1 فلسطین–كلیة اآلداب في جامعة النجاح الوطنیة "ابن خلدون: عالّمة الشرق والغرب"المؤتمر العلمي الدولي .2012تشرین األول - أكتوبر :عنوان المداخلة االكتساب اللغوي وقضایاه عند ابن خلدون. .طارق ثابتأ.إعداد: البواقي/الجزائرأم -جامعة الشهید محمد العربي بن مهیدي :الملّخص تتدخل اللغة والثقافة في عملیة التنشئة االجتماعیة للفرد باعتبارهما ضابطین أو قانونین یأتیان لتأطیر الفرد ومنحه في المقابل هویة ُتْدَرُك بعبارات التماهي مع الوسط الذي َیقبل هذا الفرد لغته واستعماالتها؛ فاللغة هي القانون األول الذي یفرض نفسه على كل فرد خالل لقیت دراسة اكتساب اللغة اهتمامًا كبیرًا على أثر ظهور عملیة التنشئة االجتماعیة وقد النظریة السلوكیة في علم النفس والنظریة البنیویة في علم اللغة، ومن ثم ظهور نظریة النحو التحویلي والتولیدي على ید عالم اللغة األمریكي نعوم تشومسكي؛ لكن قبل ظهور هذه تناول ابن خلدون قضیة اكتساب اللغة من منطلق ثابت مفاده أن اللغة ملكة النظریات طبیعیة، یكتسبها اإلنسان، ومن هنا سوف تحاول هذه الورقة تتبع جهود ابن خلدون من خالل البحث في نظریة اكتساب اللغة ، والتدرج في التعلیم وقضایا في هذا المجال المبثوثة هنا وهناك في ثنایا مقدمة كتابه العبر.وغیرها؛التمرین والتحصیل اللغوي :المداخلة 2 ؛اهتمامًا كبیراً تلقىدراسة اكتساب اللغةو منتصف القرن العشرین :منذمقدمة عامة- أوال على أثر ظهور النظریة السلوكیة في علم النفس والنظریة البنیویة في علم اللغة، ومن ثم )،نعوم تشومسكي(ظهور نظریة النحو التحویلي والتولیدي على ید عالم اللغة األمریكي وهكذا وجد علماء النفس وعلماء اللغة نقطة تقاطع تولد عنها حقل حدیث هو علم اللغة وبذلك أتاح هذا العلم ،من دراسة اكتساب اللغة أحد أبرز اهتماماتهالذي جعل النفسي الفرصة لدراسة وبحث اكتساب اللغة األولى عند األطفال واللغة الثانیة أو األجنبیة لدى وتوسعت وتفرعت دراسة اكتساب اللغة لكي تشمل تطور ونمو اكتساب ،الكبار واألطفال معاً ، انبها الصوتیة والصرفیة والنحویة والداللیة والتواصلیةالعناصر اللغویة المختلفة في جو آراء قیمة في النحو وتعلیم اللغة واألدب وردت في كتابه الشهیر 1للعالمة ابن خلدونو ، وهي آراء تمثل فكرًا عمیقًا في بابه، یستحق أن یقف )مقدمة ابن خلدون(المعروف باسم آراء تفسر لنا غیر قلیل من قضایا اللغة واألدب ؛ وذلك ألنها الباحثون في هذا المجالعنده .عامةواإلنساني،خاصةفي المجتمع العربي وأداة االتصال بین الماضي والحاضر وال یستطیع اإلنسان مهما ،اللغة هي وعاء الثقافةو حتى بل ال یستطیع أن یقیم ،كان أن یقف على كنوز الفكر اإلنساني من تاریخ وشعر ونثر الفیلسوف العالم ،ولي الدین الحضرمي اإلشبیلي، الرحمن بن محمد بن محمد, ابن خلدون أبو زیدهو عبد1 اشتهر بكتابه العبر ودیوان المبتدأ والخبر في تاریخ ،بالجزائرمولده بتونس ونشأته،أصله من إشبیلیة،االجتماعي وأّلف المقدمة وكتاب ،أولها المقدمة وهي تعد من أصول علم االجتماع؛في سبعة مجلدات،العرب والعجم والبربر وكانت لغات كثیرة، وقد ترجمت إلى بالجزائر،العبر في ثماني سنوات وهو مقیم بقلعة ابن سالمة قرب تلمسان هـ الموافق 808رمضان سنة 26وتوفي في ،م 1332يما 27هـ الموافق 732والدته في تونس غرة رمضان تنقل كثیرًا بین األندلس ،سنة, ودفن خارج باب النصر بمقبرة الصوفیة في القاهرة76م وسنه 1406مارس 16 مطبعة دار الكتب ، القاهرة،ابن خلدون حیاته وتراثه الفكري،محمد عنانر:، ینظوالمغرب ومصر وغیرها .1933،المصریة 3 هو: " نظام ففي اللسانیات الحدیثة مفهوم اللغةأما،بدون اللغةوأمور دنیاهدینهشعائر أو هي " قدرة ذهنیة مكتسبة 2العالمات، یحقق وظیفة أساسیة هي التواصل "معقد من ن أهم ما إو ،3یتكون من رموز اعتباطیة منطوقة یتواصل بها أفراد مجتمع ما "یمثلها نسق ،األلسناعتباطیة العالقة بین الدال و المدلول مما یفسر لنا تعددالبشریة هو:اللغة یمیز بوظائف اللغةإضافة إلى قدرتها التولیدیة مما یجعل من اللغة النهائیة. أما فیما یتعلق :4فأهمها الوظیفة االتصالیة.-1 الوظیفة المعرفیة.-2 الوظیفة الوجدانیة.-3 الوظیفة الجمالیة.-4 ظیفة االنفعالیة.الو -5 بالنسبة للفردهاوظائفف ؛ ظائف للمجتمعو و ،لها وظائف للفردو بهذا لها أهمیة كبرى، فاللغة :5منهانذكر أنها وسیلة اتصاله بغیره لقضاء حاجاته .-1 هي وسیلة للتعبیر عن آالمه وآماله .-2 هي وسیلة لإلقناع في مجال المناقشة .-3 وغیرها.الستفادة من تجارب اآلخرین بالقراءة لهي وسیلة -4 .58، ص.1996،، الكویت، آب212المعتوق، الحصیلة اللغویة، سلسلة عالم المعرفة أحمد محمد2 .39ص ،، مؤسسة الرسالة بیروت3،1980ط،في علم اللغة العام، عبد الصبور شاهین3 49ص، الجزائرلسانیة للتواصلین الشفهي والكتابي، دار هومةاقتراباتاللغة والتواصل،عبد الجلیل مرتاض4 . .35ص ،م1983،القاهرة،دار المعارف،التوجیه في تدریس العربیة،محمود السمان5 4 مهمة جدًا في مجال التفكیر .-5 فهناك العدید من الوظائف مثل :6للمجتمعبالنسبةأما وظیفة اللغة تحفظ التراث الثقافي والتقالید االجتماعیة جیًال بعد جیل .-1 للداللة ؛المجتمع للغةتجعل للمعارف واألفكار البشریة قیمًا اجتماعیة بسبب استخدام -2 .على معارفه وأفكاره وباختصــار یتضــح لنــا أن اللغــة هــي قــوام األمــة، وقــوام كیانهــا التــاریخي والثقــافي والحضــاري، فهي العنصر األساســي فــي التكــوین القــومي للشــعوب؛ إذ لیســت اللغــة أداة للتخاطــب فحســب، ن حالهــا الــذي یعبــر عــن أالمهــا بل وعاء یحمل في طیاته الفكر نفسه، ولغة كــل أمــة هــو لســا وآمالها، وبواسطتها تحفظ تراثها الفكري والثقافي والعلمي والحضاري، كي ینقــل مــن جیــل إلــى ؛ حیث تقاس حضارة أمة من األمم بكم التراث العلمي والفنــي واألخالقــي المــدون بلغتهــا، رآخ كما تضطلع اللغة بدور رئیس في عملیتي التنمیــة الحضــاریة والتبــادل الثقــافي، ال لكونهــا أداة تواصل واتصال نعبر بها عن المفاهیم واألفكار والتصورات والقیم، ونحفظ بها التــراث الفكــري افي والعلمــي فحســب؛ بــل بوصــفها أحــد العناصــر الجوهریــة مــن العناصــر