرآن بشكل خاص : والثاني .ة القرآنية ، وقد عد الباحث اثنتي عشرة خصيصة يتناول خصائص األدل: والثالث يتناول موضوع االستدالل وأنواعه في القرآن ، وهو االستدالل المباشر واالسـتدالل : والرابع .غير المباشر -:وفيه أربعة مباحث : الحجة في القرآن ومنهجه في إقامتها : الفصل الثاني .، وتناول أيضا مراتب الحجة -لغة واصطالحا –تناول مفهوم الحجة : األول وقد كشف الباحث عن أربع . تناول أبرز الطرق العامة التي سلكها القرآن في االحتجاج :الثاني .طرق رئيسة سلكها القرآن في االحتجاج )62 ( تناول األساليب الخاصة التي سلكها القرآن في االحتجاج ، وقد كشف الباحث عن ثمانية : الثالث .عشر أسلوبا .تناول الفرق الضالة التي وقع عليها االحتجاج في القرآن ، وأبرز أساليب القرآن في الرد على هذه الفرق : رابع ال وقد عني هـذا . دراسة تحليلية لحجج القرآن في إثبات بعض القضايا الغيبية: الفصل الثالث :فيه ثالثة مباحث الفصل بتوضيح المنهج القرآني في إثبات مجموعة من القضايا الغيبية ، و .أدلة القرآن في إثبات توحيد اهللا عز وجل : األول .أدلة القرآن في إثبات الرسالة ، وأن القرآن من عند اهللا : الثاني .أدلة القرآن في إثبات البعث والساعة : الثالث .فقد عرض فيها الباحث أهم النتائج التي توصل إليها من هذه الدراسة : أما الخاتمة :منهجي في البحث تركزت عناية الباحث في هذه الدراسة حول إبراز المنهج القرآني في االحتجاج ، ولـم تكـن -1 غايته استقراء الحجج القرآنية حول القضايا المختلفة ، وما ساقه من حجج إنما كان لتوضيح هذا .المنهج مقارنة بين منهجهم ومنهج القـرآن، وإن لم يعن الباحث ببيان منهج المتكلمين في االحتجاج ، لل -2 كان الباحث قد ألمح في بعض األحيان إلى قصور أدلة المتكلمين ، وعـدم وفائهـا بـالغرض .المطلوب )63 ( توثيق اآليات القرآنية بين هاللين وبخط غامق مميز ،ثم ذكر اسم السورة ورقم اآلية في هامش -3 .التوثيق ند وروده ألول مرة ،وذلك حسب شهرة المؤلف ثم اسمه ثـم التعريف بالمصدر بشكل كامل ع -4 اسم المصدر ثم رقم الطبعة ، ثم دار النشر ، ثم سنة النشر ثم الجزء والصفحة مع اإلشارة إلـى .وقد التزم الباحث بذكر سنة الوفاة لكل المؤلفين القدامى . عدد أجزاء المؤلف ى بذكر اسم الشـهرة للمؤلـف ، واسـم المصـدر إذا تكرر المرجع في مواضع الحقة ، يكتف -5 .مختصرا ، وإذا نقل الباحـث ( " " ) وضع الكالم المقتبس حرفيا من كتب العلماء بين عالمتي التنصيص -6 .انظر: بالمعنى أشار عند توثيق المصدر بقوله ديث في الحكم تخريج األحاديث النبوية وذلك بعزوها إلى مصادرها مع ذكر قول أحد علماء الح -7 عليه ، هذا إذا كان الحديث غير وارد في أحد الصحيحين ، أما إذا ورد في أحد الصحيحين، فقد .اكتفى الباحث بعزوه إلى مصادره قام الباحث بترجمة يسيرة لألعالم الذين ورد ذكرهم في هذه الرسالة ، إذا لم يتم النقل من كتبهم - 8 طلحات أو المفاهيم أو األفكار التي قد يشكل على القارئ فهمها قام الباحث بتوضيح بعض المص -9 .، وذلك في هامش التوثيق قام الباحث بتشكيل بعض المفردات في اآليات القرآنية وغيرها ، والتي تحتمل أكثر من وجه -10 .، لئال يلتبس على القارئ فهمها )64 ( أن يجعله في ميزان حسناتي يوم الدين واهللا أسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم ، و ، وأن ينفع به عباده المخلصين ،إنه هو البر الرحيم اللهم آمين مجاهد محمود أحمد ناصر جامعة النجاح الوطنية كلية الدراسات العليا التفسير-قسم أصول الدين )65 ( الفصل التمھيدي : وفيه ثالثة مباحث .والتفكير في القرآن أهمية العقل : المبحث األول .دعوة القرآن إلى المجادلة بالتي هي أحسن : المبحث الثاني .مفهوم المعرفة وطرق الوصول إليها : المبحث الثالث )66 ( المبحث األول أهمية العقل والتفكير في القرآن :وفيه مطلبان مكانة العقل في القرآن: المطلب األول اليب القرآن في الحض على التفكيرأس: المطلب الثاني )67 ( المبحث األول أھمية العقل والتفكير في القرآن مكانة العقل في القرآن : المطلب األول منَّ اهللا تعالى على بني البشر بقوة إدراك عظيمة اختصهم بها ، وميزهم عن سائر خلقـه ، وهو عبادة الرحمن جل ذكره ، وطاعته في األرض ، ليكونوا أهال للدور الذي خلقوا من أجله .دون غيره والعقل هو تلك القوة الخفية ، التي بها يستطيع اإلنسان أن يدرك ما يحيط به ، ويميز بين .)1(الحسن والقبيح ، والضار والنافع ، وبها يعرف خالقه ومعبوده ، والمحور الذي يـدور حولـه وال خالف بين علماء اإلسالم أن العقل هو مناط التكليف كما قرروا أن العقل هو المرتكز والبناء الذي يقوم علـى . موضوع الثواب والعقاب في اإلسالم . أساسه النقل فلو أن وجود اهللا عز وجل ، وصدق نبيه صلى اهللا عليه وسلم لم يثبتا بدليل العقل وبرهانه ، لما ، والنبوة إنما تثبت عن طريق المعجزة الدالـة داللـة ثبت الوحي ، فالعقل هو الذي يثبت النبوة .)2(عقلية على صدق النبي وصحة خبره ، مؤسسة الرسالة، 2،جزء واحد ، ، طل والوحي، الفكر اإلسالمي بين العقعبد العال سالم . مكرم ، د: انظر - 1 .مكرم ، الفكر اإلسالمي بين العقل والوحي : وسيشار إليه الحقا ). 7( م ، ص 1992- هج1412 دار الفرقـان، . األردن –، ، عمـان 1،جزء واحـد، ط الحياة الربانية والعلم يوسف ، . القرضاوي ، د: انظر - 2 .القرضاوي ، الحياة الربانية والعلم : وسيشار إليه الحقا . ) 71( م ، ص 1997 -هج1417 )68 ( العقل والوحي ، وكل منها : ولذا ، قرر العلماء أن لهذا الدين دعامتين أساسيتين يقوم عليهما هما )2("بالعقل فالعقل لن يهتدي إلى الحق إال بالشرع والشرع ال يبين إال " ؛)1(ال يستغني عن اآلخر فالوحي ال بد له من داللة عقلية تثبته ، والعقل ال بد له من منهج قويم يوجهه، ليكـون قـادرا . .على أداء وظيفته ، )3(ولوال العقل لما شرعت الشرائع ،ولما سنت القوانين وقامت الحضارات وامتدت المدنيات .األرض، شأنه شأن الدواب التي ال تعقل ولوال العقل لما ارتقى اإلنسان إلى العال وألخلد إلى لذا ، ال غرابة أن نجد القرآن الكريم قد اعتنى بالعقل والتفكير ، وأشاد بـأولى األلبـاب ،فأحله منزال ساميا وجعلـه )4(والنهى ، ودعا إلى النظر والتفكر ، وحرض على التعقل والتدبر باستعماله والتحاكم إليه ، وحمل علـى كـل مقلـد نورا يهتدي به الناس في الظلمات ، وطالبهم )5(.عطل عقله ومنعه عن أداء وظيفته لم " العقل"في القرآن ، فخلصوا إلى أن لفظة " العقل " وقد تتبع بعض العلماء ورود لفظة َعِقَل ، نَْعِقـُل ، َيْعِقـل ، فـي الماضـي : ترد مصدرا قط ، وكل ما ورد هو في صيغة الفعل وورد بعضها مسبوقا بالحث على العقل ، أو . مضارع والمفرد والجمع وال . )6(االستفهام أو االستنكار أو النفي، وعدد هذه األلفاظ ما يقرب الخمسين ).5(، ص الفكر اإلسالمي بين العقل والوحيمكرم ، : انظر - 1 الجنـدي ، : وسيشار إليه الحقـا ). 88(، جزء واحد ، دار االعتصام ، ص ترشيد الفكر اإلسالميالجندي ، أنور ، - 2 .ترشيد الفكر اإلسالمي ).15(دار المعارف ، ص . ،جزء واحد، مصر مقام العقل عند العربطوقان ، قدري حافظ ، : انظر - 3 ).71(القرضاوي ، الحياة الربانية والعلم ، ص: انظر - 4 ) .16-15(، ص مقام العقل عند العربطوقان ، : انظر - 5 2،جـزء واحـد، ط ديث النبوي الشـريف اإلسالم والعقل على ضوء القرآن الكريم والحصالح الدين ، . المنجد ، د - 6 .المنجد ، اإلسالم والعقل : وسيشار إليه الحقا ) . 15(م ، ص 1976بيروت، دار الكتاب الجديد ، )69 ( .بعينها " العقل " هذا بالنسبة إلى لفظة . النهـى مثل األلباب ، و الحجر ، و: لكن المتتبع آليات القرآن يجده استخدم مرادفات له أضف إلى ذلك اآليات التي تدور حول الوظائف العقلية المختلفة ، كالنظر والتـدبر والتـذكر .)1(والبصر إن هذه المساحة التي شغلها الحديث في القرآن عن العقل ومرادفاته ووظائفه ، لها داللتها لمكانة السامية التـي أحلهـا الواضحة الجلية على المنزلة العظيمة التي بوأها القرآن للعقل ، وا .ألهله ليس بصدد الحديث عن جميع اآليات التي أشـارت –في هذه العجالة اليسيرة –والباحث إلى العقل من قريب أو بعيد ، لكنه يقف عند بعضها إلظهار المكانة التي أحلها القرآن للعقـل ، . وحثه أهله على التفكر والتدبر، في كل آية من آيات اهللا ِإنَّ ِفي خَلِْق السََّماَواِت َوالَْأْرضِ َواخِْتالِف اللَّْيلِ َوالنََّهارِ َوالْفُلِْك الَِّتي تَْجرِي :(( اقرأ قوله تعالى ا َوَبـثَّ َهِفي الَْبْحرِ بَِما َينْفَُع النَّاَس َوَما َأنَْزَل اللَُّه ِمَن السََّماِء ِمْن َماٍء فََأْحَيا بِِه الَْأْرَض َبْعَد َمْوِت ِفيَها ِمْن كُلِّ َدابٍَّة َوتَْصرِيِف الرَِّياحِ َوالسََّحابِ الُْمَسخَّرِ َبْيَن السََّماِء َوالَْأْرضِ لَآيـاٍت ِلقَـْومٍ .)2( )َيْعِقلُوَن . )3()خِْتالفاً كَِثيراًَأفَال َيتََدبَُّروَن الْقُْرآَن َولَْو كَاَن ِمْن ِعنِْد غَْيرِ اللَِّه لََوَجُدوا ِفيِه ا(: وقوله .)4( )قُْل ِسيُروا ِفي الَْأْرضِ فَانْظُُروا كَْيفَ َبَدَأ الْخَلْقَ ( :وقوله ،جزء واحـد، الداللة العقلية في القرآن ومكانتها في تقرير مسائل العقيدة اإلسالميةعبد الكريم نوفان ، . عبيدات ، د - 1 عبيدات، الداللة العقلية في القرآن : وسيشار إليه الحقا ) . 85(م ، ص2000 –هج1420، دار النفائس ، 1ط .164آية : سورة البقرة - 2 . 82آية : سورة النساء - 3 20آية : سورة العنكبوت - 4 )70 ( .)1() َوِفي َأنْفُِسكُْم َأفَال تُْبِصُروَن : ( وقوله المهمة في المكانة إن هذه اآليات القرآنية وغيرها ، التي تشير إلى العقل من قريب أو بعيد لها داللتها الكبيرة و" التي بوأها القرآن للعقل ، فقد جاء القرآن في مواضع شتى منه يستحث العقل ويستثيره ، ويلح عليه أشد اإللحاح بالنظر فال تكاد " . أفال يذكرون " ، " أفال يتدبرون " ، " أفال تتفكرون " ويأمره بالتفكر والتدبر والتذكر .." قل انظروا " العقلي ، ثم يأمرك بالتأمل فيها ، وسبر غورها، واكتشاف )2("ة منه إال ويعرض عليك مجموعة من الظواهر الكونية تمر بسور .سرها، للوقوف على كنهها واالستدالل بها على حقائق الغيب، التي أطلعنا اهللا تعالى عليها بربهم ، إن استخدام العقل وتوجيهه نحو وظيفته ، هو وصف للمؤمنين الذين أيقنوا . )3(فهم العقالء الذين ينتفعون بهذه النعمة العظيمة ، ويتدبرون آيات اهللا بها ي ه الت ون بأمثال ذين ينتفع دھم ال أنھم وح المين ب ؤمنين الع اده الم ى عب ى هللا عل ذا ، أثن ل وني ه في النظر الك الى . )4(يضربھا وتوجيھات ال تع ِرُبَھا لِ ( :ق اُل َنْض َك اأْلَْمَث ا َوِتْل اِس َوَم لنَّ . ) 5()َيْعِقلَُھا إاِلَّ اْلَعالُِمونَ أي ما يفهمها وَيتَعقَّل األمر الذي ضربناها ألجله إال العالمون : " قال الشوكاني في فتح القدير باهللا ، الراسخون في العلم ، المتدبرون المتفكرون لما ُيتلى عليهم وما يشاهدونه من خلق اهللا . )6(" ي السماوات واألرض ف أما الضالون المنحرفون ، فقد نفى عنهم العقل ، ألنهم ال يستخدمونه وال ينتفعون به، بـل التي ال تعقل ، بل هم أضل " كاألنعام " حادوا به عن وظيفته ، فاستحقوا بذلك أن يوصفوا بأنهم جِنِّ َوالِْأنْسِ لَُهْم قُلُـوٌب ال َيفْقَُهـوَن بَِهـا َولَقَْد ذََرْأنَا ِلَجَهنََّم كَِثيراً ِمَن الْ(: قال تعالى . )7(سبيال 21آية : سورة الذاريات - 1 85، ص الداللة العقلية في القرآنعبيدات ،: انظر - 2 .12، ص الفكر اإلسالمي بين العقل والوحي مكرم ،: انظر - 3 .12المرجع السابق ، ص : انظر - 4 .43آية : سورة العنكبوت - 5 وسيشار ). 4/204(دار الفكر -أجزاء ،بيروت 5،فتح القدير، ) هج1250 -ت(الشوكاني ، محمد بن علي بن محمد - 6 .الشوكاني ، فتح القدير : إليه الحقا . 