المكونــة للثقافــة والثقــ والفكـــر؛ تتجـــاوز أهمیتهـــا مـــن التعبیـــر والحفـــظ إلـــى التغییـــر أیضـــا، وال تقـــل أهمیـــة اللغـــة فـــي الدراســــات التاریخیــــة أیضــــا، فهــــي مفتــــاح معرفــــة الحــــوادث والوقــــائع واالنجــــازات المدونــــة فــــي اللغـــة الوســـیلة التـــي اعتمـــدها اإلنســـان فـــي تـــدوین األخبـــار واالنجـــازات الوثـــائق؛ حیـــث تعتبـــر المختلفـــة، فالوثـــائق التـــي تعتبـــر الركیـــزة األساســـیة فـــي المعرفـــة التاریخیـــة، ســـواء كانـــت هـــذه الوثـــائق مدونـــة علـــى الجـــدران أم علـــى أوراق أم علـــى ألـــواح أم علـــى جلـــود حیوانـــات وغیرهـــا، ویــه مــن معلومــات وصــور ومخططـــــات وأشــكال علــى اللغــة تعتمد فــي أغلــب الحــاالت بمــا تحت .35ص ،هـ1407،القاهرة،مكتبة النهضة المصریة،طرق تدریس اللغة العربیة،طاعإبراهیم6 5 وكیفیة استعمالها فــي التعبیــر عــن الحــوادث والحــاالت، فــتحفظ المنــدثر وتــدعم البــاقي بالشــاهد اللغوي. هذا االكتساب من أهم و یعني اكتسابها، إن تعلم أي لغة تعلیم اللغة عند ابن خلدون:ثانیا: وتراث الفكر اللغوي العربي یفیض بالعلماء ،لغویة المعاصرةالمدارس الالتي تناولتها القضایا والمفكرین الذین نظروا في هذه القضیة وأسهموا في بحثها وكانت لهم في ذلك نظرات ثاقبة، .اكتساب اللغة وتعلمهاقضیةأدلوا برأیهم فيالذینأحد هؤالء العلماءمنوابن خلدون إال أنَّ اللغات لما "تقولعندهاكتساب اللغة من قاعدةانطلق ابن خلدون في حدیثه عن وقد عبارة عن میزة بهذافاللغة،7كانت ملكات كما مر، كان تعلمها ممكنًا شأن سائر الملكات" أو صفة إنسانیة یكتسبها اإلنسان بشكل متدرج غیر مقصود، فتبدو هذه المقدرة وكأنها طبیعة وفطرة، وهو بذلك یرفض اآلراء القائلة بأنَّ متحدثي اللغة ذوي اللغة السلیمة الفصیحة إنما " فإن دمة یقول في المقوأن ال جدوى من محاولة محاكاتهم، ،یتحدثون بها بالفطرة وحدها ولذلك ، الملكات إذا استقرت ورسخت في محالها ظهرت كأنها طبیعة وجبلة لذلك المحل یظن كثیر من المغفلین ممن لم یعرف شأن الملكات أن الصواب للعرب في لغتهم إعرابًا 8"وبالغة أمر طبیعي االكتساب وابن خلدون بتأكیده على أن الملكة اللسانیة مكتسبة یمیز بین نوعین من عملیات اللغوي: االكتساب من خالل الترعرع في البیئة وسماع لغتها، واالكتساب أو التعلم بواسطة قسم ظواهر تعلیم ملكة اللغة یو، للغة على أنها ملكةار صوّ وهو في هذا ی،الحفظ والمران یقول ابن خلدون:" ،9إلى ثالثة أنواع : ظواهر قاعدیة وظواهر نفسیة، وظواهر اجتماعیة .607، ص2004، 1دار الفكر، بیروت ط،مقدمة ابن خلدون، عبد الرحمن بن خلدون7 .609، صمقدمة ابن خلدون، عبد الرحمن بن خلدون8 ،المؤسسة الجامعیة للدراسات والنشر ،لكة اللسانیة في مقدمة ابن خلدونالمَ ،میشال زكریاینظر في هذا: 9 .1986،بیروت 6 اعلم أن اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل لساني ناشئ عن القصد بإفادة الكالم، فال بد أن تصیر ملكة متقررة في العضو الفاعل لها، وهو اللسان، :" اعلم أن اللغات كلها ملكات شبیهة أیضایقولو ، 10" وهو في كل أمة بحسب اصطالحاتهم ومقصورها بحسب تمام ذ هي ملكات في اللسان، للعبارة عن المعاني وجودتهابالصناعة، إ ، 11"الملكة أو انفصالها، ولیس ذلك بالنظر إلى المفردات، وٕاما هو بالنظر إلى التراكیب ویضیف إلى هذا بتوضیح معناها بالمقارنة یقول :" فلغة أهل قریش مباینة بعض الشيء ندلس معهما، وكل منهما متوصل بلغته إلى تأدیة مقصوده للغة أهل المغرب، وكذا أهل األ أنه یمیز بین من كالمه هناویبدو12"واإلبانة عّما في نفسه، وهذا معنى اللسان واللغة فیعني باللغة اللهجات المتفرعة عن اللغة األم، وباللسان اللغة التي تمیز األمم ؛اللسان واللغة .عن بعضهم بل ویؤكد علیها هي أهمیة اللغة في ؛إلیها ابن خلدون في المقدمةهم نقطة یشیر أو یقول:" ...وصارت العلوم الشرعیة كلها ملكات في االستنباط واالستخراج العلوم، تحصیل والتنظیر والقیاس، واحتاجت إلى علوم أخرى هي وسائل لها: من معرفة قوانین العربیة، واللغات: إنما هي ترجمان عما في ":ویقول أیضا، 13"وقوانین ذلك االستنباط والقیاس الضمائر من تلك المعاني یؤدیها بعض إلى بعض بالمشافهة في المناظرة والتعلیم، وممارسة متمیزا وقد قدم ابن خلدون منهجا ، 14"البحث بالعلوم لتحصیل ملكتها بطول المران على ذلك یلي:نلخصه في ماتناوله كثیر من الباحثین والدارسین،في تعلیم اللغة .623ص،مقدمة ابن خلدون، عبد الرحمن بن خلدون10 .630ص، المصدر السابق11 .630، صنفسه12 .147، ص1979، القاهرة ،عالم الكتب ،الملكة اللسانیة في نظر ابن خلدون،محمد عید13 .631، صمقدمة ابن خلدون، عبد الرحمن بن خلدون14 7 التدرج في تعلیم اللغة أمر طبیعي یتماشى مع طبیعة االكتساب إن :التدرج في التعلیم- أ اللغوي نفسه، لذلك لزم أخذ هذا العامل بعین االعتبار مع مراعاة السهولة، واالنتقال من العام :" اعلم أن تلقین العلوم بقولهأشار ابن خلدون إلى ذلك ، وقد إلى الخاص وتواتر المفردات یلقى علیه أوال للمتعلمین إنما یكون مفیدا إذا كان على التدریج شیئا فشیئا، وقلیال قلیال، المسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب، ویقرب له في شرحها على سبیل : " ثم یرجع به ه، یقولتمهیدا لما سیأتي بعدوهو یعني بهذا أن یكون كل علم؛15اإلجمال" إلى الفن ثانیة فیرفعه في التلقین عن تلك الرتبة إلى أعلى منها، ویستوفي الشرح والبیان، ویخرج عن اإلجمال،... إلى أن ینتهي إلى آخر الفن فتجود ملكته، ثم یرجع به وقد شدا فال له مقفله، فیخلص من الفن وقد استوفى یترك عویصا وال مبهما وال متعلقا إال وضحه وفتح مثلما تنصح ینصح بوجوب البدء من العمومیات وصوال إلى الجزئیات، ، ولذا 16."على ملكته من أبرز وأهم مداخل كما یسمىالمدخل الهرمي؛ التي تعد17نظریات التعلم الحدیثةبذلك ي یبدأ بالمستوى حیث یتم تنظیم محتوى المقرر على شكل هرمي تدریج؛تنظیم المحتوى .