12، ص الفكر اإلسالمي بين العقل والوحيم ، ، مكر: انظر - 7 )71 ( ـ َك ُهـُم َولَُهْم َأْعُيٌن ال ُيْبِصُروَن بَِها َولَُهْم آذَاٌن ال َيْسَمُعوَن بَِها ُأولَِئَك كَالَْأنَْعامِ َبْل ُهْم َأَضلُّ ُأولَِئ .)1() الْغَاِفلُوَن الـذين اهللا عليهم من ِنَعمِ اإلدراك ، فهـؤالء فالكفرة الضالون المنحرفون ، ال ينتفعون بما أنعم ذرأهم لجهنم من خلقه لهم قلوب كغيرهم من البشر ، لكنهم ال يتفكرون بها فـي آيـات اهللا وال يتدبرون بها أدلته على وحدانيته ، فيعلموا توحيد ربهم ، فاستحقوا بذلك أن يوصـفوا بـأنهم ال وكذلك لهم أعين ال ينظرون بها آيات . دبر اآليات يفقهون، ألنهم أعرضوا عن الحق ، وتركوا ت اهللا وأدلته ، فيتأملوها ويتفكروا فيها فيعلموا بها صحة ما يدعوهم إليه رسلهم ، وفساد مـا هـم .)2( فهؤالء جعلهم اهللا كاألنعام ثم جعلهم شرا من األنعام. مقيمون عليه من الشرك والكفر الغـذاء والنمـو والـوالدة ، : حيوانات في قوى الطبيعةإن اإلنسان متشارك مع سائر ال ومتشارك معها أيضا في منافع الحواس الخمس ، وفي أحوال التخيل والتفكر والتـذكر ، وإنمـا حصل االمتياز بين اإلنسان وسائر الحيوانات في القوة العقلية والفكرية التي تهديه إلـى معرفـة عقل والفكر ، ومعرفة الحق ، كانوا كاألنعام ، بل هـم الحق ، فلما أعرض الكفار عن أحوال ال .)3(أضل ، ألن الحيوانات ال قدرة لها على تحصيل هذه الفضائل .179آية : سورة األعراف - 1 جـزءا ، 30، جامع البيان عـن تأويـل آي القـرآن ، )هج 310-ت(الطبري ، محمد بن جرير بن يزيد : انظر - 2 .الطبري ، جامع البيان : وسيشار إليه الحقا ) . 132/ 9( هج، 1405دار الفكر ، -بيروت جـزءا، ) 32(، التفسـير الكبيـر ، ) هـج 606 -ت(الرازي ، الفخر ، محمد بن عمر بن الحسن التميمي ، :انظر - 3 .الرازي ، التفسير الكبير: وسيشار إليه الحقا ).15/64(دار الكتب العلمية ، -،طهران2ط )72 ( . أساليب القرآن في الحض على التفكير: المطلب الثاني إن التفكر في مخلوقات اهللا عز وجل ، وتدبر آياته الباهرة ، والتأمل في مظـاهر الكـون الخالق فيه ، هو عبادة من أعظم العبادات التي دعا إليها اإلسالم ، فهي تقود الجاحد وإبداعات .فبالتفكر ينتفع المؤمن والكافر إن هو أراد . إلى اإليمان ، والمؤمن يزداد إيمانا ويقينا فـي وال غناء للعبد عن التفكر والنظر والذكر ، لَيكْثَُر اعتباره ويزيَد في علمه ويعلـو " الفضل ؛ فمن قلَّ تفكره قّل اعتباره،ومن قّل اعتباره قّل علمه، ومن قّل علمه كثر جهلـه وبـاَن )1(" نَقُْصه، ولم يجد طعم البِرِّ ،وال َبْرَد اليقين ، وال روح الحكمة فال عجب أن نرى القرآن الكريم يحمل بين دفتيه الكريمتين كثيرا " وإذا كان األمر كذلك ، اآليات التي تستحث العقل وتدفعه إلى التدبر في خلق السماوات واألرض بشـتى األسـاليب من والوسائل التي تناسب كل مزاج وحالة روحية ، حتى ال تترك وسيلة من الوسائل إال سـلكتها ، وذلك لتخرج الناس من بالدة الحس وهمود العادة ورتابة المألوف ، ليـروا آيـات ربهـم فـي )2(" رض ببصيرة حيَّة وقلب شفَّاف السماوات واأل وألن القرآن العظيم لم يتنّزل لطائفة محدودة الزمان أو المكان؛ فإننا نجـده قـد انـتهج أساليب عدة في الحض على التفكير، وَدفْعِ العقل إلى التدبر ، وذلـك كـي يراعـي جميـع .المستويات الفكرية للبشر بتذكيرها بآالء اهللا ونعمه ، ويكون التفكر والعبرة من خالل فتارة يستجيش العقول والقلوب" -1 )3(" الجو الحاني من صفات الرحمة الودودة ،جزء واختالف الناس فيهمائية العقل ومعناه ، ) هج 242-ت(المحاسبي ، الحارث بن أسد بن عبد اهللا ، - 1 المحاسبي، مائية العقل: وسيشار إليه الحقا. 235هج، ص1398، 2دارالكندي ودار الفكر، ط - واحد،بيروت م ، 1993 –هـج 1413دار الوفاء ، -،القاهرة3،جزء واحد، ط التفكر من المشاهدة إلى الشهودمالك ، . بدري ، د - 2 فكر من المشاهدة إلى الشهودبدري ، الت: وسيشار إليه الحقا . 63ص .63المرجع السابق، ص - 3 )73 ( َواللَُّه َأنَْزَل ِمَن السََّماِء َماًء فََأْحَيا بِِه الَْأْرَض َبْعَد َمْوِتَها ِإنَّ ِفي ذَِلَك لَآَيةً (:اقرأ قوله تعالى نَّ لَكُْم ِفي الَْأنَْعامِ لَِعْبَرةً نُْسِقيكُْم ِممَّا ِفي ُبطُوِنِه ِمْن َبْينِ فَْرٍث َوَدمٍ لََبناً خَاِلصاً َوِإ*ِلقَْومٍ َيْسَمُعوَن . )1( )َساِئغاً ِللشَّارِبِيَن إلى ففي هذه اآلية ، نجد أن القرآن الكريم يأخذ بالعقل ، ويستحثه على التفكير ، بأسلوب لطيف وحانٍ ، ويلفت نظره .ِنَعمٍ عظيمة ، يراها ويلمسها مراٍت ومراٍت ، لكنه قد يمرعنها دون اعتبار وتدبر ينبه اهللا خلقه على حججه علـيهم فـي : " في تفسيره –رحمه اهللا -يقول اإلمام الطبري : اس أيها الن: توحيده وأنه ال تنبغي األلوهية إال له ، وال تصلح العبادة لشيء سواه ، ويقول لهم معبودكم الذي له العبادة هو الذي أنزل من السماء ماء، فأحيا به األرض ، وإن هذا لدليل قاطع، . )2(" وحجة قوية، على وجوده واستحقاقه للعبادة وتارة ينقلب الخطاب عنيفا ، مقرونا في بعض األحيان بالتهديد والوعيد ، وهذه اآليـات " -2 ة، المنكرة الجاحدة، التـي تحتـاج لمثـل هـذا األسـلوب تكون موجهة لذوي القلوب القاسي .)3("الصارم والمتتبع لهذه اآليات، يجد أن ُجلَّها مصّدٌر باالستفهام االسـتنكاري ،الـذي يفيـد التهديـد .والوعيد لمن ال يفكر وال يتدبر وال يتعظ ).4( )َوِإلَى السََّماِء كَْيفَ ُرِفَعتْ* كَْيفَ خُِلقَتْ اإلبلَأفَال َينْظُُروَن ِإلَى :(اقرأ قوله تعالى .)1() َأَولَْم َيَر الَِّذيَن كَفَُروا َأنَّ السََّماَواِت َوالَْأْرَض كَانَتَا َرتْقاً فَفَتَقْنَاُهَما: (وقوله ).66-65(آية : سورة النحل - 1 ).131-14/130(الطبري ، ، جامع البيان ، 2 - .63بدري ، التفكر من المشاهدة إلى الشهود ، ص - 3 ).18-17(آية : سورة الغاشية - 4 )74 ( .)2()َألَْم تََرْوا كَْيفَ خَلَقَ اللَُّه َسْبَع َسَماَواٍت ِطَباقاً( : وقوله َرْوا ِإلَى َما َبْيَن َأْيِديهِْم َوَما خَلْفَُهْم ِمَن السََّماِء َوالَْأْرضِ ِإْن نَشَـْأ نَخِْسـفْ بِهِـُم َأفَلَْم َي(: وقوله .)3( )الَْأْرَض َأْو نُْسِقطْ َعلَْيهِْم ِكَسفاً ِمَن السََّماِء ِإنَّ ِفي ذَِلَك لَآَيةً ِلكُلِّ َعْبٍد ُمِنيبٍ هؤالء المكذبون باآلخرة يوقظهم بعنف على : " ى هذه اآلية يقول الشهيد سيد قطب تعليقا عل ..وظلوا في ضاللهم البعيد-لو شاء اهللا–مشهد كوني، يصور لهم أنه واقع بهم وهو مشهد األرض تُخَْسفُ بهم، والسماء تَتَساقطُ قطعا عليهم ، وهو مشهد كـوني عنيـف ، )4(" منتزع من مشاهداتهم وترويه القصص أيضا )5(ارة يأتي الحض على التفكير في صورة الثناء الودود على أولـى األلبـاب والعقـول وت -3 )6(ومدح أهل العقل ، واختصاصهم بالخطاب ألنهم ال يرون في الوجود شيئا إال وكـان " ، )7() كَذَِلَك نُفَصُِّل الْآياِت ِلقَْومٍ َيْعِقلُوَن(: قال تعالى ال تحصى ، فهؤالء يذكرون اهللا في كل حالة مـن أحـوالهم لهم فيه عبرة وتذكرة باهللا ونعمة ِإنَّ ِفـي خَلْـِق السَّـَماَواِت (: ، قال تعالى )8("النفسية ، وفي كل وضع من أوضاعهم الجسمية َوقُُعـوداً َوَعلَـى لَِّذيَن َيذْكُُروَن اللََّه ِقَياماًا*َوالَْأْرضِ َواخِْتالِف اللَّْيلِ َوالنََّهارِ لَآياٍت ِلُأوِلي الَْألَْبابِ ـ ذَاَب ُجنُوبِهِْم َوَيتَفَكَُّروَن ِفي خَلِْق السََّماَواِت َوالَْأْرضِ َربَّنَا َما خَلَقْتَ َهذَا َباِطالً ُسـْبَحانََك فَِقنَـا َع .)9() النَّارِ ).30(آية : سورة األنبياء - 1 ).15(آية : سورة نوح - 2 .)9(آية : سورة سبأ - 3 : وسيشار إليه الحقا ). 632/ 6(م ، 1971دار إحياء التراث، -،بيروت7أجزاء ،ط 8،في ظالل القرآنقطب ،سيد ، - 4 .قطب ، في ظالل القرآن .64، ص التفكر من المشاهدة إلى الشهودبدري ، : انظر - 5 .87، ص القرآنالداللة العقلية في عبيدات ، : انظر - 6 ) .28: (سورة الروم - 7 .64بدري ، التفكر من المشاهدة إلى الشهود ، ص - 8 ).191-190(آية : سورة آل عمران - 9 )75 ( ـ )1("وتارة يسلُُك سبيل الذم البالغ لمن يهملون عقولهم " -4 ة ، وال ينتفعون بهذه النعمـة العظيم )2() ِإنَّ شَرَّ الدََّوابِّ ِعنَْد اللَِّه الصُّمُّ الُْبكُْم الَِّذيَن ال َيْعِقلُـونَ (: قال تعالى . التي منحهم اهللا إياها .)3() َأْم تَْحَسُب َأنَّ َأكْثََرُهْم َيْسَمُعوَن َأْو َيْعِقلُوَن ِإْن ُهْم ِإلَّا كَالَْأنَْعامِ َبْل ُهْم َأَضلُّ َسبِيالً: (وقال فإن الذين يتجاهلون الدالئل والحجج ، وهي تطرق أسماعهم وعقولهم، استحقوا أن يكونـوا والتكليف وفـق مـا . كاألنعام ، فما من فَْرٍق بين اإلنسان والبهيمة إال االستعداد للتدبر واإلدراك ، فإذا تجرد يتدبر ويدرك من الحقائق ،عن بصيرة وقصد وإقناع، ووقوف عند الحجة واالقتناع ).4(اإلنسان عن خصائصه هذه ، كان أحط من البهيمة وهذا الذم البالغ لمن أغفل قلبه وعطل عقله، كفيل بإيقاظ الحس ومراجعة الـنفس، ليكـون .اإلنسان متعقال ومتدبرا ،فال أحد يرضى لنفسه أن يكون هو والبهيمة سواء إال من فقد إنسانيته النظر والعقل إلى تدبر آيات اهللا في الكون باستجاشة الناحيـة الجماليـة وتارة يلفت القرآن -5 الفطرية في اإلنسان ، بطريقة تهز المشاعر وتحرك الوجدان ، وذلك بلفتهـا لجمـال األلـوان قال تعـالى . )5(واألصباغ المختلفة الظالل في األرض ، وما فيها من جمادات وحيوانات وبشر َألَْوانَُها َوِمـَن الْجَِبـالِ ُجـَدٌد َه َأنَْزَل ِمَن السََّماِء َماًء فََأخَْرْجنَا بِِه ثََمَراٍت ُمخْتَِلفاً َألَْم تََر َأنَّ اللَّ:( َوالَْأنَْعامِ ُمخْتَِلفٌ َألَْوانُُه كَـذَِلَك َوِمَن النَّاسِ َوالدََّوابِّ*بِيٌض َوُحْمٌر ُمخْتَِلفٌ َألَْوانَُها َوغََرابِيُب ُسوٌد .)6()َما َيخْشَى اللََّه ِمْن ِعَباِدِه الُْعلََماُء ِإنَّ .87، ص الداللة العقلية في القرآنعبيدات ، : انظر - 1 .22آية : سورة األنفال - 2 .44آية : سورة الفرقان - 3 ).6/166(، آنفي ظالل القرقطب ، : انظر - 4 .64بدري ، التفكر من المشاهدة إلى الشهود ، ص: انظر - 5 ).28-27(آية : سورة فاطر - 6 )76 ( فهذه لفتة كونية من اللفتات الدالة على مصدر هذا الكتاب ، لفتة تطوف في األرض كلها لتتبع فيها األلوان " )1(" واألصباغ، في كل عوالمها ؛ في الثمرات ، وفي الجبال،وفي الناس ، وفي الدواب يلفت األنظار إلى عنصر الجمال ؛ جمال الطبيعة ، وجمال الحيوان ، وجمـال إن القرآن اإلنسان ، لتتعدى هذه األنظار من االستمتاع بهذا الجمال في مظهره ،إلى التفكر في جـوهره ، َوِمنَْهـا َوالَْأنَْعاَم خَلَقََها لَكُْم ِفيَها ِدفٌْء َوَمنَـاِفعُ ( :قال تعالى.إلدراك القدرة التي أبدعته وشكلته الَِّذي َأْحَسَن كُلَّ شَْيٍء خَلَقَُه :(وقال . )2()َولَكُْم ِفيَها َجَماٌل ِحيَن تُرِيُحوَن َوِحيَن تَْسَرُحوَن*تَْأكُلُوَن ).3 ( )َوَبَدَأ خَلْقَ الِْأنَْسانِ ِمْن ِطينٍ ـ )4(وتارة يظهر القرآن التعجب الشديد ، والتأفف من تعطيل العقـل -6 ن القيـام ومنعـه ع َأفَال َيتََدبَُّروَن الْقُْرآَن َولَْو كَاَن ِمْن ِعنِْد غَْيرِ :(قال تعالى . بوظيفته، وحجبه عن البصيرة والنور قُْل لَْو شَاَء اللَُّه َما تَلَْوتُُه َعلَْيكُْم ( :وقال . )5() اللَِّه لََوَجُدوا ِفيِه اخِْتالفاً كَِثيراً .)6() ْد لَبِثْتُ ِفيكُْم ُعُمراً ِمْن قَْبِلِه َأفَال تَْعِقلُوَنوال َأْدَراكُْم بِِه فَقَ جل –؛ فقد أقسم الرحمن "القسم " ومن األساليب التي انتهجها القرآن للحض على التفكر، -7 ببعض آياته الكونية ، ومخلوقاته في األرض ، كالضحى والليـل والنهـار والشـمس -وعال وقد اعتبر العلماء أن القسم بهذه المخلوقات هـو أعظـم . ر وغيرها كثي… والتين والزيتون .)7(دعاية للتفكر فيها وتدبرها ).697/ 6(، في ظالل القرآنقطب ، ، - 1 ).6-5(آية : سورة النحل - 2 ).7(آية : سورة السجدة - 3 .87عبيدات ،، الداللة العقلية في القرآن ، ص - 4 ). 82(آية : سورة النساء - 5 ).16(آية : سورة يونس - 6 .66، ص التفكر من المشاهدة إلى الشهودبدري، ، - 7 )77 ( وإن هـذه . هذه بعض األساليب التي اتبعها القرآن لحض العقول علـى النظـر والتـدبر األساليب لتؤكد المكانة التي أوالها القرآن للعقل ، وتنبه اإلنسان إلـى أن أخـص خصائصـه والتدبر والفهم ، فال ينبغي له أن يتنازل عنها بتعطيل عقله ، وإال فقد تنازل عن إنسانيته التفكير ِإنَّ شَرَّ الدََّوابِّ ِعنَْد اللَِّه الصُّـمُّ الْـُبكُْم : (قال تعالى . )1 (وصار كاألنعام السائمة أو شرا منها ).2 ()الَِّذيَن ال َيْعِقلُوَن )88-87(،ص الداللة العقلية في القرآنعبيدات ، - 1 ).22( آية: سورة األنفال - 2 )78 ( المبحث الثاني رآن إلى المجادلة بالتي هي أحسن دعوة الق -:وفيه ثالثة مطالب .مفهوم الجدل في اللغة واالصطالح : المطلب األول .الجدل في السياق القرآني : المطلب الثاني .وجوب المجادلة بالتي هي أحسن : المطلب الثالث )79 ( لمبحث الثانيا دعوة القرآن إلى المجادلة بالتي هي احسن .مفهوم الجدل في اللغة واالصطالح: األول المطلب . الجدل في اللغة: الفرع األول المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة ، وأصله من َجَدلْت الحبل " الجدال في اللغة هو . )1 (" ومنه الجِدال ، فكأن الُمتَجاِدلْينِ يفتل كل واحد منها اآلخر عن رأيـه . أي َأْحكمتُ فَتله الصراع وإسقاط اإلنسان صاحبه علـى الجِدالـة، وهـي األرض : " األصل في الجدال : وقيل )2 (" . الصلبة وجادلـه أي . واللََّدُد فيها والقـدرة عليهـا )3 "(واالسم ، الَجَدل ، وهو شدة الخصومة " مة ، إذا كان أقـوى رجل َجِدٌل وِمْجَدل وِمْجدال ، أي شديد الجدل والمخاص: ونقول . خاصمه :وقيل الجدل هو مقابلة الحجة بالحجة ، والمجادلة هي . )4 "(في الخصام :والمجادلة هي سورة قد سمع لقول اهللا تعالى في مفتتح السورة . المناظرة والمخاصمة وهما يتجـادالن فـي ذلـك ) 1 ()لَِّهقَْد َسِمَع اللَُّه قَْوَل الَِّتي تَُجاِدلَُك ِفي َزْوجَِها َوتَشْتَِكي ِإلَى ال( .) 2(األمر : آن ،جزء واحـد تحقيـق ، مفردات ألفاظ القر) هج 425 –ت ( الراغب ، أبو القاسم الحسين بن محمد األصفهاني ، - 1 وسيشـار إليـه . 189ص" جدل " م مادة 1992= هج1412، دار القلم والدار الشامية ، 2صفوان عدنان داوودي ، ط أجزاء، 7، الصحاح ،) هج393-ت(الجوهري ، أبو نصر إسماعيل بن حماد ، : وانظر . الراغب ، المفردات : الحقا مادة " م 1999= هج1420دار الكتب العلمية ، -،بيروت1بيل الطريفي ، طمحمد ن. أميل بديع يعقوب و د. د: تحقيق .الجوهري ، الصحاح : وسيشار إليه الحقا ) . 449/ 4" (جدل .189الراغب ، ، المفردات ، ص - 2 . )449/ 4(الجوهري ، الصحاح ، - 3 ، دار بيـروت ، 1جزء ، ط 15، العرب لسان، ) هج711-ت(ابن منظور ، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم - 4 ابن منظور ، لسـان : وسيشار إليه الحقا ) .105 -104/ 11(م ، باب الالم فصل الجيم، 1990= هج1410صادر ، .العرب )80 ( ونخلص من كالم اللغويين في معنى المجادلة، أنها مراجعة الكالم واالسترسال فيه ، بقصد . إفحام الخصم وإلزامه بما يريده المجادل . الجدل في االصطالح: الفرع الثاني علم باحث عن الطـرق التـي " ء بأنه أما الجدل من حيث هو علم، فقد عرفه بعض العلما والمقصود إبرام أي وضـع ُأريـد )3("ُيقْتََدُر بها على ِإبرامٍ َونَقْض ، وهو من فروع علم النظر بمعنى أن هذا العلم يقتدر به على حفظ أي وضع يريده المجـادل، . ) 4(.ونَقْضِ أي وضع كان .و كان حقاحتى ولو كان باطال ،وهدم أي وضع يريد هدمه ،حتى ول حوار كالمي يتفهم فيه كل طرف من الفريقين المتجادلين وجهة " وعرفه آخرون بأنه نظر اآلخر ، ويعرض فيه كل طرف منها أدلته، التي رجحت لديه استمساكه بوجهة نظـره ثـم )5(" يأخذ بتبصر الحقيقة من خالل االنتقادات التي يوجهها الطرف اآلخر ألدلته ويظهر في هذه التعريفات أثر المعنى اللغوي للجدل ، . يف الجدل عند العلماء هذا هو تعر فقد سبق أن الجدل هو المفاوضة على سبيل المنازعة ، وال شك أن كال المتفاوضـين يعـرض أدلته التي ترجح رأيه وتدعمه ، ويحاول أن يظهر معتقده بأية وسيلة كانت، ليثني صاحبه عـن .ما يريد رأيه ،ويفحمه ويلزمه ب ).1(آية : سورة المجادلة - 1 ). 105 -104/ 11(، لسان العربابن منظور ، - 2 ، جزءان،بيروت ، دار الكتـب العلميـة ، كشف الظنون) هج 1067 -ت(القسطنطيني ، مصطفى بن عبد اهللا ، - 3 .القسطنطيني، كشف الظنون : وسيشار إليه الحقا ). 579/ 1(م 1992= هج1413 أجزاء ، بيروت ، 3،تحقيق عبد الجبار زكار، أبجد العلوم، ) هج 1307 -ت(القنوجي ، صديق بن حسن ، : انظر - 4 .القنوجي ، أبجد العلوم : الحقا هوسيشار إلي).208/ 2( م1978دار الكتب العلمية ، ،دمشق ، دار 3،جزء واحد ، ط ضوابط المعرفة وأصول االستدالل والمناظرةالميداني ، عبد الرحمن حسن حبنكة ، - 5 .الميداني ، ضوابط المعرفة : وسيشار إليه الحقا . 361م ، ص 1988= هج1408. القلم )81 ( وهـو –كما أنه يبدو من التعريفين األولين، أنهم يعممونه على المجادلة على الحق أو الباطل ، بينما ظهر في التعريف األخير قصره على الجدل بالحق ، الذي يهدف للوصـول -الصحيح .إلى الحقيقة والصواب .الجدل في السياق القرآني : المطلب الثاني فـي معظـم -بمشتقاتها ، يجـد أنهـا " الجدل " تبع لآليات التي وردت بها لفظة إن المت جاءت في موضع الذم ، وأنها وصف للكفار الذين يجادلون دائما بالباطل ، ليدحضوا -المواضع .به الحق َوُيَجاِدُل الَِّذيَن كَفَُروا ( :وقوله . )1() َوِمَن النَّاسِ َمْن ُيَجاِدُل ِفي اللَِّه بِغَْيرِ ِعلْمٍ:(اقرأ قوله تعالى :وقولـه ) 3()َوِإْن َجاَدلُوَك فَقُلِ اللَُّه َأْعلَُم بَِما تَْعَملُـونَ : (وقوله . )2()بِالَْباِطلِ ِلُيْدِحُضوا بِِه الَْحقّ . )4()َوكَاَن الِْأنَْساُن َأكْثََر شَْيٍء َجَدالً( ي وردت به لفظة الجدل والمجادلة بمشتقاتها ، أن المجادلة في أصلها مذمومة ، إن ما نلمسه من السياق القرآني الذ .وأنها خلق للكفار وسجية لهم ال تنفك عنهم ، يدفعهم إلى التمسك بها الكبرياء والغرور ).3(آية : سورة الحج - 1 ).56( آية : سورة الكهف - 2 ).68( آية : سورة الحج - 3 ).54(آية : سورة الكهف - 4 )82 ( يدلك على ذلك ، أن اآليات التي تأمر المسلمين بالجدل ، وردت مستثناة ومقيدة بأن يكون الجدال سن ، وفي هذا إشارة إلى أن الجدل والخوض فيه استثناء في حق المسلم ، ال هـو بالتي هي أح .من خلقه وال هو من طبعه وإننا نجد أن بعض آيات كتاب اهللا، فيها نهي عن مجادلة أهل الكتاب ، إال إذا كانت هذه .)1()بِالَِّتي ِهَي َأْحَسُن َوال تَُجاِدلُوا َأْهَل الِْكتَابِ ِإلَّا:(قال تعالى. المجادلة بالتي هي أحسن فاألصل للمسلمين عدم الخوض في جدال أهل الكتاب ، إال إذا كانت هذه المجادلة بالتي هي أحسن ، وفي هذا إشارة إلى كما ويمكن لنا أن نلمس من اآلية الكريمة ،وعلى ضوء اآليات . أن الجدال في حق المسلم استثناء تقتضيه ضرورة ت ، أن الجدل طبيعة المعاندين الجاحدين الكافرين ، والمسلم مأمور بالدعوة إلى دين اهللا وإيصاله إلى السابقات التي بين وبما أن الكافر الجاحد من طبيعته الجدال، . اآلخرين ، وكشف حجب الضالل والزيغ عن أبصارهم والرين عن قلوبهم لحجة عليه، ونقض معتقداته وآرائه الزائفة ، وكل ذلك مقيد فيمكن للمسلم اللجوء إلى هذا األسلوب ألجل إلزامه، وإقامة ا .بأن يكون بالتي هي أحسن ، ومن غير إسراف ومبالغة فيه ، أي بما تدعو إليه الحاجة والضرورة بِالَِّتي اْدُع ِإلَى َسبِيلِ َربَِّك بِالِْحكَْمِة َوالَْمْوِعظَِة الَْحَسنَِة َوَجاِدلُْهْم:(وفي آية أخرى يقول اهللا تعالى ففي هذه اآلية بين اهللا تعالى أن هناك طريقين للدعوة ، هما الحكمة والموعظـة . )2 ()ِهَي َأْحَسُن الحسنة ، وأما الجدال فليس من طرق الدعوة إلى سبيله ، وإنما يقصد منه غرض آخـر وهـو ومن لطائف هذه اآلية :"يقول اإلمام فخر الدين الرازي تعليقا على هذه اآلية . اإللزام واإلفحام . فقصر الدعوة على هـذين القسـمين " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة :"أنه قال ألن الدعوة إن كانت بالدالئل القطعية فهي الحكمة ، وإن كانت بالدالئل الظنية فهي الموعظـة ).46( آية : سورة العنكبوت - 1 ) . 125(آية : سورة النحل - 2 )83 ( اير للدعوة وهـو لدعوة ، بل المقصود منه غرض آخر مغ الحسنة ، وأما الجدل فليس من باب ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجـدل " اإللزام واإلفحام ، فلهذا السبب لم يقل بل قطع الجدل عن باب الدعوة ، تنبيها على أنه ال ُيحّصل الدعوة ،وإنما الغرض منه " األحسن )1(" شيء آخر _ كما يقول اإلمام الرازي _ حّصل دعوة فإذا كان الجدل يقصد منه اإللزام واإلفحام ، وأنه ال ُي فينبغي إذن أن يقتصر فيه على ما تدعو إليه الحاجة والضرورة ، وأن ال يكون هذا مـن خلـق المسلم وطبعه ، ألن هذه الصفة إذا تجذرت في اإلنسان ،فإنها ستودي به في مزالق خطيـرة ، .س هذا من طبع المسلم وال من خلقه ألنها ما من شك ستجعله ال يذعن للحق وال ينقاد له ، ولي وقد ذم اهللا في كتابه الذين يكثرون من الجدل والخوض فيه في كل شأن من الشؤون حيث . )2()َوكَاَن الِْأنَْساُن َأكْثََر شَْيٍء َجَدالً( :قال أبـي عن . كما حذر الرسول صلى اهللا عيه وسلم منه ، وبين أنه سبب للضالل بعد الهدى ما ضل قوم بعد هدى كانوا : (قال رسول اهللا صلى اهللا عليه وسلم : ُأمامة رضي اهللا عنه ، قال .)3( )عليه إال أوتوا الجدل ).140-139/ 20( ، التفسير الكبيرالرازي ، - 1 ).54(آية : سورة الكهف - 2 أجزاء 6، مسند اإلمام احمد بن حنبل، ) هج241ت(مد بن حنبل أبو عبد اهللا الشيباني ، أخرجه اإلمام احمد ، اح - 3 وأخرجه ابن ماجة ، ابن حنبل ،المسند:وسيشار إليه الحقا ) . 22218(حديث ) 252/ 5(مؤسسة قرطبة ، - مصر مة، باب اجتناب البدع ،جزءان، كتاب المقد ، سنن ابن ماجة) هج275- ت( محمد بن يزيد أبو عبد اهللا القزويني وأخرجه . ابن ماجة ، سنن ابن ماجة : وسيشار إليه الحقا ) 48( ، حديث ) 19/ 1(والجدل ، بيروت ، دار الفكر ، أجزاء، كتاب تفسير 5 "الجامع الصحيح " ، سنن الترمذي )هج279 –ت (الترمذي ، محمد بن عيسى أبو عيسى ، ( حديث) 378/ 5( ،بيروت ، دار إحياء التراث العربي ، " ة الزخرف ومن سور" القرآن عن رسول اهللا ، باب وأخرجه الحاكم ، محمد بن عبد . الترمذي ، سنن الترمذي :وسيشار إليه الحقا " . حسن صحيح : " وقال عنه ) 3253 = لتفسير ، باب أجزاء، كتاب ا4، المستدرك على الصحيحين، ) هج405–ت (اهللا أبو عبد اهللا الحاكم النيسابوري ، )84 ( قال رسول اهللا صلى : عن أنس بن مالك رضي اهللا عنه قال . ثم رغب في تركه واالبتعاد عنه ومن تـرك المـراء . الجنة ) •(َبضمن ترك الكذب وهو باطل ، بني له في َر( : اهللا عليه وسلم .)1() ومن حسن خلقه، بني له في أعالها. وهو محق ، بني له في وسطها : أنه كان يقول )2(روي عن مسلم بن يسار . وكثرت اآلثار التي تحذر منه وتدعو إلى تركه .)3()إياكم والمراء فإنها ساعة جهل العالم وبها يبتغي الشيطان زلته ( .وجوب المجادلة بالتي هي أحسن : لثالث المطلب ا سبق أن بين الباحث أن المجادلة ينبغي أن تقتصر على ما تدعو إليه الحاجة والضرورة ، وقال الذهبي ) . 3674( حديث ) 485/ 2(م 1990= هج1410الكتب العلمية - تفسير سورة الزخرف ، دار بيروت= الحاكم ، المستدرك: وسيشار إليه الحقا . صحيح : في تلخيص المستدرك .أي ما حولها خارجا عنها: ربض الجنة - • ( حديث ) 1/19(، باب اجتناب البدع والجدل المقدمةويني ، سنن ابن ماجة ،أخرجه ابن ماجة ، محمد بن يزيد القز - 1 ) 358/ 4( وأخرجه الترمذي ، محمد بن عيسى ، سنن الترمذي ،كتاب البر والصلة ، باب ما جاء في المراء ،) . 51 ".حديث حسن: "، وقال عنه ) 1993( حديث صري ، مولى بني أمية ، وقيل بني تميم من موالي طلحـة بـن عبيـد اهللا القدوة الفقيه أبو عبد اهللا الب مسلم بن يسار - 2 وقال ابن عون كان ال يفضل عليـه أحـد فـي . مسلم بن يسار البصري ثقة : رضي اهللا عنه ، قال أحمد بن حنبل كان ذلـك كان ثقة فاضال عابدا ورعا توفي مسلم بن يسار في خالفة عمر بن عبد العزيز ، و: وقال ابن سعد . زمانه . للهجرة100سنة 23النـبالء ، سير أعـالم ، )هج748 -ت( الذهبي ، محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي أبو عبد اهللا : انظر " . ) . 4/510(هـج 1413،بيروت ، مؤسسة الرسالة ، 9تحقيق شعيب االرناؤوط و محمد نعيم العرقسوسي ، طجزءا ، . ، سير أعالم النبالء الذهبي : وسيشار إليه الحقا ، )هـج 327–ت (الرازي ، أبو حاتم ، عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس أبو محمد الرازي التميمـي ، : وانظر وسيشـار ). 198/ 8( م ، 1952= هـج 1271،بيروت ، دار إحياء التراث العربي ، 1أجزاء، ط9، الجرح والتعديل .لتعديل أبو حاتم ، الجرح وا: إليه الحقا ، جزءان، كتاب المقدمة سنن الدارمي) هج255-ت(األثر أخرجه الدارمي ، عبد اهللا بن عبد الرحمن أبو محمد هذا - 3 : وسيشار إليه الحقـا ) . 1/120( هج 1407،بيروت ، دار الكتاب العربي ، 1، باب اجتناب أهل األهواء والبدع ، ط أجزاء 10، حلية األولياء، ) هج430-ت( مد بن عبد اهللا االصبهان، يم ، أحوأخرجه أبو نع. الدارمي ، سنن الدارمي وأخرجه ابن . أبو نعيم ، حلية األولياء: وسيشار إليه الحقا ). 294/ 2(هج1405، بيروت ،دار الكتاب العربي ، 4ط أجزاء ،بيـروت، 9، ىالطبقات الكبر، ) هج230 -ت( سعد ، محمد بن سعد بن منيع أبو عبد اهللا البصري الزهر، ابن سعد ، الطبقات الكبرى: وسيشار إليه الحقا ) . 187/ 7( دار صادر ، )85 ( -فالجدل في. ويفرضه الموقف ، وإال فعلى المسلم أن يتحاشى الجدل ما استطاع إلى ذلك سبيال .الجماعة ال يعود بالخير ال على المسلم وال على -األعم األغلب وإذا كان ال بد للمسلم من أن يخوض في الجدل والمجادلة ، فعليه أن تكون مجادلته بـالتي .أحسن ، سواء أكان جداله مع المسلمين ، أم مع غيرهم من الكافرين .)1()ْم بِالَِّتي ِهَي َأْحَسُناْدُع ِإلَى َسبِيلِ َربَِّك بِالِْحكَْمِة َوالَْمْوِعظَِة الَْحَسنَِة َوَجاِدلُْه:(قال تعالى . )2() َوال تَُجاِدلُوا َأْهَل الِْكتَابِ ِإلَّا بِالَِّتي ِهَي َأْحَسُن:(وقال أيضا ففي اآلية األولى يأمر اهللا تعالى الداعي إلى دينه أن يجادل بالتي هي أحسن عند احتياجه . )3( لحسن وبرفق ولين وحسن خطابإلى المجادلة والمناظرة ، وأن يكون جداله بالوجه ا وفي اآلية الثانية، ينبه اهللا سبحانه وتعالى على ضرورة الجدال بالتي هي أحسن خاصة مع أهل .، علَّهم يثوبون إلى الحق، ويهتدون إلى الصواب _اليهود والنصارى _ الكتاب -:ثالثة أقوال هي " التي هي أحسن :" وللعلماء في تفسير قوله تعالى .أي بال اله إال اهللا _ أ .أي بالقرآن وباآليات وبالحجج _ ب )4(.أي باللين والرفق _ ج ، "ال اله إال اهللا " وجميع هذه األقوال صحيحة ، ويمكن الجمع بينها ؛ إذ الداعي يدعو الناس إلى دعواه ، ثم بعد ذلك يستشهد بالقرآن ،وباآليات والحجج والبراهين الدالة داللة قطعية على صدق ).125(آية : سورة النحل - 1 ).46( آية : سورة العنكبوت - 2 4، ، تفسير القـرآن العظـيم ) هج774 -ت( ابن كثير ، عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي ، : انظر - 3 . ابن كثير، تفسير القرآن العظيم: وسيشار إليه الحقا ) 2/592(هج 1401أجزاء ،بيروت ، دار الفكر ، ، زاد المسير في علم ) هج597_ت( ابن الجوزي ، أبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد ، - 4 ابن الجوزي ، زاد : سيشار إليه الحقا و). 6/275(هج ،1404المكتب اإلسالمي، - ،بيروت 3أجزاء، ط 9،التفسير ..المسير )86 ( ثم يكون خطابه مع الناس في ذلك كله، باللين والرفق، بعيدا عن الغلظة والفظاظة فـي الكـالم . والدعوة إن الداعي إلى اهللا تعالى عليه أن يجادل بالتي هي أحسن ، حتى يطمـئن المخـالف إليـه فالنفس البشرية "ق ، ويشعر أن ليس هدفه هو الغلبة في الجدل ، ولكن اإلقناع والوصول إلى الح لها كبرياؤها وعنادها ، وهي ال تَنْزُِل عن الذي تدافع عنه إال بالرفق حتى ال تشعر بالهزيمـة، وسرعان ما تختلط على النفس قيمة الرأي وقيمتها عند الناس ، فتعتبر التنازل عن الرأي، تنازال جماح هذا الكبرياء والحساسية ، والجدل بالحسنى هو الذي يكبح. عن هيبتها واحترامها وكيانها ويجعل المجادل يشعر أن ذاته مصونة وقيمته كريمة ، وأن الداعي ال يقصد إال كشف الحقيقـة . في ذاتها واالهتداء إليها في سبيل اهللا ، ال في سبيل ذاته ونصرة رأيه وهزيمة الرأي اآلخر ال لقومه، فليس للداعي من دعوتـه إن الدعوة دعوة إلى سبيل اهللا ، ال لشخص الداعي و إال أنه يؤدي واجبه هللا ، ال فضل له يتحدث به ،ال على الدعوة ، وال على من يهتـدون بـه ، .)1(" وأجره بعد ذلك على اهللا وعلى الداعي إلى اهللا أن ال يحزن ، إن لم يستجب له القوم في دعوته ، وأن ال يجهد نفسه أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلـم بالمهتـدين، فـال -بحانه وتعالىس-في الجدل ، فإن اهللا .)2(ضرورة ِللَّجاَجِة في الجدل إن الفظاظة في الكالم، والغلظة في مخاطبة الناس، تجعل الناس ينفرون من دعوة اإلنسان يميل إلـى ورأيه ، حتى لو كان الحق إلى جانبه كالشمس في رابعة النهار ، ألن الطبع اإلنساني ).292/ 5( ، في ظالل القرآنقطب ، ، - 1 ).292/ 5(المرجع السابق، : انظر - 2 )87 ( األلفة واألنس والقبول لمن يرفق به ، ويلين له في الخطاب ، وينفر عمن يقسو معه في المعاملة .أو ُيفحش له في الكالم على نبيه بأنه لم يكن فظا وال غليظا في تعاملـه مـع -سبحانه وتعالى-لذا ، أثنى اهللا عليه وسلم ،هـو الـذي جعـل وإن هذا الخلق العظيم الذي كان لشخص النبي صلى اهللا. الناس يأنسون به ،ويألفون مجلسه ، ويلتفون حوله ، ويقبلون منـه كـل –رضي اهللا عنهم –الصحابة .)1()َولَْو كُنْتَ فَظّاً غَِليظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا ِمْن َحْوِلك:( قال تعالى .دعوة ج رسمه اهللا تعالى في إن الرفق في الدعوة ، والمجادلة بالتي هي أحسن ، هو منه فها هو يوجه . كتابه لكل من أراد االشتغال بدعوته ، فما من رسول إال وكان يؤمر بلين القول وحسن الخطاب مع قومه فَقُوال :(مع فرعون حينما بعثهما لدعوته ، حيث قال عليهما السالم ، أن يلينا ويرفقا في كالمهما –موسى وهارون _ نبييه .، أي عله ينثني عن كبريائه وجبروته ويثوب إلى الحق والهدى )2()لَيِّناً لََعلَُّه َيتَذَكَُّر َأْو َيخْشَىلَُه قَْوالً وفي هذا توجيه لكل من أراد الخوض في الدعوة إلى اهللا ، والرد على أرباب الشكوك والشبهات حتى ال يكون جداله معهـم ، أن يكون قوله لينا ، وجداله بالحسنى ، بعيدا عن الغلظة والقسوة ، .سببا الستمرارهم في الغي والطغيان ، فينقلب عندئذ معول هدم بدل أن يكون معول بناء ).159(سورة آل عمران ، آية - 1 ) .44( سورة طه ، آية - 2 )88 ( المبحث الثالث مفهوم المعرفة وطرق الوصول إليها :وفيه ثالثة مطالب .مفهوم المعرفة في اللغة واالصطالح : المطلب األول .إلى المعرفة طرق الوصول: المطلب الثاني . موضوع المعرفة وتكامل الطرق الموصلة إليها في القرآن : المطلب الثالث )89 ( المبحث الثالث مفهوم المعرفة وطرق الوصول إليها .المعرفة بين اللغة واالصطالح : المطلب األول .مفهوم المعرفة في اللغة : أوال :، وهي تأتي في اللغة على معان متعددة " عرف "المعرفة كلمة مشتقة من الفعل .)1(َعَرفَه ، َيْعرِفه ، َمْعرِفةً ؛ أي علمه : نقول المعرفة ، هي السكون إلى الشيء ، واالطمئنان إليه ، ألن من عرف شيئا اطمأن إليه ، ومن أنكر شيئا توحش منه : وقيل . )2(ونبا عنه .)3(بر ألثره المعرفة ، هي إدراك الشيء بتفكر وتد: وقيل ، بـل فيهـا تكامـل والحق،إن هذه المعاني يكمل بعضها اآلخر،فال اختالف بينها وال تضـاد ، ومن عرف شيئا سـكنت إليـه نفسـه ر شيئا وتفكر فيه فقد علمه وعرفهوتداخل؛ فإن من تدب .واطمأنت حيث االصطالح من" للمعرفة " تعددت تعريفات العلماء .مفهوم المعرفة في االصطالح : ثانيا إدراك الشيء على ما هو عليه ، وهي مسبوقة بجهـل، بخـالف " فالجرجاني يعرفها بأنها . ، ويتضح من تعريفه ، أنه يفرق بين المعرفة والعلم ) 1("العلم ،بيروت المؤسسة العربية للطباعة أجزاء 4، القاموس المحيطالفيروزآبادي ، مجد الدين محمد بن يعقوب ، : انظر - 1 .الفيروزآبادي ، القاموس المحيط : وسيشار إليه الحقا ) . 3/178(، ) عرف(والنشر، مادة 2أجزاء، ط6، معجم مقاييس اللغة ، )هج 395-ت(ابن فارس ، أبو الحسن أحمد بن فارس بن زكريا : انظر - 2 وسيشار إليه الحقا ). 282-4/281(،) عرف(م ،مادة 1971=هج1391مطبعة مصطفى بابي الحلبي ، -مصر .ابن فارس ، معجم مقاييس اللغة : ).561-560(، المفرداتالراغب ، : انظر - 3 )90 ( ويتضح من هذا . )3)(2(المعرفة هي العلم ، بمعنى اإلدراك مطلقا ، تصورا كان أم تصديقا: وقيل .نه يسوي بين العلم والمعرفة التعريف أ .)4(المعرفة هي اإلدراك الذي هو بعد الجهل ، ويعبر عنه باإلدراك المسبوق بالعدم: وقيل . )5(المعرفة هي إدراك األمر الجزئي أو البسيط مطلقا: وقيل ـ ة ، لكنهـا هذه تعريفات العلماء القدماء للمعرفة ، أما المحديثين ، فلهم تعريفات مختلف .متقاربة مع تعريفات القدماء إدراك ما لصور األشياء أو صفاتها أو سماتها وعالماتها ، أو للمعـاني : " المعرفة هي : فقيل )6("المجردة سواء أكان لها في غير الذهن وجود أم ال ام والمدركات المعلومات واألفكار والمفاهيم والتفسيرات اليقينية واألحك: " وعرفها آخرون بأنها الجازمة ، التي نكونها أو نتوصل إليها عن شيء ما ، نتيجة الستعمال حواسنا أو عقولنـا ، أو هما معا ، أو نتيجة لما نتلقاه عن طريق الحدس أو الذوق والعيان المباشر،أو عن طريق اإللهام مـن هـذا ويتضـح . )7(" والكشف ، أو عن طريق ما جاء به الدين ونزل به الوحي اإللهـي دار الكتـب العلميـة ، -، جـزء واحـد ،بيـروت التعريفـات ، )هـج 816-ت(الجرجاني ، علي بن محمـد ، - 1 .الجرجاني ، التعريفات : الحقا وسيشار إليه . 221م ، ص 1995=هج1416 إدراك النسبة بين مفردين فأكثر وهـذه : والتصديقإدراك أي مفرد من مفردات األشياء أو المعاني ، : هو التصور - 2 .18، ص ، ضوابط المعرفةالميداني : انظر . النسبة إما موجبة أو سالبة ، أي إما مثبتة أو منفية دار .،بيروت 1أجزاء ، ط4، كشاف اصطالحات الفنون) هج1158-ت(بن علي بن محمد ، التهانوي ، محمد: انظر - 3 التهانوي ، كشاف اصطالحات الفنون: وسيشار إليه الحقا ). 3/261(م 1998= هج1418الكتب العلمية ، ).3/262(، كشاف اصطالحات الفنونالتهانوي ، : انظر - 4 دار الكتـب -،بيـروت 1أجـزاء ، ط 4لنبي بن عبد الرسول ، دستور العلماء ،األحمد نكري ، القاضي عبد ا: انظر - 5 .األحمد نكري ، دستور العلماء : وسيشار إليه الحقا ). 3/199(م ، 2000=هج1421العلمية ، .123، ص ضوابط المعرفةالميداني ، - 6 . 189م، ص1988ار العربيـة للكتـاب ، ، جزء واحـد ، الـد فلسفة التربية اإلسالميةعمر التومي ، .الشيباني ، د - 7 .