األبسط إلى األكثر تركیبا وتعقیدا انتبه ابن خلدون إلى أهمیة النمو العقل في تسهیل :مراعاة السن وعامل االستعداد-ب ه أحد عوامل التعلم التي ال استغناء عنها في تأهیل المتعلم لعملیة لذا عدّ ؛عملیة التعلم ویراعى في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما یرد كالنمو الجسدي والنفسي یقول:" التعلم، في موضع آخر:" وٕاذا ألقیت علیه الغایات في البدایات وهو حینئذ عاجز یقول، و 18"علیه عن الفهم والوعي وبعید عن االستعداد له كل ذهنه عنها، وحسب ذلك من صعوبة العلم في 605، ص ابن خلدون ، المقدمة عبد الرحمن 15 .606ص المصدر السابق،16 .103ص،م2004الفكر،األردن،دار، التطویرفتحي یونس وآخرون،المناهج،األسس،المكونات التنظیمات17 .605ص ،عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة18 8 ، 19"ما ذلك من سوء التعلیمنفسه تتكاسل عنه وانحرف عن قبوله وتمادى في هجرانه وٕان الذي)مارك ریشل(مثلوكالم ابن خلدون هذا یتوافق مع ما قاله علماء اللغة الغربیون؛ إن األساس الذي :" تستلزم اللغة اإلنسانیة أعضاء طرفیة مالئمة وجهازا عصبیا مالئما،یقول نفسها طوال حیاة یجیز اكتساب اللغة ال یعمل منذ الوالدة، كما أنه ال یبقى على الدرجة أن صاحب اللغة المعینة إذا أراد أن یتعلم لغة أخرى فإن اكتسابه ، وبهذا یتضح لنا "20الفرد للغة األخرى ال یمكن أن یكون تامًا وال یمكن أن تكون إجادته لها كإجادة أبناء اللغة المقصود بمراعاة وهذا ،األصلیین ؛ ألن التداخل بین اللغة األم واللغة الثانیة یعوق ذلك عامل السن في تلقین اللغة. إن : االكتفاء بتعلیم علم واحد في كل مرةو ،عدم التطویل على المتعلم في الفن الواحد- ج تقطیع عده ابن خلدون عیبا ینتج عنه لة من مسائل تعلیم اللغة یُ أالتطویل والمبالغة في مس انقطاع مسائل الفن عن یعمل على النسیان، وب غلِّ المجالس وتفریق ما بینها، الشيء الذي یُ وأواخره حاضرة عند الفكرة فیصعب معه التحصیل، یقول:" وٕاذا كانت أوائل العلم ،؛بعضها وأقرب صنعة ألن الملكات إنما مجانبة للنسیان كانت الملكة أیسر حصوال، وأحكم ارتباطا، وأیضا من ،21"الملكة الناشئة عنهالفعل تنوسیت تونسيتحصل بتتابع الفعل وتكراره، وٕاذا یقول: " وال مستلزمات العملیة التعلیمیة عند ابن خلدون االكتفاء بعلم واحد في كل مرة، ینبغي للمعلم أن یزید متعلمه على فهم كتابه الذي أكب على التعلیم منه بحسب طاقته... وال ل أغراضه ویستولي منه ویحص،یخلط مسائل الكتاب بغیرها حتى یعیه من أوله إلى آخره .606عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص19 الجامعیة للدراسات والنشر والتوزیع ، بیروت مارك ریشل ، اكتساب اللغة، ترجمة: كمال بكداش، المؤسسة 20 .53، ص 1م ، ط1984، نلبنا .606عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص 21 9 ، فتكون العلوم خادمة لبعضها البعض، ودرجا یرتقي بها 22"على ملكة بها ینفذ في غیره ، المتعلم من علم إلى علم، فتكون كالملزمة لبعضها البعض كالقرآن الملزم لتعلم العربیة بقي، وحصل ألن المتعلم إذا حصَّل ملكة ما في علم من العلوم استعّد بها لقبول ما :"یقول وكل 23"له نشاط في طلب المزید والنهوض إلى ما فوق ، حتى یستولي على غایات العلم عن التحصیل، وهجر العلم والیأسخلط یؤدي إلى العجز عن الفهم، والتعب، والفتور .والتعلیم إن إشراك :تقدیم البسیط على المركب والمعقدواالنتقال من المحسوس إلى المجرد- د في عملیة التعلیم أمر الزم ، یساعد المتعلم على إدراك المواضیع التي یهدف الحواس فیسهل تعلیمها له بصورة أكثر وضوحا ألن ما یقع تحت حواسه یكون أكثر قابلیة لإلدراك ألن أول اتصال یقوم به الطفل مع العالم الخارجي هو اتصال مادي وسائله تعلمه ومعرفته، غرابة في أن یدعو ابن خلدون إلى االهتمام بهذا الجانب من الحواس الخمسة. لذا فال لذا یقول:" واألحوال المحسوسة، نقلها االتصال الذي یمكن المتعلم من مواضیع تعلمه ألن المباشرة في األحوال الجسمانیة المحسوسة أتم فائدة، والملكة ؛بالمباشرة أوعب لها وأكمل عل وتكرر، مرة بعد أخرى، حتى ترسخ صورته ، صفة راسخة تحصل عن استعمال ذلك الف وعلى نسبة األصل تكون الملكة، ونقل المعاینة أوعب وأتم من نقل الخبر والعلم ، فالملكة إن طبیعة التطور تقتضي ، ثم24"الحاصلة عنه أكمل وأرسخ من الملكة الحاصلة على الخبر الخاص ، كما قد یكون من التدرج، وقد یكون من المحسوس إلى المجرد، ومن العام إلى البسط إلى المعقد وفي هذا یقول ابن خلدون:" ثم إن الصنائع منها البسیط ومنها المركب، والبسیط هو الذي یختص بالضروریات، والمركب الذي للكمالیات، والمتقدم منها في التعلیم .606عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص 22 .المصدر نفسه، الصفحة نفسها23 .671عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص 24 10 قله، فیكون هو البسیط لبساطته أوال، وألنه مختص بالضروري الذي تتوفر الدواعي على ن سابقا في التعلیم ویكون تعلیمه لذلك ناقصا، وال یزال الفكر یخرج أصنافها ومركباتها من القوة ابن ومن هنا نستنتج أن ،25"إلى الفعل باالستنباط شیئا فشیئا على التدریج حتى تكمل وخاصة ،وأن مراتبه تختلف باختالف البشر،خلدون یقرر أن العقل اإلنساني یشوبه القصور وقد ذكر أن عقل اإلنسان ال یستطیع أن یستوعب ،في المراحل األولى من حیاة اإلنسان علىوابن خلدون یهدف إلى التیسیر فیجب تبسیطها، العلوم التي تكثر فیها المصطلحات المتعلم وبالخصوص في بدایة عهد الطالب بالتعلیم. ، مقوما هامافیعدوي في عملیة تعلیم اللغاتالتمرین اللغأما :كثرة التماریناالستعانة ب- هـ لهذا اهتم الباحثون في المیدان اللساني والتربوي بالتمرین اللغوي وبضرورة ترقیته، وتحدید أهدافه التعلیمیة، ، وضبط إجراءاته المختلفة لتذلیل الصعوبات التي تعترض المتعلم، وتفادي ، 26العملیة التحصیلیة في مجال تعلیم اللغاتالخطأ اللغوي الذي یشكل عائقا أمام تطور :" الدؤوب على التعلیم والمران على اللغة، وممارسة الخط یقضیان یقول ابن خلدون في هذا لنصوص والتمّرن لاكتساب اللغة عن طریق الحفظ للجید و ، 27"بصاحبهما إلى تمكن الملكة طریق ؛ ألنابن خلدونكالموهذا هو معنى ؛واالستعمال، اكتساب تعلمّي یحدث بقصد متمیزة تحفظ بعد أن ُتقرأ جیدًا لغویةاكتساب الملكة وتعلم اللغة یبدأ بالتعامل مع مختارات وبذلك یتم تعلم اللغة.