الشيباني ، فلسفة التربية اإلسالمية : وسيشار إليه الحقا )91 ( التعريف أنه جمع الطرق التي توصل إلى المعرفة ، وسيأتي الحديث عن هذا الموضـوع فـي . )1(مطلب مستقل من هذا المبحث إنها العالقات الذهنية الواضحة ، التي تتكون لـدى اإلنسـان، : " وقيل أيضا في معنى المعرفة عي الذي يتم بينـه وبـين العـالم بين عقله وبين شيء أو موضوع خارجي ، نتيجة التفاعل الوا ).2(" الخارجي المحيط به والناظر في بعض التعريفات ، يجد أن من العلماء من ال يفرق بين المعرفة والعلم ، ويبدو بل إن هذا ما نـص عليـه . ، كما سبق قبل قليل " العلم " ذلك جليا في تعريف من عرفها بأنها كل علم للخلق معرفة ، وكل معرفة علم ، وكـل عـالم مـنهم إن: " بعض العلماء حيث قالوا ).3 (" عارف ، وكل عارف منهم عالم والحق ، أن ثمة فرق بين العلم والمعرفة ، وهذه التفرقة نلمسها في تعريـف الجرجـاني ؛ إذ العلم ال يستدعي سبق جهل ، بخـالف ) 4(" وهي بخالف العلم .. …: " للمعرفة حيث قال .عرفة ، فهي مسبوقة بجهل الم والدليل على ما نقول ، أن العلماء يجمعون على عدم جواز القول عن اهللا تعالى بأنه عـارف ، ، يقتضي أنه كان جاهال ثم عرف " العارف " بل يجب القول عنه بأنه عالم ، ألن من وصفه ب .، وحاشا هللا تعالى من ذلك .من هذا المبحث وما بعدها 37: ص : انظر - 1 .123، ص ، ضوابط المعرفةالميداني - 2 ، جزء واحد ، ئمة المعتزلةمرهم العلل المعضلة في الرد على أ،) هج 768ت(اليافعي ، عبد اهللا بن أسعد بن علي ، - 3 : اليـافعي :وسيشار إليه الحقـا . 57م ص 1992دار الجيل . ،بيروت 1محمود محمد محمود حسن نصار ، ط: تحقيق .مرهم العلل المعضلة .221، ص ، التعريفاتالجرجاني : انظر - 4 )92 ( ، إذ العلم بنسبة شيء إلى شيء آخر ، ولهـذا يتعـدى وثمة فرق آخر بين العلم والمعرفة وهـذا الفـرق ،)1(اعرفت زيد: إلى مفعولين ، بخالف َعَرفَ ، فإنها وضعت للمفردات ، فنقول وهذا )2(" أن المعرفة إدراك األمر الجزئي أو البسيط مطلقا " نلمسه من تعريف تقدم ذكره وهو .)3(لمركبيعني أن العلم إدراك األمر الكلي أو ا .الطرق الموصلة إلى المعرفة : المطلب الثاني وقفنا في المطلب السابق على معنى المعرفة ، وتبين من خالل بعض التعريفات ، أن المعرفة يتم التوصل إليها من –رها وهذه الطرق ، يمكن حص. خالل قنوات محددة ، وال يمكن الوصول إلى أي نوع من المعارف إال عن طريقها .، واثنتان للعلماء عليهما كالم )4(في خمس قنوات ، ثالثة منها مسلم بقبول المعرفة عن طريقها -إجماال . الوحي ، والعقل ، والحس : أما القنوات المسلم بها فهي . اإللهام والحدس : وأما غير المسلم بها فهي .وعليه التكالن وفي ما يلي بسط الكالم حول هذا الموضوع ، وباهللا التوفيق :طرق الوصول إلى المعرفة وتكون هذه المعرفة باإلدراك الحسي ، سواء كان بالحواس. المعرفة المباشرة - 1 دراسة وتحقيق كتاب العلم وق ، فار. حمادة ، د: وانظر . 57اليافعي ، مرهم العلل المعضلة ، ص : انظر - 1 . 17م ، ص 1993= هج1413، المعهد العالمي للفكر ، 1، جزء واحد ، ط لإلمام أحمد بن شعيب النسائي .حمادة ، دراسة وتحقيق كتاب العلم لإلمام النسائي : وسيشار إليه الحقا ).3/199(، ، دستور العلماءاألحمد نكري : انظر - 2 . 105، ص الداللة العقلية في القرآنات ، عبيد: انظر - 3 أي عند علماء ومفكري اإلسالم ، ال غيرهم ، فهناك من ال يقر وال يعترف بكون الوحي : )التسليم(يقصد الباحث ب - 4 .وسيلة إلى المعرفة )93 ( .)1(الظاهرة أو الباطنة ، ويدخل فيه أيضا المجربات ، وذلك ألن إدراكها ُيعتمد في الوصول إليه على مالحظة الحس ، وهي التي تعتمد في الوصول إليها على ما هو " المعرفة الحسية " معرفة اسم ويطلق البعض على هذا النوع من ال . )2(موجود في الواقع الخارجي ، من غير تدخل العقل : قال تعالى . والناظر في القرآن الكريم ، يجد أن اهللا عز وجل دعا إلى سلوك هذا السبيل للوصول إلى معرفته وشكره ثم بين حسرة . )3()وَنْن ُبطُونِ ُأمََّهاِتكُْم ال تَْعلَُموَن شَْيئاً َوَجَعَل لَكُُم السَّْمَع َوالَْأْبَصاَر َوالَْأفِْئَدةَ لََعلَّكُْم تَشْكُُرَواللَُّه َأخَْرَجكُْم ِم( . )4()كُنَّا ِفي َأْصَحابِ السَِّعيرِ َوقَالُوا لَْو كُنَّا نَْسَمُع َأْو نَْعِقُل َما:(قال تعالى . وندم من لم ينتفع بهذه الحواس التي منحه إياها إن هذا الطريق للوصول إلى المعرفة قرره القرآن ودعا إليه ، ألنه ما من شك سيقود إلى : وعلى ذلك ، يمكن القول . معرفة حقة ، بمختلف طرقه االستنتاجية ، فالعقل له قوانينه الذاتية ، التي )5(االستدالل العقلي -2 ، -إن أحسن استخدامه –يستطيع الوصول إلى معرفة مضموٌن صحتها عن طريقها . )6(من خالل االستنتاج ،والربط ،والقياس ،واالستقراء ،وغيرها من العمليات العقلية وذلك ) دمشق–بيروت(،3، جزء واحد ، ط صراع مع المالحدة حتى العظمالميداني ، عبد الرحمن حسن حبنكة ، : انظر - 1 الميداني ، صراع مع المالحدة: وسيشار إليه الحقا . 35م ، ص 1982= هج1402دار القلم، وسيشار . 206دار الجيل ، ص - ، جزء واحد ،بيروت المعرفة في منهج القرآنصابر، . طعمة ، د: انظر - 2 .طعمة ، المعرفة في منهج القرآن : إليه الحقا .)78: (النحل - 3 ).10: (الملك - 4 م ، 1979= هج1399، 2الميداني ، عبد الرحمن حسن حبنكة ، العقيدة اإلسالمية وأسسها ، جزء واحد ، ط: انظر - 5 . الميداني ، العقيدة اإلسالمية وأسسها: وسيشار إليه الحقا . 36ص . 35، ص صراع مع المالحدةالميداني ، : انظر - 6 )94 ( ، وهي الحالة التي ال يتم فيهـا "المعرفة البرهانية " ويعبر بعض العلماء عن هذه المعرفة باسم واالختالف بين فكرتين مباشرة ، بل يحتاج العقل في هذه العملية إلى توسط إدراك أوجه التشابه .)1(" التعقل" فكرة أو أفكار أخرى، تتم بها المعرفة التي تسمى ب إن هذا الطريق للوصول إلى المعرفة ، حظي باهتمام كبير فـي القـرآن ، وقـد سـبق لقرآن للعقل ، والمكانة التي أحله إياها ، ودعوتـه أن بين األهمية الكبيرة التي أوالها ا )2(للباحث إلى استخدامه وحضه على التفكير بشتى األساليب والطرق ، كي يتوصل اإلنسان بهذا العقـل ، .إلى معرفة خالقه ومعبوده من خالل اآلثار الدالة عليه قيـدة اإلسـالم في إثبات ع -االستدالل العقلي –والقرآن الكريم ذاته ، سلك هذا الطريق والباحـث . والغيب، الذي دعا إلى اإليمان به ، وكذا في الرد على شبهات المنكرين وخرافاتهم في هذه الرسالة ، يعالج هذا الموضوع القرآني ؛ إذ يدور هذا البحث حول منهج القرآن في إقامة واعها ، وكل ذلـك األدلة والحجج ، إلثبات عقيدة اإلسالم ، ودحض عقيدة الكفر على اختالف أن .وفق منهج عظيم اختص به القرآن، سيحاول الباحث الكشف عنه إن شاء اهللا عز وجل ، فالوحي والخبر الصادق ، كالهما )3(، ومن الخبر الصادق الوحي الخبر الصادق -3 .مصدر من مصادر المعرفة الموثوقة التي يمكن اعتمادها ، حيث يقوم بوظائف ثالث -ميدان الغيب –دانها األول والوحي هو أداة المعرفة في مي" تقديم أخبار صادقة عن مجاهيل الغيب ، والطلب إلى العقل االستيقان من صـدق هـذه : ، هي األخبار ، وإقامة معالم تحدد مسارات العقل والحواس عبر الغيب المجهول ، بغية حفظهـا مـن .205، ص معرفة في منهج القرآن لطعمة ، ا: انظر - 1 .من هذه الرسالة وما بعدها 11:ص : انظر - 2 .35، ص صراع مع المالحدةالميداني ، : انظر - 3 )95 ( ، ثم تنقية البشرية من الـوهم والخرافـة التـي الجنوح إلى ميادين معرفية وهمية ال وجود لها .)1("أفرزتها المنهجيات المعرفية الخاطئة والوحي ، طريق للمعرفة اليقينية ، بدليل العقل وبرهانه ،إذ كل رسول كلفـه اهللا تعـالى التي تحمل في طيها داللة عقلية قاطعـة علـى صـدق " بالمعجزة " بتبليغ الوحي ، كان يؤيده .ول ، وصحة خبره ، واتصاله بربه جل وعال الرس كمصدر من مصادر المعرفة فـي الفكـر –هذا في ما يتعلق بالوحي ، أما الخبر الصادق ، ففي تقييده بالصادق نفٌي لقبول أي خبر غير صادق ، فال يكون الخبـر مصـدرا -اإلسالمي .للمعرفة المعتمدة إال إذا كان صادقا لقبـول الخبـر -لم يسبقهم إليها أحد مـن األمـم -إلسالم وعلماؤه منهجيةولقد وضع مفكرو ا واعتماده ، وتتمثل هذه المنهجية في قواعد علم مصطلح الحديث ،التي وضعها العلماء ، فإن كان وإنك تجد هـذه القواعـد والشـروط فـي . الخبر موافقا لها قُبِل ، وإال فهو مردود ال قيمة له .رح والتعديل، وليس الباحث بصدد الحديث عنها مصنفات الحديث والج ما يقذفه اهللا في قلب مصطفاه على وجه من العلم الضـروري ، ال " واإللهام هو . )2(اإللهام -4 )3("يستطيع له دفعا ، وال يجد فيه شكا ، يجب النظر إليه من زاويتين ؛ فإذا كان ادعاء -كمصدر من مصادر المعرفة–واإللهام عرفة بطريق اإللهام على لسان رسول من الرسل ، فال شك عندئذ في صدقها وقبولهـا ؛ ألن الم م ، 1998=هـج 1419مؤسسة الريان، -، جزء واحد ،بيروت فلسفة التربية اإلسالميةماجد عرسان ، . الكيالني ، د - 1 .الني ، فلسفة التربية الكي: وسيشار إليه الحقا . 215ص .194، ص ، فلسفة التربية اإلسالميةالشيباني : انظر - 2 دار الفكـر، -، أربعـة أجـزاء ،بيـروت مناهـل العرفـان فـي علـوم القـرآن الزرقاني ، محمد عبد العظيم ، - 3 .الزرقاني ، مناهل العرفان : وسيشار إليه الحقا ). 1/64(م ، 1988=هج1408 )96 ( صدقه ، فقبول –بدليل العقل –اإللهام بالنسبة إلى الرسول ، هو نوع من أنواع الوحي الذي ثبت .المعرفة بهذا االعتبار مسلٌّم به ، ألنه وحي من اهللا بال شك اإللهام بشرا، فال ُيَعّول على تلك المعرفة ، وهي معرفة غير وأما إذا كان مدعي معرفة بطريق إن اإللهام دعوى مجردة عـن الـدليل ، : " يقول ابن حزم . ملزمة للغير ، ألنه ال ُيعلم صدقها ، لما ثبت حق ، وال بطل باطل ، وما استقر -عن الدليل–ولو أعطي كل امرئ بدعواه المعّراة يعجز أحد أن يقول ألهمت أن دم فالن حالل ، وأن ماله مباح لي ألنه ال… ملك أحد على مال وقد يقع في النفس وساوس كثيرة ال يجوز أن … أخذه ).1 (" تكون حقا ، وأشياء متضادة يكذب بعضها بعضا مصدرا من مصادر المعرفة الموثوقـة ، -مطلقا–وعلى ذلك ، يتبين خطأ من عدَّ اإللهام ، وذلك عند حديثه عن نظرية المعرفـة ) فلسفة التربية اإلسالمية(اني في كتابه الشيب. كما فعل د في الفكر اإلسالمي ، حيث عد اإللهام مصدرا من مصادر المعرفة من غير تقييد بكونه من عند ).2 (رسول ثبت صدقه ـ " ويعبر عن المعرفة التي يتم التوصل إليها من هذا الطريـق باسـم )3 ( الحدس -5 ة المعرف ال يعول عليه في إدراك المعرفة ، ألن الحـدس -كسابقه–، وهذا الطريق أيضا )4 (" الحدسية ، وهو دعوى مجردة عن )5 (إن أصاب مرة فقد يخطئ أخرى ، والحدس توهم غير مقطوع به القاهرة ، 1أجزاء ، ط8، إلحكام في أصول األحكام، ا) هج456 -ت(، علي بن محمد بن حزم األندلسي ، ابن حزم - 1 .ابن حزم اإلحكام : وسيشار إليه الحقا ). 1/20(هج1404دار الحديث .من هذه البحث 35: ص: سبق ذكر قوله ، انظر - 2 .194، ص فلسفة التربية اإلسالميةالشيباني ، : انظر - 3 . 205، ص المعرفة في منهج القرآنطعمة ، : انظر - 4 ، 1، جزء واحد ، ط أعالم النبوة، )هج 429-ت(الماوردي ، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب ، : انظر - 5 . أعالم النبوةالماوردي ، : وسيشار إليه الحقا . 108م ، ص 1978بيروت ، دار الكتاب العربي، )97 ( الدليل ، وال يلزم الغير األخذ به ، وإن كان قد يصلح أن يكون مصدرا للمعرفة للشخص ذاته ، . يبقى معرفة غير مقطوع بصحتها لكنه ومثل الحدس كذلك ، الرؤية في المنام ، والفراسة ، وما يطلق عليه اسم اإلضـاءة الفطريـة أو فهذه األنواع جميعها ، قد تصلح أن تكون مصدرا للمعرفة للشخص ذاتـه ، . اإلشراق الروحي . مور التي يشهد الناس بصدقهاولكنه ال يغنيه في إقامة الحجة على غيره ، إال إذا كان من األ ومن هذا ، نرى أن بعض الصالحين يدرك بفطرته وإشراقة روحه، ما ال يدركه كثير من علماء لكنها تبقى معرفة غير ملزمة لغيرهم ، وال تغني فـي . )1(اإلدراك الحسي واالستنتاجات العقلية .