ُیكثر من استعمال ذلك و ،وتسمع قضیة اكتساب اللغة من ابن خلدونإن تناول :وأراء ابن خلدون فیها: اكتساب اللغةثالثا إال أن اللغات لما " مفاده أن اللغة ملكة طبیعیة، یكتسبها اإلنسان حیث یقول منطلق ثابت .671المقدمة ، صعبد الرحمن ابن خلدون ،25 أحمد حساني، دراسات في اللسانیات التطبیقیة: حقل تعلیمیة اللغات، الدیوان الوطني للمطبوعات الجامعیة، 26 .147، ص الجزائر .620عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص 27 11 ویذكر ابن خلدون أیضاً ،28"، كان تعلمها ممكنًا شأن سائر الملكاتكانت ملكات كما مرّ الملكات كلها جسمانیة، سواء كانت في البدن أو في الدماغ، من الفكر وغیره، ":أن ویقترب ابن خلدون في هذا ، 29"والجسمانیات كلها محسوسة فتفتقر إلى التعلیم،كالحساب الرأي من رأي تشومسكي الذي ذكر أیضًا أن اللغة ملكة موجودة في الدماغ حیث الدراسة المجردة لحاالت ملكة اللغة یجب أن تصوغ خواص تقوم بشرحها نظریة ":یقول یضًا في أن اللغة تكتسب، وذلك عندما قال ، ویتفق تشومسكي مع ابن خلدون أ30"الدماغ تشومسكي بأن الطفل یولد دون لغة محددة بعینها وسمى هذه الحالة بالحالة الصفریة األولى لكن الطفل یمتلك نحوًا كونیًا أو كلیًا یساعده على تعلم أي لغة یتعرض لها بعد ذلك ینتقل ؛ أما ما ، 31ابعة إلى مرحلة االستقرارالطفل وهو یكبر، ومن خالل سلسلة من المراحل المتت ذكره ابن خلدون من حیث إن اللغة ملكة جسمانیة فإنه ال یختلف عما ذكره تشومسكي من إن دراسة األسس البیولوجیة لقدرات اإلنسان اللغویة " ، یقولأن اللغة ذات أصول بیولوجیة .دمةقد تثبت أنها أحد أعظم المشارف الموجودة للعلم في السنین القا إلى حتمیة وجود قوة كامنة للغة في جسد یشیر في أراه المبثوثة في مقدمتهابن خلدون إن العلوم واإلدراكات عن اإلنسان ونفسه، ولكن تلك القوة تحتاج إلى التعلیم من خالل تجدید قد ذكرنا "، وقوله كذلك "والجسمانیات كلها محسوسة فتفتقر إلى التعلیم"؛ یقول:المحسوسات في الكتاب أن النفس الناطقة، لإلنسان، إنما توجد فیه بالقوة. وأن خروجها من القوة إلى إن وبالمثل یقول تشومسكي،32"الفعل، إنما هو بتجدد العلوم واإلدراكات عن المحسوسات.. .630عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص 28 .638ص المصدر نفسه،29 .132، ص1979، القاهرة ،عالم الكتب ،الملكة اللسانیة في نظر ابن خلدون،محمد عید30 .136المصدر السابق، ص31 .767صعبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، 32 12 الطفل یمتلك خواص فطریة للغة تفسر مقدرته على اكتساب لغته األم خالل وقت قصیر، أداة (جریدیة العالیة لقواعد اللغة وأن هذه الصفات عبارة عن أداة سماها رغم الطبیعة الت الذي یحتوي على قواعد موجودة في )النحو الكلي(ولكنه فیما بعد سماها )اكتساب اللغة .33جمیع لغات العالم من ناحیة أخرى نجد أن ابن خلدون قد تنبه للفرق بین الملكة اللغویة وصناعة اللغة العربیة من هنا یعلم أن تلك الملكة هي غیر صناعة العربیة، وأنها مستغنیة عنها "یقول حیث بالجملة.. ذلك أن صناعة العربیة هي معرفة قوانین هذه الملكة ومقاییسها خاصة. فهو علم وهذا التفریق الذي ذكره ابن خلدون بین الملكة اللغویة وصناعة ،34"بكیفیة ولیس نفس كیفیة ؛واألداء اللغوي ب أمامه لالقتراب من تعریف تشومسكي للكفایة اللغویةالعربیة فتح البا فالكفایة اللغویة عند تشومسكي هي المعرفة الضمنیة غیر الشعوریة بقوانین اللغة التي تمكن وهذه الكفایة تختلف طبعًا عن األداء اللغوي أو صناعة ،35اإلنسان من إنتاج الجمل وفهمها وكذلك نجد كثیرًا من جهابذة النحاة والمهرة في "خلدون ذلك الفرق قائًال ویشرح ابن؛ العربیة صناعة العربیة المحیطین علمًا بتلك القوانین، إذا سئل في كتابة سطرین إلى أخیه أو ذي مودته أو شكوى ظالمة أو قصد من قصوده، أخطأ فیها الصواب وأكثر من اللحن، ولم یجد وكذلك نجد كثیرًا ،عن المقصود فیه على أسالیب اللسان العربيتألیف الكالم لذلك والعبارة ممن یحسن هذه الملكة ویجید الفنین من المنظور والمنثور، وهو ال یحسن إعراب الفاعل من وبذلك نجد ابن ،36"المفعول، وال المرفوع من المجرور وال شیئًا من قوانین صناعة العربیة البحتة حسبما األداء اللغویة یجمع فیه بین الكفایة اللغویةخلدون یقدم تفسیرًا أفضل لملكة 163، صالملكة اللسانیة في نظر ابن خلدون،محمد عید33 .636عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص 34 169، صالملكة اللسانیة في نظر ابن خلدون،محمد عید35 .637عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص36 13 وهي مقدرة متحدث اللغة علي تنویع استعماله ؛ عرضها تشومسكي والكفایة اللغویة االتصالیة واسع، -العرب–..فإن كالمهم "ابن خلدون وفي هذا یقوللها بحسب تنوع سیاق الحال، وفي ذلك أیضًا داللة ،37"إلعراب واإلبانةولكل مقام عندهم مقال یختص به بعد كمال ا على أهمیة دور السیاق في اللغة عند ابن خلدون مثله في ذلك مثل أصحاب النظریة أن الناس الذین ینتمون إلى ثقافات مختلفة قد یشتركون في معرفة ونیر نالذی؛ 38التفاعلیة .قال فیه ذلك الكالمنحویة واحدة للغة، ولكن معنى كالمهم یختلف حسب السیاق الذي ی أما من حیث عملیة اكتساب اللغة فیقول ابن خلدون إنها تتم من خالل الترعرع في بیئة إن اإلنسان یسمع كالم "حیث یقول ،اللغة، ومن خالل سماع كالم المجتمع الذي یتحدثها أهل جیله وأسالیبهم في مخاطباتهم وكیفیة تعبیرهم عن مقاصدهم، كما یسمع الصبي یزال عمال المفردات في معانیها، فیلقنها أوًال ثم یسمع التراكیب فیلقنها كذلك، ثم الاست ومن كل متكلم واستعماله یتكرر إلى أن یصیر ذلك ملكة ،سماعه لذلك یتجدد في كل لحظة في یشیر إلى أهمیة الدخل اللغويكالم ابن خلدون هذا و، 39"وصفة راسخة ویكون كأحدهم ذلك الدخل في نظر ابن خلدون هو ؛ذكر أصحاب النظریة التفاعلیةاكتساب اللغة كما ابن ولكن ،سماع الكالم وأسالیب التخاطب والتعبیر عن المقاصد وتلقن المفردات والتراكیب وٕانما تحصل هذه "، یقولالممارسة والتكرار في أثناء عملیة اكتساب اللغةىیركز علخلدون .40"تكرار لكالم العربالملكة بالممارسة واالعتیاد وال وهي عبارة "من ناحیة أخرى نجد أن تعریف ابن خلدون للغة تعریف وظیفي حیث یقول ربما والعبارةوفي ذلك إشارة إلى أن الوظیفة الرئیسة للغة هي التواصل"، المتكلم عن مقصوده .640صالمصدر السابق، 37 Gumperzنثروبولوجیا جمبیرزوعالم األ، Goffmanكعالم االجتماع جوفمان38 .631صعبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، 39 .636عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص40 14 ى هذا الحدیث یركز عللذلك نجد علم التواصلیة،تأخذ صیغًا أو أشكاًال لغویة مختلفة وهو دراسة المعنى الذي یقصده المتكلم في سیاق معین وعالقة ذلك ؛الجانب في دراسة اللغة الفیلسوف االنجلیزي بهسبقوقول ابن خلدون هذا،41بالصیغ اللغویة المختلفة عندما الحظ أن العبارات عندما تحدث عن نظریة الحدث الكالمي، Austin)42أوستن( إن 43یقول أوستن،الوظائف كجزء من عملیة التواصل بین الناساللغویة تؤدي الكثیر من الكثیر من العبارات اللغویة ال یوصل معلومات، أي اإلخبار عن حقیقة معینة فحسب، بل إن معظم العبارات یقصد باستخدامها إنجاز أفعال أو أحداث، لكن تلك العبارات تساوي ك العبارة توصل للسامع في الحال حقیقة فإن تل» أعتذر«فعندما یقول شخص ما ، أحداثاً لذا ، نفسیة أو اجتماعیة حیث إن االعتذار یحدث عندما یعتذر ذلك الشخص ولیس قبل ذلك األفعال اإلنجازیة.بنجد أوستن یسمي تلك العبارات ابن خلدون یرى أن هذه العملیة هي إن :التحصیل اللغويمنهج ابن خلدون في رابعا: وهذا أمر وجداني حاصل بممارسة كالم العرب، حتى یصیر "عملیة وجدانیة حیث یقول 45النظریة السلوكیةأصحابویفهم من ذلك أن ابن خلدون یتفق مع ما قاله ، 44"واحدًا منهم أیضًا یتفق و ئة، في اكتساب اللغة من حیث التركیز على الممارسة والتكرار وأهمیة دور البی ،1981،لیبیا وتونس،الدار العربیة للكتاب،التفكیر اللساني في الحضارة العربیة،عبد السالم المسدي41 .218ص .1960المتوفى عام 42 208، ص2،1979ط،الكویت ،أضواء على الدراسات اللغویة المعاصرة , سلسلة عالم المعرفة ،نایف خرما43 . .638المقدمة ، صعبد الرحمن ابن خلدون ،44 .Skinnerسكنرمثل 45 15 من حیث إن عملیة اكتساب اللغة أمر وجداني ذهني. وبذلك یقف موقفًا مع تشومسكي .متوسطًا بین االثنین لعل موقف ابن خلدون هذا من اكتساب اللغة یقترب بعض الشيء من موقف النظریة و البشریة التي التي ترى أن اكتساب اللغة لدى الطفل هو تفاعل معقد بین الصفات ؛التفاعلیة والبیئة التي ینمو فیها مشیرة إلى أهمیة الدخل اللغوي، لكنه یرى أن ذلك ،ینفرد بها الطفل فتحصل له (الطفل) هذه الملكة بهذا الحفظ " االكتساب یرسخ بالحفظ واالستعمال حیث یقول . 46"واالستعمال، ویزداد بكثرتهما رسوخًا وقوة ة فیرى ابن خلدون أن ذلك ممكن لكن یشوبه بعض النقص أما فیما یخص تعلیم اللغة الثانی إن الملكة إذا "یقول ابن خلدون وعدم الكمال مهما بلغت درجة إتقان اإلنسان للغة الثانیة، ذلك لویمثل ابن خلدون "،سبقتها ملكة أخرى في المحل، فال تحصل إال ناقصة مخدوشة أبدان قاصرًا في اللسان العربي وانظر من تقدم له شيء من العجمة، كیف یكو "بقوله یزال قاصرًا فاألعجمي الذي سبقت له اللغة الفارسیة ال یستولي على ملكة اللسان العربي، وال وكذلك البربري والرومي واإلفرنجي قل أن تجد أحدًا منهم محكمًا لملكة ، فیه ولو تعلمه وعلمه وقول ابن .47"لكة اللسان اآلخرذلك إال لما سبق إلى ألسنتهم من موما،اللسان العربي ؛Selinker)سلینكر(التي جاء بها من فكرة اللغة البینیة أو الوسیطةخلدون هذا یقترب كثیرا لوصف لغة متعلم اللغة الثانیة التي قد تحمل صفات من لغته األم وصفات من لغته الثانیة، فعند ،48أو الوسیطةوبعض صفات عامة توجد في جمیع أو معظم منظومات اللغة البینیة ابن خلدون أن نفس اإلنسان ال تتسع ألكثر من ملكة لسانیة كاملة واحدة، بینما تظل األخرى یستثني من ذلك األشخاص ثنائیي اللغة أو متعددي اللغات الذین هولكن،ناقصة ومخدوشة .600عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص46 .638المصدر نفسه، ص47 .168صأضواء على الدراسات اللغویة المعاصرة , ،نایف خرما48 16 أسهل من كان على الفطرة كان"تعلموها في آن واحد خالل طفولتهم، حیث یقول ابن خلدون كأصاغر أبناء العجم الذین :"ویوضح ذلك قائالً ،49"لقبول الملكات وأحسن استعدادًا لحصولها ومعنى ؛50"یربون مع العرب قبل أن تستحكم عجمتهم، فتكون اللغة العربیة كأنها السابقة لهم هنا ضمنًا إلى وجود فترة معینة ومحددة إلمكانیة إتقان اللغة یشیرابن خلدونهذا أن ، ویمكن لهذه الثنائیة 51لغویة)-وتسمى أیضا من قبل اللغویین بالوضعیة (سوسیو،ثنائیةال اللغویة أن ال تمس إّال جزءًا فقط من طائفة معنیة، وتسمى أیضا باالزدواجیة المرّكبة حیث یملك الفرد نظاما مّتحدا أو مدموجا، فیسلك سلوك المتحّدث األصلي في أّي من الّلغتین، وفي جانب آخر نجد ابن خلدون قد فطن إلى الفرق بین التعلم واالكتساب للغة حیث یرى أن االكتساب هو الذي یؤدي إلى حصول الملكة اللغویة، ولیس التعلم الذي ینتج عن تعلم وهذه الملكة كما تقدم تحصل بممارسة كالم العرب وتكرره على " قوانین اللغة حیث یقول ص تركیبه، ولیست تحصل بمعرفة القوانین العلمیة في ذلك، التي السمع والتفطن لخوا استنبطها أهل صناعة البیان. فإن القوانین إنما تفید علمًا بذلك اللسان وال تفید حصول أن االكتساب "الذي یرى Krashen)كراشن(وهذا رأي شدید الشبه برأي،52"الملكة في محلها االتصال الطبیعي الطلق، أما التعلم فلیس باإلمكان أن أو اللغة المكتسبة هي التي تؤدي إلى ویستشهد على ذلك بأمثلة كثیرة من الناس الذین تمكنوا من إتقان لغة 53"یتحول إلى اكتساب كثیرین یعرفون تلك القوانین،ولكنهم أناساما دون أن یتعلموا قوانینها، بینما أن هناك .621عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص 49 .640صنفسه، 50 167، ص1993،مؤسسة أبو وجدان للطبع والنشر والتوزیع،1ط،نور الدین النیفر فلسفة اللغة واللسانیات51 . .632عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص52 .256صأضواء على الدراسات اللغویة المعاصرة , ،نایف خرما53 17 ههم على المعنى الذي یودون توصیله إلى من یستمرون في الخطأ فیها عندما یركزون انتبا یتحدثون إلیه، وذلك بدًال من التركیز على التطبیق السلیم لتلك القوانین من أجل تحقیق أداء دقیق وصحیح في تلك اللغة التي یتحدثون بها. عاش في القرن الثامن الهجري، إال أنه جاء بآراء متطورة وٕانن ابن خلدون إخاتمة ونتائج: ذاتها؛ وأكبر شاهد على ذلك ما قاله ابن خلدون عن تعریف اللغة؛اللغة واكتسابهاعن وأعلم أن اللغة، في المتعارف علیه، هي عبارة المتكلم عن مقصوده وتلك العبارة " یقول: فعل لساني ناشئ عن القصد بإفادة الكالم، فالبد أن تصیر ملكة متقررة في العضو الفاعل في مقدمتهوضح لنا ابن خلدونألقد ،54"ي كل أمة بحسب اصطالحاتهاوهو ف،وهو اللسان ثالثة عناصر تفید في تعلم اللسان وهي : البحث في شواهد اللسان وتراكیبه، ثم أهمیة المران والممارسة في عملیة التعلم ، ثم ضرورة التمییز بین الوسیلة والغایة كثیر من األلسنیین التربویین ال یجدي نفعًا إن التعلیم اللغوي في نظر ابن خلدون وفي نظر ونحن .بدون التطبیق العملي، إذ یصبح التعلیم اللغوي بدونه تنظیرًا ال أثر له على المتعلم یخصص غالب وقت یجب أن وعیًا باستعمال اللغة االستعمال الصحیح ، لذلك إنما نرید لكته اللغویة وتنویع أسالیب تعبیره، التعلیم في تمرین التلمیذ على استعمال اللغة وتقویة م ولعل معرفة ابن خلدون بعلم االجتماع وٕاسهاماته الرائدة فیه جعلته ینظر إلى اللغة ویعّرفها وهي " ویفهم هذا من قوله ،من منظور ذلك العلم، لذلك جاء تعریفه للغة من ذلك المنطلق ّبه إلى العالقة بین اللغة وبذلك یكون ابن خلدون قد ن"،في كل أمة بحسب اصطالحاتها والمجتمع أو األمة، وهو ما یعرف اآلن بحقل علم اللغة االجتماعي الذي یهتم بدراسة هذه العالقة بین استخدامات اللغة والبنى االجتماعیة التي یعیش فیها مستخدمو اللغة. مصادر ومراجع البحث .610عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص54 18 .م1،2004طبیروت،دار الفكر، المقدمة،خلدون،عبد الرحمن ابن -1 .هـ1407،القاهرة،مكتبة النهضة المصریة،طرق تدریس اللغة العربیة،طاعإبراهیم-2 أحمد حساني، دراسات في اللسانیات التطبیقیة: حقل تعلیمیة اللغات، الدیوان الوطني -3 ، د.ت.للمطبوعات الجامعیة، الجزائر .1996، الكویت، آب212عالم المعرفة المعتوق، الحصیلة اللغویة، سلسلة أحمد محمد-4 لسانیة للتواصلین الشفهي والكتابي، دار اقتراباتاللغة والتواصل،عبد الجلیل مرتاض-5 د.ت.،، الجزائرهومة لیبیا ،الدار العربیة للكتاب،التفكیر اللساني في الحضارة العربیة،عبد السالم المسدي-6 .1981،وتونس .، مؤسسة الرسالة بیروت3،1980ط،في علم اللغة العام، عبد الصبور شاهین-7 األردن،الفكر،دار، التطویرالمكونات التنظیماتاألسسالمناهجفتحي یونس وآخرون،-8 .م 2004 مارك ریشل، اكتساب اللغة، ترجمة: كمال بكداش، المؤسسة الجامعیة للدراسات والنشر -9 .م 1،1984ط،نلبنا،والتوزیع ، بیروت مطبعة دار الكتب المصریة ، القاهرة،ابن خلدون حیاته وتراثه الفكري،محمد عنان-10 1933. .1979، القاهرة ،عالم الكتب ،الملكة اللسانیة في نظر ابن خلدون،محمد عید-11 .م1983،القاهرة،دار المعارف،التوجیه في تدریس العربیة،محمود السمان-12 المؤسسة الجامعیة للدراسات ،لكة اللسانیة في مقدمة ابن خلدونالمَ ،میشال زكریا-13 .1986،بیروت،والنشر الكویت ،سلسلة عالم المعرفة،أضواء على الدراسات اللغویة المعاصرة،نایف خرما-14 .2،1979ط مؤسسة أبو وجدان للطبع والنشر ،1ط،فلسفة اللغة واللسانیات،نور الدین النیفر-15 .1993،والتوزیع ???????? ?????? ??????? ??? ??? ?????.docx كلية الآداب في جامعة النجاح الوطنية – فلسطين المؤتمر العلمي الدولي "ابن خلدون: علامّة الشرق والغرب" أكتوبر- تشرين الأول 2012. عنوان المداخلة: الاكتساب اللغوي وقضاياه عند ابن خلدون. إعداد:أ. طارق ثابت. جامعة الشهيد محمد العربي بن مهيدي-أم البواقي/الجزائر الملخّص: تتدخل اللغة والثقافة في عملية التنشئة الاجتماعية للفرد باعتبارهما ضابطين أو قانونين يأتيان لتأطير الفرد ومنحه في المقابل هوية تُدْرَكُ بعبارات التماهي مع الوسط الذي يَقبل هذا الفرد لغته واستعمالاتها؛ فاللغة هي القانون الأول الذي يفرض نفسه على كل فرد خلال عملية التنشئة الاجتماعية وقد لقيت دراسة اكتساب اللغة اهتماماً كبيراً على أثر ظهور النظرية السلوكية في علم النفس والنظرية البنيوية في علم اللغة، ومن ثم ظهور نظرية النحو التحويلي والتوليدي على يد عالم اللغة الأمريكي نعوم تشومسكي؛ لكن قبل ظهور هذه النظريات تناول ابن خلدون قضية اكتساب اللغة من منطلق ثابت مفاده أن اللغة ملكة طبيعية، يكتسبها الإنسان، ومن هنا سوف تحاول هذه الورقة تتبع جهود ابن خلدون في هذا المجال من خلال البحث في نظرية اكتساب اللغة ، والتدرج في التعليم وقضايا التمرين والتحصيل اللغوي وغيرها؛ المبثوثة هنا وهناك في ثنايا مقدمة كتابه العبر. المداخلة: أولا- مقدمة عامة:منذ منتصف القرن العشرين ودراسة اكتساب اللغة تلقى اهتماماً كبيراً؛ على أثر ظهور النظرية السلوكية في علم النفس والنظرية البنيوية في علم اللغة، ومن ثم ظهور نظرية النحو التحويلي والتوليدي على يد عالم اللغة الأمريكي (نعوم تشومسكي)، وهكذا وجد علماء النفس وعلماء اللغة نقطة تقاطع تولد عنها حقل حديث هو علم اللغة النفسي الذي جعل من دراسة اكتساب اللغة أحد أبرز اهتماماته، وبذلك أتاح هذا العلم الفرصة لدراسة وبحث اكتساب اللغة الأولى عند الأطفال واللغة الثانية أو الأجنبية لدى الكبار والأطفال معاً، وتوسعت وتفرعت دراسة اكتساب اللغة لكي تشمل تطور ونمو اكتساب العناصر اللغوية المختلفة في جوانبها الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية والتواصلية، وللعلامة ابن خلدون[footnoteRef:1] آراء قيمة في النحو وتعليم اللغة والأدب وردت في كتابه الشهير المعروف باسم (مقدمة ابن خلدون) ، وهي آراء تمثل فكراً عميقاً في بابه، يستحق أن يقف عنده الباحثون في هذا المجال؛ وذلك لأنها آراء تفسر لنا غير قليل من قضايا اللغة والأدب في المجتمع العربي خاصة، والإنساني عامة . [1: هو عبد الرحمن بن محمد بن محمد, ابن خلدون أبو زيد، ولي