إقامة حجة .كامل الطرق الموصلة إليها موضوع المعرفة في القرآن ، وت: المطلب الثالث .موضوع المعرفة في القرآن : أوال إن الناظر في القرآن الكريم ، يجد أن موضوع المعرفة التي حث على التوصـل إليهـا ، وإدراكها بالوسائل والطرق التي سبق بيانها ، هو العقيدة اإلسالمية كلها ؛ معرفـة اهللا وصـفاته .ئكة والجنة والنار والرسالة ، إلى غير ذلك من قضايا اإليمان والعقيدة وأفعاله وأسمائه ، والمال ثم يتفرع عن هذه المعرفة األساسية ، معرفة النواميس والقوانين التي يقـوم عليهـا هـذا .الكون ، وهي معرفة توصل إلى معرفة اهللا عز وجل ، وإفراده بالعبادة فة األساسية التي دعا إليها القرآن ، وهذه تُعـّرف النـاس ثم تأتي قضايا التشريع ، لتكمل المعر بالقوانين الصالحة، التي تُصلح حياة البشر ، وتنظم أمورهم وفق المنهج الرباني العظـيم الـذي ).1 (خطه اهللا تعالى للبشرية في كتابه ).51-50(، ص العقيدة اإلسالمية وأسسهاالميداني ، :انظر - 1 )98 ( ثـالث إن مواضيع المعرفة التي دعا القرآن إليها ، تتمحور حول: وبشكل عام ، نستطيع القول معرفة اهللا تعالى ، ومعرفة اآلخرة ، ومعرفة : مهمات رئيسة جاء بها القرآن ، وهي . )2(فهذه المعارف الثالث هي الرئيسة ، والباقي توابع لها. الصراط المستقيم وال شك أن أعظم معرفة لإلنسان ، هي معرفة اهللا تعالى ، خالقه ومعبوده ، وال خير في معرفة يهد إلى الحقيقة األولى في الكون ، وهي معرفة اهللا سبحانه ، فالقصـد مـن كـل أو علم إذا لم . المعارف والعلوم في نهاية األمر هو معرفة اهللا ، واإلقرار بوجوده ووحدانيته والقرآن في سبيل ذلك ، وفّى هذه الغاية حقها ، وأفاض في اإلبانة عنها ، بما ال يدع أدنى شـك در معرفة اإلنسان بربه ، تكون خشيته منـه ،وطاعتـه لـه ،ومحبتـه وعلى ق. يتسرب إليها . )3(ورضاؤه بقضائه وقدره ولهذا ، جعل اهللا تعالى الخشية الحقيقية منه ، مقصورة على العلماء ، الذين عرفوا نواميس الكون والمادة ، فأدركوا من قال تعالى . لق هذا الكون ومبدعه ، فخشوه حق خشيته ورائها القوة العظيمة التي أبدعتها ، وسيرتها ، فعرفوا عظمة خا .)4()ِإنََّما َيخْشَى اللََّه ِمْن ِعَباِدِه الُْعلََماُء:( وألهمية هذه المعرفة ، وأنها األساس الذي يقوم عليه بناء العقيدة واإليمان ، قرر جمهور مكلف عاقل ، أن يعرف ربه جل العلماء حرمة التقليد في هذه القضية ، وأوجبوا على كل مسلم ، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى لنبيه صلى اهللا عليه ) 5(شأنه ، ويقر به .106، ص الداللة العقلية في القرآن عبيدات ، : انظر - 1 محمد : ، جزء واحد ، تحقيق جواهر القرآن، )هج 505-ت(الغزالي ، أبو حامد محمد بن محمد ، : انظر - 2 .الغزالي،جواهر القرآن: وسيشار إليه الحقا . 78 م ، ص1985دار إحياء العلوم ، - ،بيروت 1القباني ، ط .193-192، ص فلسفة التربية اإلسالميةالشيباني ، : انظر - 3 ).28: (فاطر - 4 ، 1، جزء واحد ، ط االعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد، ) هج458-ت(البيهقي ، أحمد بن الحسين ، : انظر - 5 .البيهقي ، االعتقاد والهداية : وسيشار إليه الحقا . 35هج ،ص 1401دار اآلفاق الجديدة ، -بيروت )99 ( لْمِ اللَِّه فَاْعلَُموا َأنََّما ُأنْزَِل بِِع:(وقال. )2() فَاْعلَُموا َأنَّ اللََّه َمْوالكُْم:( وقال له وألمته . )1()فَاْعلَْم َأنَُّه ال ِإلََه ِإلَّا اللَُّه :(وسلم .)3()َوَأْن ال ِإلََه ِإلَّا ُهَو فََهْل َأنْتُْم ُمْسِلُمون .فهذه اآليات وغيرها ، يستفاد منها وجوب معرفة اهللا على كل عاقل بالغ مكلف .تكامل الطرق الموصلة إلى المعرفة في القرآن : ثانيا ون فيها وسائل الحس ، الظـاهرة عملية البحث عن المعرفة والوصول إليها ، عملية تتعا" والباطنة ، واألدوات واآلالت التي تستخدمها الحواس ، وموازين العقل الفطريـة والمكتسـبة ، ومعارفه السابقة التي اكتسبها بنفسه أو تلقاها عن غيره ، مما اكتسبه اآلخرون مـن معـارف ، هم علوما يقينية شبيهة بـالعلوم يضاف إلى ذلك ، ما يوحي به اهللا ألنبيائه من معارف تكون لدي . )4(" اليقينية التي يكتسبها الناس العاديون بحواسهم ، حيث بين هناك أن ثمـة )5(وقد تعرض الباحث لهذه القضية في المبحث األول من هذا الفصل عالقة تكاملية بين العقل والوحي ؛ ألن العقل ال بد له من وحي يوجهه للسير في طريق مـأمون فال قيمة للعقل مـن غيـر . يضل ويتيه ، والوحي البد له من عقل يدركه، ويفهمه، ويثبته، لئال .الوحي ، وال ينفع الوحي غير ذي العقل ).19: (محمد - 1 )40: (األنفال - 2 ).14: (هود -3 126، ص ضوابط المعرفةالميداني ، -4 .بحث من هذه ال 11:ص: انظر - 5 )100 ( وأما الحواس ، كالسمع والبصر ، فهي أيضا ال قيمة لها في الوصول إلى المعرفة ، إن لم يكن هنالك عقل ؛ ألن لَُهْم قُلُوٌب ال :(، قال تعالى )1(ة ناضجة ال تستفيد مما تراه أو تسمعه أو تحس به الحواس التي ال تصحبها قدرات عقلي .)2()ْم َأَضلُّ ُأولَِئَك ُهُم الْغَاِفلُونَيفْقَُهوَن بَِها َولَُهْم َأْعُيٌن ال ُيْبِصُروَن بَِها َولَُهْم آذَاٌن ال َيْسَمُعوَن بَِها ُأولَِئَك كَالَْأنَْعامِ َبْل ُه فأنت هنا، ترى أن القرآن ربط بدوره بين هذه الطرق ، فمن جهـة الـربط بـين العقـل قـال . والوحي ، فإنه يأمر العقل بتدبر القرآن الذي هو وحي ، ليتوصل إلى حقيقـة مصـدره وكـذلك . )3()ِتالفاً كَِثيـراً َأفَال َيتََدبَُّروَن الْقُْرآَن َولَْو كَاَن ِمْن ِعنِْد غَْيرِ اللَِّه لََوَجُدوا ِفيِه اخْ:(تعالى ِإنَّ السَّْمَع :( قال تعالى . نجده ربط بين العقل والحواس اإلدراكية التي زود اهللا تعالى بها البشر .)5)(4()مسئوالَوالَْبَصَر َوالْفَُؤاَد كُلُّ ُأولَِئَك كَاَن َعنُْه وبين الفؤاد، فإنه يقر باشتراك العقل مع - لمعرفةكوسيلة من وسائل ا - والقرآن الكريم عندما ربط بين السمع والبصر الحواس ، فندرك األشياء الخارجية بحواسنا ،ثم نستنبط بعقولنا فتتم لنا المعرفة بما أدركنا وما جربنا ، وهذا ما دل عليه .)6(القرآن ، حيث ذكر الحواس أوال ثم أتبعها بذكر العقل . 257، ص فلسفة التربية الكيالني ، : انظر - 1 ).179: (األعراف - 2 ).82: (النساء - 3 ).36: (اإلسراء - 4 .118-117، ص الداللة العقلية في القرآن عبيدات ، : انظر - 5 .117ص : المرجع السابق: انظر - 6 )101 ( الفصل األول .قرآن الدليل واالستدالل في ال :وفيه أربعة مباحث .مفهوم الدليل في اللغة واالصطالح : المبحث األول .أنواع األدلة في القرآن : المبحث الثاني .خصائص األدلة القرآنية : المبحث الثالث .االستدالل وأنواعه في القرآن : المبحث الرابع )102 ( المبحث األول الصطالح مفهوم الدليل في اللغة وا -:وفيه مطلبان .مفهوم الدليل في اللغة:المطلب األول .مفهوم الدليل في االصطالح : المطلب الثاني )103 ( المبحث األول مفهوم الدليل في اللغة واالصطالح .مفهوم الدليل في اللغة: المطلب األول :يطلق الدليل عند اللغويين على عدة معانٍ واآلخـر . أحدهما إبانة الشيء بأمـارة تتعلمهـا : لدال والالم أصالن ا: "قال ابن فارس .اضطراب في الشيء )1("األمارة في الشيء :والدليل . َدلَلْتُ فالنا على الطريق:" قولهم: فاألول .الدليل هو المرشد إلى المطلوب: وقيل ، ألنـه )2( علـى النـار ومنه سمي الدخان دليال.هو العالمة المنصوبة لمعرفة المدلول : وقيل .عالمة تكشف عن وجودها والداللة هي مصدر، وهي ما يتوصل به إلى معرفة الشيء ، ،" ِداللة" وقد يسمى الدالُّ والدليل مـن بـاب تسـمية الشـيء "الداللة " كداللة األلفاظ على المعنى، وتكون تسمية الدال والدليل )3(بمصدره ، لكن بعض العلماء فرق بين الدليل والحجة فقالوا أن )4(برهانوقد يطلق الدليل على الحجة وال ).260-2/259(، ) دل(، مادة معجم مقاييس اللغةابن فارس ، : انظر - 1 ، مؤسسـة 2، جزء واحـد ، ط لكليات، ا) هج1094 -ت(الكفوي ، أبو البقاء ، أيوب بن موسى الحسين ، : انظر - 2 .الكفوي ، الكليات : وسيشار إليه الحقا . 439م ، ص 1998 -هج1419الرسالة ، .316، ص ) دل(، مادة المفرداتالراغب ، : انظر - 3 ) .2/282(، لسان العربابن منظور ، : انظر - 4 )104 ( .)1(الدليل ما دل على صوابك، والحجة ما دفع عنك قول مخالفك .وهذا المشهور عند عامة اللغة. )2(، والجمع أدلة وأدالء"داللة "ومصدر الدليل ، أن جمعيها يصب في معنى واحد وبالنظر إلى المعاني التي ذكرها اللغويون للدليل ، نجد للدليل ، وهو إظهار أمر خفي، وكشفه وبيانه والداللة عليه،وقد يكون هذا األمر مطلوبا في نفس كمـن . المستدل ، وقد ال يكون مطلوبا ، وقد يكون بقصد ممن يجعله داللة أو لم يكن بقصـد :تعالى يرى حركة إنسان فيعلم أنه حي قال ، فهذه الدابة حينما أكلت العصا، لـم )4)(3 ) لَى َمْوِتِه ِإلَّا َدابَّةُ الَْأْرضِ تَْأكُُل ِمنَْسَأتَُهَما َدلَُّهْم َع( .تكن تقصد الداللة على موت سليمان ، وإن كان اهللا تعالى هو الذي سيرها .الدليل في االصطالح: المطلب الثاني للدليل ، وذلك تبعا للعلم الذي يختصـون اختلفت عبارة العلماء حول المعنى االصطالحي .وإليك تفصيل لذلك . فيه .الدليل عند األصوليين والفقهاء:أوال من خالل النظر في تعريفات األصوليين لمفهوم الدليل ،نجد أن ثمة مسلكين لألصوليين فـي يخص اسم : لثاني يخص اسم الدليل بما يوصل إلى العلم ، ظنا كان أم يقينا، وا: معناه ، األول .الدليل بما يوصل إلى علم قطعي ، وما عداه ال يسمى دليال أجزاء 4، البحر المحيط في أصول الفقه، ) هج794-ت(بد اهللا ، الزركشي ، بدر الدين محمد بن بهادر بن ع: انظر - 1 الزركشي البحر المحيط في أصول : وسيشار إليه الحقا ).1/25(م ، 2000=هج1421دار الكتب العلمية ، -،بيروت1، ط .الفقه ).11/249(، لسان العربابن منظور ، : انظر - 2 ).14: (سبأ - 3 .317-316، ص داتالمفرالراغب ، : انظر - 4 )105 ( وأما حده على العـرف : " قال اآلمدي في اإلحكام عن معنى الدليل في اصطالح األصوليين ، ثم صـرح أن األصـوليين )1(" األصولي فهو ما يمكن التوصل به إلى العلم بمطلوب خبري العلم ، وما أوصل إلى الظن ، وَبّين أن األصوليين يخصـون اسـم يفرقون بين ما أوصل إلى وهذا ما ذهب إليـه ).2(الدليل بما أوصل إلى العلم ، وأما ما أوصل إلى الظن فهو األمارة عندهم وأما الدليل فهو الذي يمكن أن يتوصـل : " أيضا صاحب المحصول في معنى الدليل حيث قال أما األمارة فهي التي يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيها إلـى بصحيح النظر فيه إلى العلم ، و .)3"(الظن لكن معظم األصوليين يطلق الدليل على األعم من ذلك ، ليشمل الدليل عنهم مطلق العلم ، يقينـا الدليل في االصطالح هو الموصل بصحيح النظـر : " )5(قال الزركشي في البحر.)4(كان أم ظنا وسواء أوجب علم اليقـين أو " )6(م نقل قوال عن القاضي أبي زيد الدبوسي، ث" فيه إلى المطلوب كشـاف ، ) هـج 1158-ت(التهانوي ، محمد بن علـي بـن محمـد : وانظر ). 1/28(، ، اإلحكاماآلمدي : انظر - 1 : وسيشار إليه الحقـا ) . 2/127(م ، 1998=هج1418. ،بيروت ، دار الكتب العلمية1أجزاء، ط 4 اصطالحات الفنون ، .التهانوي ، كشاف اصطالحات الفنون ).1/27(، ، اإلحكاماآلمدي : ظر ان - 2 الريـاض –: ، الناشـر 1، جزءان ، طالمحصول ، ) هج 606 -ت(الرازي ، الفخر ، محمد بن عمر بن الحسين ، - 3 .الرازي ، المحصول : وسيشار إليه الحقا ).1/106(هج ، 1400،جامعة اإلمام محمد بن سعود ، .الذي ال يفيد علما ،وال يعتد به، ال في العقائد وال في األحكام الظن الراجح، ال المرجوح: يقصد بالظن - 4 ).1/26(، البحر المحيط في أصول الفقهالزركشي ، : انظر - 5 أبو زيد عبد اهللا بن عمر بن عيسى الدبوسي ، حنفي المذهب ، وكـان مـن كبـار : هو القاضي أبي زيد الدبوسي - 6 ممن يضرب به المثل ، وهو أول من وضع علم الخالف وأبرزه إلى الوجود ، له ، -رضي اهللا عنه–أصحاب أبي حنيفة ابـن خلكـان ، أبـو : انظر .هج 430، توفي بمدينة بخارى سنة ) تقويم األدلة في األصول ( ، وكتاب) األسرار(كتاب عبـاس إحسـان . د: ق أجزاء ، تحقي4، وفيات األعيانهج ، 681 -العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر ، ت : وانظـر . ابن خلكان ، وفيـات األعيـان : وسيشار إليه الحقا ). 3/48(م ، 1977= هج1397. ،بيروت ، دار صادر : وسيشار إليه الحقا ) . 2/109(م ، 1984. ،بيروت ، دار العلم للماليين6أجزاء ، ط8، ، األعالمالزركلي ، خير الدين . الزركلي ، األعالم )106 ( الدليل هـو مـا : " وهذا ما ذهب إليه ابن قدامة المقدسي في روضة الناظر حيث قال)1" (دونه وقد اعترض الزركشي على اآلمدي وغيره ، ) . 2" (يتوصل بصحيح النظر فيه إلى علم أو ظن رقون بين ما يوصل إلى العلم وما يوصل إلى الظن ، وإن ما أوصل إن األصوليين يف: ممن قال فبعـد أن أورد الزركشـي تعريـف . إلى العلم فهو الدليل ، وما أوصل إلى الظن فهو األمارة أي -وزعم اآلمدي أنـه : "سم الدليل بما أوجب القطع ، قالا المتكلمين للدليل ،وبين أنهم يخصون األصوليين ، وليس كذلك ، بل المصنفون في أصول الفقـه ، اصطالح-ما ذهب إليه المتكلمون يعني أنهم يطلقون اسم الدليل على ما أوجب القطـع أو )3(" .يطلقون الدليل على األعم من ذلك .الظن ، فهما سواء والحق ، أن الزركشي كان صائبا في رأيه ،فالناظر في كتب األصول وتعريفـات األصـوليين واد األعظم منهم َينُْحو نَْحَوه في إطالق اسم الدليل على العلم مطلقا ، سواء للدليل ، يجد أن الس : وعند األصوليين لـه معنيـان :"وهذا ما بينه التهانوي في الكشاف حيث قال. أفاد ظنا أم قطعا ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلـوب : أحدهما أعم من الثاني مطلقا ، فاألول األعم .)4(" يشمل القطعي والظني ، وهذا هو المعنى المعتبر عند األكثر خبري ، وهو أما الفقهاء ، فيطلقون اسم الدليل على ما فيه داللة وإرشاد سواء كان موصال إلى علـم أو .، وهذا متفق عليه عند عامة الفقهاء ) 5(ظن ).1/26(، البحر المحيط في أصول الفقهالزركشي ، : ظر - 1 : ، الناشـر 2، جزء واحـد ، ط ، روضة الناظر) هج 620 -ت(المقدسي ، ابن قدامة ، عبد اهللا بن أحمد ، : انظر - 2 .184هج ، ص 1399. م محمد بن سعودالرياض ، جامعة اإلما ) .1/26(، البحر المحيط في أصول الفقهالزركشي ، : انظر - 3 ) .2/127(، كشاف اصطالحات الفنونالتهانوي ، - 4 ) .1/27(، اإلحكاماآلمدي ، : انظر - 5 )107 ( . الدليل عند المتكلمين:ثانيا ين في فهمهم لمعنى الدليل ، غير أن المتكلمين يخصون اسم يتقارب المتكلمون مع األصولي وقـد سـبق أن بـين . الدليل بما أوجب علما ، أما ما أوجب ظنا فهو األمارة في اصطالحهم . أّن هذا مذهب بعض األصوليين أيضا )1(الباحث فيما تقدم أن يتوصـل بصـحيح هو ما يمكن :"قال السبكي في رفع الحاجب عن الدليل عند المكلمين وهذا باطل ألن أهل العربية ال يفرقون بين : " قال صاحب التمهيد. )2(" النظر فيه إلى العلم به الذي يوجب العلم ، وبين الذي يغلب عليه الظن ، ألنهم سموا كل واحد منها دليال ، وألنه يوجب .)3(" العمل ، فكان دليال كالذي يوجب العلم .لمناطقةالدليل عند ا: ثالثا ويعبر عنه آخرون )4(" قوالن فصاعدا يكون عنهما قول آخر" يعرف المناطقة الدليل بأنه . )5("الموصل إلى التصديق قياسا كان أو تمثيال أو استقراء:" بأنه ويؤخذ من . أي قضيتان فصاعدا ، ينتج عنهما قول آخر"-في التعريف األول-)قوالن(والمراد ب أن النتيجة التي يتم التوصل إليها قد تكون من مقدمتين أو ثالثة أو -حد تعبيرهمعلى -)فصاعدا ( )6(".أكثر .من هذا المبحث 49 :ص: انظر - 1 رفع الحاجب عن مختصر ابـن ، ) هج771-ت(السبكي ، تاج الدين أبي نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي ، - 2 عـالم الكتـب ، .،بيـروت 1علي محمد معوض و عادل أحمد عبـد الموجـود ، ط : أجزاء ، تحقيق 4، الحاجب .السبكي ، رفع الحاجب : وسيشار إليه الحقا ). 1/252(م ، 1999= هج1419 : أجزاء، تحقيق 4، التمهيد في أصول الفقه، ) هج510-ت(أبو الخطاب الكلوذاني محفوظ بن أحمد بن الحسن ، - 3 ).1/61(م 1985=هج1406، 1ط.، دار المدني مفيد أبو عمشة ،جدة.د ).1/253(، رفع الحاجبالسبكي ، - 4 ) .129/ 2(، كشاف اصطالحات الفنونالتهانوي ، - 5 ).1/253(، رفع الحاجبالسبكي ، - 6 )108 ( وهناك تعريفات أخرى للدليل كمصطلح شرعي، منها ما ذكره الشوكاني في إرشاد الفحول ".الدليل هو ترتيب أمور معلومة لتؤدي إلى مجهول : " حيث قال .)1("م من العلم به العلم بشيء آخرما يلز" وذكر تعريفا آخر له وهو .ويبدو في هذين التعريفين تقاربا مع تعريف المناطقة للدليل .)2("خفيا اسم لحجة منطق يظهر به ما كان هو:"وتعريف آخر ذكره السرخسي في األصول ـ الل هذه تعريفات اللغويين واألصوليين والمتكلمين والمناطقة لمعنى الدليل ، ويتضح لنا من خ والمحور الذي يتمركز حوله ، )3(النظر فيها اجتماع عبارة العلماء عند الغاية الرئيسة من الدليل ، أال وهو إظهار ما كان خفيا ، أو ما يتوصل عن طريقة إلى معرفة شيء ما ، وهي متوافقة مـع :الدال والالم أصالن : " األصل األول الذي ذكره ابن فارس حيث قال . )4("ة الشيء بأمارة تتعلمها إبان: األول وكذلك مفهوم األدلة القرآنية ، فهي لغاية رئيسة واضحة ، هي الرد على الشبهات والشـكوك " التي أثارها المنحرفون في االعتقاد ، في شتى العصور واألمكنة من جهة ، ومن جهة أخرى ، يصعب معه التحول بعد ذلك عن فهي إلثبات قضايا االعتقاد وترسيخها في األذهان بشكل يقيني )5("هذه المعتقدات ، أو بيان ما عجزت األدلة العقلية عن بيانه كأحوال الجنة والنار واليوم اآلخر وسيأتي الحديث في المبحث الالحق عن أنواع األدلة القرآنية وخصائصها ، إن شاء المولى جل . وعال بـدري محمد سعيد ال: ، جزء واحد ، تحقيق إرشاد الفحول، ) هج1250 -ت(الشوكاني ،محمد بن علي بن محمد ، - 1 .إرشاد الفحول: الشوكاني: ه الحقاوسيشار إلي. 21م، ص1992=1412دار الفكر ، -،بيروت 1، ط أبو الوفـا : ، جزءان ، تحقيق أصول السرخسي، ) هج490 -ت( السرخسي ، أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل ، - 2 ).278/ 1(هج ، 1372دار المعرفة ، -األفغاني ،بيروت الجامعة األردنية ، علوم الشريعة -مجلة دراسات، خصائصها ومميزاتها: األدلة القرآنية ي، محمد نبيل، العمر:انظر - 3 .484ص / م 2000، 2،العدد والقانون ) .2/259(، معجم مقاييس اللغةابن فارس ، : انظر - 4 الجامعة األردنية ، علوم الشريعة -تمجلة دراسا، خصائصها ومميزاتها: األدلة القرآنية العمري، محمد نبيل، :انظر - 5 .484ص / م 2000، 2،العدد والقانون )109 ( المبحث الثاني أقسام الدليل وأنواعه :يه مطلبان وف .أقسام الدليل عند العلماء: المطلب األول .أقسام الدليل في القرآن : المطلب الثاني )110 ( المبحث الثاني أقسام الدليل وأنواعه .أقسام الدليل عند العلماء : المطلب األول ، فكل منهـا عند الحديث عن أنواع الدليل وأقسامه ال بد لنا من النظر إليه من زوايا مختلفة -:ويمكن حصرها في ثالثة جوانب . يشير إلى قسمة خاصة تختلف عن األخرى .أقسام الدليل من حيث المادة : الجانب األول .أقسام الدليل من حيث الداللة : الجانب الثاني )1(أقسام الدليل من حيث الموضوع : الجانب الثالث .وإليك تفصيل لذلك .الدليل من حيث المادة أقسام: الجانب األول :)2(يقسم العلماء الدليل من حيث المادة إلى ثالثة أقسام .المركب منهما : والثالث . عقلي محض : والثاني . نقلي محض : األول أما الدليل النقلي المحض؛ فهو الدليل الذي يكون بجميع مقدماته نقليا ، قريبة كانت هذه المقدمات ، وهو )4("الدليل السمعي" ويعبر بعض العلماء عن هذا النوع من األدلة باسم . )3(أم بعيدة وهذا النوع من األدلة ال يتصور، وال بد من صدق الخبـر . اللفظي المسموع ألنه يتلقى بالسمع الجامعة األردنية ، علوم - مجلة دراسات، خصائصها ومميزاتها: األدلة القرآنية العمري، محمد نبيل، :انظر ) - 1 .487- 485ص/ م 2000، 2،العدد الشريعة والقانون ).1/28(، اإلحكام اآلمدي ، : انظر - 2 عبد . د : ، جزء واحد ، تحقيق المواقف، )هج756-ت(اإليجي ، عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد ، : انظر - 3 : وانظر . اإليجي ، المواقف: وسيشار إليه الحقا . 203م ، ص 1997دار الجيل ، -،بيروت1الرحمن عميرة ، ط ).2/133(، ، كشاف اصطالحات الفنونالتهانوي ).1/27(، البحر المحيط في أصول الفقه الزركشي ،: انظر - 4 )111 ( ألن العقل هـو الـذي )1(ولكنه في نفس الوقت ال يثبت إال بالعقل . به حتى يفيد العلم بالمدلول .ت صدق المخبر أو عدم صدقه يثب َأفََعَصـْيتَ :( تارك المأمور بـه عـاص ، لقولـه تعـالى : ومن األمثلة على األدلة النقلية قولنا ).4)3()َوَمْن َيْعصِ اللََّه َوَرُسولَُه فَِإنَّ لَُه نَاَر َجَهنََّم: ( وكل عاص يستحق العقاب لقوله )2()َأْمرِي .هو الدليل العقلي : األدلة في هذا الجانب والنوع الثاني من أنواع )5"(الذي يقتضي النظر التام فيه إلى العلم بالمدلوالت"عند األصوليين هو والدليل العقلي الذي تكون جميع مقدماته عقلية ، قريبة كانـت هـذه " أما المتكلمون فيعرفون الدليل العقلي بأنه ).6"(المقدمات أم بعيدة لة تدل على المطلوب بنفسها ، ويستدل بها مع قطع النظر عن كونها جعلت دليال وهذه األد .المخلوقات التي خلقها اهللا قد يكون اهللا تعالى جعلها دليال : فلو أخذنا مثال ).7(دليال على وجوده ، لكنها تدل بنفسها على وجوده بقطع النظر عن كون اهللا تعالى قد جعلها العالم مؤلـف ، : دلة العقلية المحضة ، قولنا في الداللة على حدوث العالم ومن األمثلة على األ ونلحظ في هذا المثال أن جميع المقدمات التي )8("العالم حادث " وكل مؤلف حادث ، فيلزم عنه .ساقت إلى النتيجة كانت كلها عقلية محضة .203، ص المواقف ، اإليجي : انظر - 1 ).93: (طه - 2 .)23: (الجن - 3 .204، ص المواقف ، اإليجي: انظر 4 ).1/27(، البحر المحيط في أصول الفقه، الزركشي - 5 ).2/133(، فنونكشاف اصطالحات الالتهانوي ، : وانظر . 203،ص المواقف، اإليجي - 6 ، جزء واحد ،القاهرة ، المطبعة السلفية النبوات ، )هج728ت (ابن تيمية ، أحمد بن عبد الحليم ، : انظر - 7 .ابن تيمية ، النبوات : وسيشار إليه الحقا . 191هج ،ص1386 ).1/28(، ، اإلحكام اآلمدي - 8 )112 ( ي يمكننا استفادة المطلوب منها مـن ، وهي الت )1(البدائه: ويمكن تقسيم األدلة العقلية إلى قسمين ونوع ثانٍ ال بد فيه من فَْرِط التأمل والتدبر للعلم بالمطلوب . غير احتياج إلى عناء تدبر وتفكير . ) 2(وإدراكه ، أي المركب مـن الدليل المركبأما النوع الثالث من أنواع األدلة من حيث المادة، وهو وقد ذكـر . مركب هو الذي تكون بعض مقدماته عقلية وبعضها نقلية والدليل ال. النقلي والعقلي لتوقفه علـى النقـل فـي " النقلي" صاحب كتاب المواقف أن المتكلمين يطلقون عليه اسم الدليل العقلي المحض، والمركب من : ينقسم إلى قسمين هما -بهذا االعتبار–ثم بين أن الدليل . الجملة ل نوع من أنـواع األدلـة عنـده د واستدرك بعد أن ساق مثاال على كولكنه عا. النقلي والعقلي ). 3(" فال بأس أن يسمى هذا القسم األخير بالمركب من النقلي والعقلي: " وقال ويحتـاج والمتكلمون إنما يعدون الدليل النقلي من نوع المركب، على اعتبار أنه ما من دليل إال .إلى النظر العقلي فيه . هذا تارك المأمور به وكل تارك للمأمور به عـاص : ة على األدلة المركبة قولنا ومن األمثل ).4(فهذا الدليل بعض مقدماته كانت نقلية وبعضها عقلية ، فأصبح مركبا من األمرين معا الذي -" الدليل"أما ابن تيمية فقد مال إلى تقسيم يختلف قليال عما سبق بيانه ، حيث بين أن ثم وضح أن األدلة . )5("ينقسم إلى ما يدل بنفسه، والى ما يدل بداللة الدال -ة أو العالمةهو اآلي )13/475( اللسان :انظر . يصيب الرأي أول ما يفاجأ باألمر: جمع بديهة ، وفالن صاحب بديهة : لبدائه ا - 1 : أجـزاء 3، البرهـان فـي أصـول الفقـه ، )هج478ت (الجويني ، عبد الملك بن عبد اهللا بن يوسف ، : انظر - 2 وسيشار إليه ) . 1/121(هج ، 1418، المنصورة، دار الوفاء ، 4عبد العظيم محمود الديب ، ط.د:تحقيق البرهان في أصول الفقه: الحقا الجويني .204ص ، المواقف ، اإليجي : انظر - 3 .204، ص المواقف اإليجي ،: انظر - 4 .191، ص النبوات ابن تيمية ، - 5 )113 ( التي تدل بنفسها قد تسمى األدلة العقلية ، ويسمى النوع الثاني األدلة الوضعية ، لكونها إنما دلت . )1(بوضع واضع أن الـدليل الوضـعي بل إنه يرى. عقلي ، ووضعي : وهو على ذلك يقسم الدليل إلى قسمين عنـده -أقصد العقلي والوضعي–يمكن عده دليال عقليا إذا نظر فيه العقل ، ويبقى الفرق بينهما .أن العقلية تدل بنفسها ، والوضعية تدل بقصد الدال . الدليل من حيث الداللة : الجانب الثاني ل إما أن يكون مفيدا للعلم الجـازم يقصد بهذا الجانب ما يؤول إليه الدليل من العلم ؛ فالدلي .أو الظني .الدليل القطعي ، والدليل الظني: وعلى ذلك يمكن تقسيم الدليل بهذا االعتبار إلى قسمين أمـا . والدليل القطعي هو الذي يفيد علما قاطعا جازما ، وال يتطرق إليه أدنى شك أو احتمـال . ل والشك الدليل الظني ، فهو الذي يتطرق إليه االحتما فالدليل العقلي يكون قطعيا . وكل من األدلة العقلية والنقلية من الممكن أن تكون قطعية أو ظنية وكذا الدليل . إذا كانت جميع مقدماته التي بني عليها قطعية ، وظنيا إذا كانت إحدى مقدماته ظنية . ما دون حد التواتر النقلي ، يكون قطعيا إذا ثبت بدليل متواتر ، وظنيا إذا ثبت نقله ب وقد اختلف العلماء في الدالئل النقلية ، هل هي مفيدة لليقين أم : " قال الزركشي في البحر -:ال ، على ثالثة أقوال .191، ص النبوات ابن تيمية ، - 1 )114 ( أنها تفيد القطـع إن اقترنـت : أنها ال تفيد القطع ، والثالث : أنها تفيد القطع ، والثاني : األول وهذا ما يترجح لدى العقل ، وهـو مـا رجحـه . )1("قولة كالتواتربالدليل قرائن مشاهدة أو مع وهـو مـذهب –ال تفيـد : اختلفوا في إفادة األدلة النقلية اليقين ، فقيـل : " التهانوي حيث قال قد تفيد بقرائن مشاهدة من المنقول عنه أو متواترة تـدل علـى : ، وقيل -المعتزلة واألشاعرة .)2("الحق انتفاء االحتماالت وهذا هو .الدليل من حيث الموضوع : الجانب الثالث بالنظر إلى تعريفات العلماء للدليل ،نجد أن موضوع الدليل يختلف من فئة إلى فئة؛ فاألصوليون يختلف موضوع الدليل عندهم عن المتكلمين ،والمتكلمون يختلف موضوع الـدليل جريبية مثال، وجدنا موضوع الدليل عنـد األطبـاء ، حتى في العلوم الت )3(عندهم عن المناطقة وهكـذا ، فموضـوع . عبارة عن عالمة يهتدي بها الطبيب إلى المرض الذي يعانيه المريض .الدليل يتنوع بتنوع العلم الذي يبحث فيه الدليل قلية وكذلك األمر موضوع األدلة القرآنية ؛ فاألدلة القرآنية موضوعها إقامة الحجج والبراهين الع على أهل الشرك والكفر ، وأرباب الشبهات والشكوك، لدحض عقائدهم الزائفة الباطلة ، وإثبات .فموضوعها إذن هو اإللزام واإلفحام إذا نظرنا إليها من هذه الزاوية . عقيدة اإلسالم .أقسام الدليل في القرآن : المطلب الثاني ).29-1/28(، البحر المحيط في أصول الفقهالزركشي ، - 1 ).2/134(، شاف اصطالحات الفنونك، التهانوي - 2 الجامعة األردنية ، علوم الشريعة -مجلة دراسات، خصائصها ومميزاتها: األدلة القرآنية العمري، محمد نبيل، :انظر - 3 .487ص/ م 2000، 2،العدد والقانون )115 ( وما من برهان وداللة وتقسيم وتحديد شـيء " ة ، لقد احتوى القرآن على جميع أنواع األدل من كليات المعلومات العقلية والسمعية إال وكتاب اهللا قد نطق به ، لكن أورده على عادة العـرب .) 1("دون دقائق طرق أحكام المتكلمين .وقد ميز العلماء بين نوعين من األدلة القرآنية .األدلة البرهانية : النوع األول علـى طريقـة " يقصد بهذا النوع األدلة التي سيقت لتقرير قضية من القضايا الغيبيـة و وكأنه تعليم لألمة كيف يستدلون . البرهان العقلي ، فيستدل على المطلوب الذي جعل دليال عليه ويدخل هنا جميع البراهين العقلية وما . )2(" على المخالفين ، وهو في أول األمر موضوع لذلك والقرآن مملوء من ذكر األدلة العقلية التي هي آيات اهللا الدالة علـى ربوبيتـه . مجراها جرى وقد بين اهللا تعالى في كتابه العظيم مـن البـراهين . ووحدانيته وعلمه وقدرته وحكمته ورحمته بل إنك ال تجـد . )3(الدالة على صدقه وصدق نبيه ما فيه هدى وشفاء وإقناع لكل ذي لب حكيم وفيه . ا تضمن من البراهين واألدلة العقلية على هذه المطالب مثل ما تضمنه القرآن الكريم كتاب . التي تقيم الحجة على كل منكر أو جاحد أو شاك )4(من جميع أنواع األدلة واألقيسة الصحيحة صنف حكّم عقله فاستسلم وانقاد ، وصنف عزل : والناس أمام هذه األدلة صنفان محمد أبو :زاء ، تحقيق أج4، البرهان في علوم القرآن، ) هج794-ت(لزركشي ، محمد بن بهادر بن عبد اهللا ، ا - 1 .الزركشي ، البرهان في علوم القرآن : وسيشار إليه الحقا ) . 2/24(هج 1391دار المعرفة ، -الفضل إبراهيم ،بيروت دار المعرفة، -،بيروت 2أجزاء ،ط4، الموافقات في أصول الشريعة، ) هج790-ت(الشاطبي ، إبراهيم بن موسى ، - 2 .الشاطبي ، الموافقات : وسيشار إليه الحقا ) . 3/52(م ، 1975=هج1395 أجزاء 4، عق المرسلة على الجهمية والمعطلة ، الصوا)هج751–ت (ابن القيم ، محمد بن أبي بكر ، : انظر - 3 وسيشار إليه ). 2/793(م 1998=هج1418دار العاصمة ، -، الرياض 3علي بن محمد الدخيل اهللا ، ط. د: تحقيق الصواعق المرسلة: يم ابن الق: الحقا ارشاد القرآن والسنة إلى طريق المناظرة وتصحيحها، ) هج751ت(ابن القيم ، محمد بن أبي بكر ، : انظر - 4 دار الفكر المعاصر ، -،بيروت1،ط أيمن عبد الرزاق الشوا: وبيان العلل المؤثرة ، جزء واحد ، تحقيق ابن القيم ، إرشاد القرآن والسنة إلى طريق المناظرة :وسيشار إليه الحقا . 68م ، ص 1996=هج1417 )116 ( .اند وجحد ، فخسر الدنيا واآلخرة عقله فع : اقرأ قوله تعالى في تقرير الدليل العقلي للوحدانية. واألمثلة على هذا الضرب من األدلة كثيرة وقوله تعالى في تقرير الدليل العقلي لنسبة القرآن إليـه . )1()لَْو كَاَن ِفيهَِما آِلَهةٌ ِإلَّا اللَُّه لَفََسَدتَا ( . )2()ِلَساُن الَِّذي ُيلِْحُدوَن ِإلَْيِه َأْعَجِميٌّ َوَهذَا ِلَساٌن َعَربِيٌّ ُمبِيٌن:( عند غيره ونفيه أن يكون من َأَولَْيَس الَِّذي خَلَقَ السََّماَواِت َوالْـَأْرَض (: وقوله في تقرير الدليل العقلي لقضية الخلق واإلعادة نها أيضا المناظرات العقلية التي أوردها اهللا تعـالى علـى وم. ) 3()بِقَاِدرٍ َعلَى َأْن َيخْلُقَ ِمثْلَُهْم قَاَل ِإْبَراِهيُم فَِإنَّ اللَّـَه ( .لسان أنبيائه ، كالمناظرة التي جرت بين إبراهيم عليه السالم والنمرود .وغيرها كثير . )4()َيْأِتي بِالشَّْمسِ ِمَن الَْمشْرِِق فَْأِت بَِها ِمَن الَْمغْرِب الضرب من األدلة القرآنية يستدل به على الُمواِلف في النِّحلِة والمخالف فيها ، ألنـه وهذا . )5(أمر معلوم عند من له عقل ، فال يقتصر على الموافق في النِّحلة وغاية االستدالل بهذا النوع على الموافق في النحلة ، إنما تكون لزيادة اإليمان في القلوب ، . فيها ، حتى يطمئن القلب إلى هذا القرآن العظيم والدين القويم وبث الطمأنينة قَاَل َأَولَْم تُْؤِمْن قَاَل َبلَى َولَِكـْن ِلَيطَْمـِئنَّ : ( كما قال تعالى على لسان نبيه إبراهيم عليه السالم يكـون فهي ترسيخ لإليمان في نفوس المؤمنين ، وتثبيت لقواعده في قلوبهم حتى ال. )6()قَلْبِي .فيها أدنى شبهة أو ارتياب .22: األنبياء - 1 .103: النحل - 2 . 81: يس - 3 . 258: البقرة - 4 ).3/53(الشاطبي ، الموافقات ، : انظر - 5 .260: البقرة - 6 )117 ( أما االستدالل به على المخالف في النحلة ، فهي لسوقه إلى اإليمان باهللا تعالى ، ودحض شـبهه ومعتقداته ، بطريقة عقلية محضة لئال يكون للكفار أدنى حجة يحاجون بها اهللا يوم القيامة ؛ فقـد . ا ، فال حجة لهم من بعدهاركب لهم العقول ، ثم ساق لهم من األدلة ما يقنعه وتتنوع األدلة العقلية في القرآن إلى استقرائية وقياسية أو بناء الغائب على الشاهد وإنتـاج ) 1(النتائج من المقدمات والسبر والتقسيم وكذلك االستدالل بالمتفق عليه علـى المختلـف فيـه صيل لنقف على المـنهج والطريقـة التـي وسنتناول فيما بعد هذه القضايا بالتف. وغيرها كثير سلكها القرآن العظيم في إقامة أدلته وحججه وبراهينه في الرد على الخصوم وأرباب الشـكوك واالفتراءات ، وهو منهج عظيم اختص به القرآن الكريم دون غيره ، تلك المعجـزة العظيمـة منكر ، وتدحض شبهة كل شاك الباقية على مر العصور واألزمنة ، التي ال تزال تقطع حجة كل . ، وكل ذلك بأسلوب عجز ويعجز عن مثله كل البشر .األدلة التكليفية : النوع الثاني وهذه األدلة تكون داللتها علـى األحكـام . هذا هو النوع الثاني من أنواع األدلة القرآنية . وذلك كداللة األوامر والنواهي على الطلب من المكلف. التكليفية كُِتَب َعلَـْيكُُم الِْقَصـاُص ِفـي : ( وقد كَثَُر مثل تلك األدلة في القرآن ، كداللة قوله تعالى ، )3()كُِتَب َعلَْيكُُم الصَِّياُم كََما كُِتَب َعلَى الَِّذيَن ِمْن قَْبِلكُْم( :، وقوله )2()الْقَتْلَى . وغيرها كثير . )4()فَثُ ِإلَى ِنَساِئكُْمُأِحلَّ لَكُْم لَْيلَةَ الصَِّيامِ الرَّ:(وقوله .)1/28(، البحر المحيط في أصول الفقه، الزركشي: انظر - 1 .183: البقرة - 2 .178: البقرة - 3 .187: البقرة - 4 )118 ( إن هذه النصوص وأمثالها في القرآن لم تجئ للبرهان ، ولم يؤت بها في محل االسـتدالل . )1(وإقامة الحجج ، بل جيء بها على هيئة خبر ُيْعمل بمقتضاه ويأخذه العقل بالتسليم واالنقياد ،وإدراكها، واستنباط ما فيها من أحكام ودالالت وإشارات ومجال العقل في هذه األدلة هو فهمها .مطلوب فعلها أو منهي عنها، ثم العمل بها وتطبيقها تكامل األدلة البرهانية مع األدلة التكليفية في القرآن مع كونها ثابتة بالدليل العام لثبـوت –إن األدلة البرهانية العقلية التي اشتمل عليها القرآن تحمل الداللة على صدقها في نفسها ، ألن األدلة العقلية تدل على –آن وصحة نسبته إلى اهللا القر في حين أن األدلة التكليفية يكون برهانهـا فـي . صحتها من غير احتياج إلى دليل خارج عنها الحقيقة هو المعجزة الدالة على صدق الرسول اآلتي بها ، فإذا ثبت برهان المعجزة ثبت الصدق .، وإذا ثبت الصدق ثبت التكليف على المكلف وال شك أن األدلة العقلية في القرآن ، كان لها دور رئيسي كبير في إثبات القـرآن ذاتـه، إن األدلة العقلية شاهدة : وبالتالي فإننا نستطيع القول . وصدق رسالة النبي صلى اهللا عليه وسلم حة نســـبتها إلـــى اهللا ، كمـــا لألدلـــة التكليفيـــة مـــن حيـــث ثبوتهـــا وصـــ . هذا من ناحية . أن األدلة العقلية طريق لالستسالم الذي تقتضيه األدلة التكليفية ومن ناحية أخرى ، تتكامل األدلة العقلية مع األدلة التكليفية من حيث إن األدلة العقليـة جـاءت قيدة والغيـب ، فـي حـين أن إلثبات أصول الدين وقواعد اإليمان ، بمعنى أنها تهتم بقضايا الع . األدلة التكليفية موضوعها قضايا التشريع، واألنظمة التي تنظم حياة األفراد والمجتمع ).3/53(، الموافقاتالشاطبي ، : انظر - 1 )1