الدين الحضرمي الإشبيلي، الفيلسوف العالم الاجتماعي، أصله من إشبيلية، مولده بتونس ونشأته بالجزائر، اشتهر بكتابه العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر، في سبعة مجلدات؛ أولها المقدمة وهي تعد من أصول علم الاجتماع، وألّف المقدمة وكتاب العبر في ثماني سنوات وهو مقيم بقلعة ابن سلامة قرب تلمسان بالجزائر، وقد ترجمت إلى لغات كثيرة، وكانت ولادته في تونس غرة رمضان 732هـ الموافق 27 ما ي 1332م ، وتوفي في 26 رمضان سنة 808هـ الموافق 16 مارس 1406م وسنه 76 سنة, ودفن خارج باب النصر بمقبرة الصوفية في القاهرة، تنقل كثيراً بين الأندلس والمغرب ومصر وغيرها، ينظر: محمد عنان، ابن خلدون حياته وتراثه الفكري، القاهرة، مطبعة دار الكتب المصرية،1933. ] واللغة هي وعاء الثقافة، وأداة الاتصال بين الماضي والحاضر ولا يستطيع الإنسان مهما كان أن يقف على كنوز الفكر الإنساني من تاريخ وشعر ونثر، بل لا يستطيع أن يقيم حتى شعائر دينه وأمور دنياه بدون اللغة، أما مفهوم اللغة  في اللسانيات الحديثة  فهو: " نظام  معقد من العلامات، يحقق وظيفة أساسية هي التواصل "[footnoteRef:2] أو هي " قدرة ذهنية مكتسبة يمثلها نسق يتكون من رموز اعتباطية منطوقة يتواصل بها أفراد مجتمع ما "[footnoteRef:3]، و إن أهم ما يميز اللغة البشرية هو:  اعتباطية العلاقة بين الدال و المدلول مما يفسر لنا تعدد الألسن، إضافة إلى قدرتها التوليدية مما يجعل من اللغة لانهائية. أما فيما يتعلق بوظائف اللغة فأهمها[footnoteRef:4]: [2: أحمد محمد المعتوق، الحصيلة اللغوية، سلسلة عالم المعرفة 212، الكويت، آب ،1996.، ص58.] [3: عبد الصبور شاهين، في علم اللغة العام، ط3 ، 1980 ، مؤسسة الرسالة بيروت، ص 39.] [4: عبد الجليل مرتاض، اللغة والتواصل اقترابات لسانية للتواصلين الشفهي والكتابي، دار هومة، الجزائر ص49 . ] 1-الوظيفة الاتصالية. 2-الوظيفة المعرفية. 3-الوظيفة الوجدانية. 4-الوظيفة الجمالية. 5-الوظيفة الانفعالية. فاللغة بهذا لها أهمية كبرى، ولها وظائف للفرد، ووظائف للمجتمع؛  فوظائفها بالنسبة للفرد نذكر منها[footnoteRef:5] : [5: محمود السمان، التوجيه في تدريس العربية، دار المعارف، القاهرة، 1983م، ص 35 .] 1-أنها وسيلة اتصاله بغيره لقضاء حاجاته . 2-هي وسيلة للتعبير عن آلامه وآماله . 3-هي وسيلة للإقناع في مجال المناقشة . 4-هي وسيلة للاستفادة من تجارب الآخرين بالقراءة وغيرها. 5-مهمة جداً في مجال التفكير . أما وظيفة اللغة بالنسبة للمجتمع[footnoteRef:6] فهناك العديد من الوظائف مثل : [6: إبراهيم عطا، طرق تدريس اللغة العربية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1407هـ، ص 35 .] 1-تحفظ التراث الثقافي والتقاليد الاجتماعية جيلاً بعد جيل . 2-تجعل للمعارف والأفكار البشرية قيماً اجتماعية بسبب استخدام المجتمع للغة؛ للدلالة على معارفه وأفكاره. وباختصار يتضح لنا أن اللغة هي قوام الأمة، وقوام كيانها التاريخي والثقافي والحضاري، فهي العنصر الأساسي في التكوين القومي للشعوب؛ إذ ليست اللغة أداة للتخاطب فحسب، بل وعاء يحمل في طياته الفكر نفسه، ولغة كل أمة هو لسان حالها الذي يعبر عن ألامها وآمالها، وبواسطتها تحفظ تراثها الفكري والثقافي والعلمي والحضاري، كي ينقل من جيل إلى آخر؛ حيث تقاس حضارة أمة من الأمم بكم التراث العلمي والفني والأخلاقي المدون بلغتها، كما تضطلع اللغة بدور رئيس في عمليتي التنمية الحضارية والتبادل الثقافي، لا لكونها أداة تواصل واتصال نعبر بها عن المفاهيم والأفكار والتصورات والقيم، ونحفظ بها التراث الفكري والثقافي والعلمي فحسب؛ بل بوصفها أحد العناصر الجوهرية من العناصر المكونة للثقافة والفكر؛ تتجاوز أهميتها من التعبير والحفظ إلى التغيير أيضا، ولا تقل أهمية اللغة في الدراسات التاريخية أيضا، فهي مفتاح معرفة الحوادث والوقائع والانجازات المدونة في الوثائق؛ حيث تعتبر اللغة الوسيلة التي اعتمدها الإنسان في تدوين الأخبار والانجازات المختلفة، فالوثائق التي تعتبر الركيزة الأساسية في المعرفة التاريخية، سواء كانت هذه الوثائق مدونة على الجدران أم على أوراق أم على ألواح أم على جلود حيوانات وغيرها، تعتمد في أغلب الحالات بما تحتويه من معلومات وصور ومخططـــات وأشكال على اللغة وكيفية استعمالها في التعبير عن الحوادث والحالات، فتحفظ المندثر وتدعم الباقي بالشاهد اللغوي. ثانيا: تعليم اللغة عند ابن خلدون:إن تعلم أي لغة يعني اكتسابها، وهذا الاكتساب من أهم القضايا التي تناولتها المدارس اللغوية المعاصرة، وتراث الفكر اللغوي العربي يفيض بالعلماء والمفكرين الذين نظروا في هذه القضية وأسهموا في بحثها وكانت لهم في ذلك نظرات ثاقبة، وابن خلدون من أحد هؤلاء العلماء الذين أدلوا برأيهم في قضية اكتساب اللغة وتعلمها. وقد انطلق ابن خلدون في حديثه عن اكتساب اللغة من قاعدة عنده تقول "إلا أنَّ اللغات لما كانت ملكات كما مر، كان تعلمها ممكناً شأن سائر الملكات"[footnoteRef:7] ، فاللغة بهذا عبارة عن ميزة أو صفة إنسانية يكتسبها الإنسان بشكل متدرج غير مقصود، فتبدو هذه المقدرة وكأنها طبيعة وفطرة، وهو بذلك يرفض الآراء القائلة بأنَّ متحدثي اللغة ذوي اللغة السليمة الفصيحة إنما يتحدثون بها بالفطرة وحدها، وأن لا جدوى من محاولة محاكاتهم، يقول في المقدمة " فإن الملكات إذا استقرت ورسخت في محالها ظهرت كأنها طبيعة وجبلة لذلك المحل، ولذلك يظن كثير من المغفلين ممن لم يعرف شأن الملكات أن الصواب للعرب في لغتهم إعراباً وبلاغة أمر طبيعي"[footnoteRef:8] وابن خلدون بتأكيده على أن الملكة اللسانية مكتسبة يميز بين نوعين من عمليات الاكتساب اللغوي: الاكتساب من خلال الترعرع في البيئة وسماع لغتها، والاكتساب أو التعلم بواسطة الحفظ والمران، وهو في هذا يصوّر اللغة على أنها ملكة، و يقسم ظواهر تعليم ملكة اللغة إلى ثلاثة أنواع : ظواهر قاعدية وظواهر نفسية، وظواهر اجتماعية[footnoteRef:9]، يقول ابن خلدون:" اعلم أن اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل لساني ناشئ عن القصد بإفادة الكلام، فلا بد أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل لها، وهو اللسان، وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم" [footnoteRef:10]، ويقول أيضا:" اعلم أن اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة، إذ هي ملكات في اللسان، للعبارة عن المعاني وجودتها   ومقصورها بحسب تمام الملكة أو انفصالها، وليس ذلك بالنظر إلى المفردات، وإما هو بالنظر إلى التراكيب"[footnoteRef:11]، ويضيف إلى هذا بتوضيح معناها بالمقارنة يقول :" فلغة أهل قريش مباينة بعض الشيء للغة أهل المغرب، وكذا أهل الأندلس معهما، وكل منهما متوصل بلغته إلى تأدية مقصوده والإبانة عمّا في نفسه، وهذا معنى اللسان واللغة" [footnoteRef:12] ويبدو من كلامه هنا أنه يميز بين اللسان واللغة؛ فيعني باللغة اللهجات المتفرعة عن اللغة الأم، وباللسان اللغة التي تميز الأمم عن بعضهم. [7: عبد الرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، دار الفكر، بيروت ط1، 2004، ص607.] [8: عبد الرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، ص609.] [9: ينظر في هذا: ميشال زكريا، المَلكة اللسانية في مقدمة ابن خلدون، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر ، بيروت، 1986.] [10: عبد الرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، ص623.] [11: المصدر السابق، ص630.] [12: نفسه ، ص630.] وأهم نقطة يشير إليها ابن خلدون في المقدمة؛ بل ويؤكد عليها هي أهمية اللغة في تحصيل العلوم، يقول:" ...وصارت العلوم الشرعية كلها ملكات في الاستنباط والاستخراج والتنظير والقياس، واحتاجت إلى علوم أخرى هي وسائل لها: من معرفة قوانين العربية، وقوانين ذلك الاستنباط والقياس"[footnoteRef:13]، ويقول أيضا: "واللغات: إنما هي ترجمان عما في الضمائر من تلك المعاني يؤديها بعض إلى بعض بالمشافهة في المناظرة والتعليم، وممارسة البحث بالعلوم لتحصيل ملكتها بطول المران على ذلك"[footnoteRef:14] ، وقد قدم ابن خلدون منهجا متميزا في تعليم اللغة، تناوله كثير من الباحثين والدارسين نلخصه في ما يلي: [13: محمد عيد، الملكة اللسانية في نظر ابن خلدون، عالم الكتب ، القاهرة ، 1979، ص147.] [14: عبد الرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون ، ص631.] أ-التدرج في التعليم: إن التدرج في تعليم اللغة أمر طبيعي يتماشى مع طبيعة الاكتساب اللغوي نفسه، لذلك لزم أخذ هذا العامل بعين الاعتبار مع مراعاة السهولة، والانتقال من العام إلى الخاص وتواتر المفردات، وقد أشار ابن خلدون إلى ذلك بقوله :" اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدا إذا كان على التدريج شيئا فشيئا، وقليلا قليلا، يلقى عليه أولا المسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب، ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال"[footnoteRef:15]؛ وهو يعني بهذا أن يكون كل علم تمهيدا لما سيأتي بعده، يقول: " ثم يرجع به إلى الفن ثانية فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها، ويستوفي الشرح والبيان، ويخرج عن الإجمال،... إلى أن ينتهي إلى آخر الفن فتجود ملكته، ثم يرجع به وقد شدا فلا يترك عويصا ولا مبهما ولا متعلقا إلا وضحه وفتح له مقفله، فيخلص من الفن وقد استوفى على ملكته".[footnoteRef:16]، ولذا ينصح بوجوب البدء من العموميات وصولا إلى الجزئيات، مثلما تنصح بذلك نظريات التعلم الحديثة[footnoteRef:17]؛ التي تعد المدخل الهرمي كما يسمى من أبرز وأهم مداخل تنظيم المحتوى؛ حيث يتم تنظيم محتوى المقرر على شكل هرمي تدريجي يبدأ بالمستوى الأبسط إلى الأكثر تركيبا وتعقيدا . [15: عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص 605] [16: المصدر السابق، ص 606.] [17: فتحي يونس وآخرون،المناهج،الأسس،المكونات التنظيمات التطوير، دار الفكر،الأردن،2004م، ص103. ] ب-مراعاة السن وعامل الاستعداد: انتبه ابن خلدون إلى أهمية النمو العقل في تسهيل عملية التعلم؛ لذا عدّه أحد عوامل التعلم التي لا استغناء عنها في تأهيل المتعلم لعملية التعلم، كالنمو الجسدي والنفسي يقول:" ويراعى في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه"[footnoteRef:18]، ويقول في موضع آخر:" وإذا ألقيت عليه الغايات في البدايات وهو حينئذ عاجز عن الفهم والوعي وبعيد عن الاستعداد له كل ذهنه عنها، وحسب ذلك من صعوبة العلم في نفسه تتكاسل عنه وانحرف عن قبوله وتمادى في هجرانه وإنما ذلك من سوء التعليم"[footnoteRef:19]، وكلام ابن خلدون هذا يتوافق مع ما قاله علماء اللغة الغربيون؛ مثل(مارك ريشل) الذي يقول:" تستلزم اللغة الإنسانية أعضاء طرفية ملائمة وجهازا عصبيا ملائما، إن الأساس الذي يجيز اكتساب اللغة لا يعمل منذ الولادة، كما أنه لا يبقى على الدرجة نفسها طوال حياة الفرد[footnoteRef:20]" ، وبهذا يتضح لنا أن صاحب اللغة المعينة إذا أراد أن يتعلم لغة أخرى فإن اكتسابه للغة الأخرى لا يمكن أن يكون تاماً ولا يمكن أن تكون إجادته لها كإجادة أبناء اللغة الأصليين ؛ لأن التداخل بين اللغة الأم واللغة الثانية يعوق ذلك، وهذا المقصود بمراعاة عامل السن في تلقين اللغة. [18: عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة، ص 605.] [19: عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص 606.] [20: مارك ريشل ، اكتساب اللغة، ترجمة: كمال بكداش، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، بيروت لبنان، 1984م ، ط1، ص 53.] ج- عدم التطويل على المتعلم في الفن الواحد، والاكتفاء بتعليم علم واحد في كل مرة: إن التطويل والمبالغة في مسألة من مسائل تعليم اللغة يُعده ابن خلدون عيبا ينتج عنه تقطيع المجالس وتفريق ما بينها، الشيء الذي يُغلِّب النسيان، و يعمل على انقطاع مسائل الفن عن بعضها؛ فيصعب معه التحصيل، يقول:" وإذا كانت أوائل العلم ، وأواخره حاضرة عند الفكرة مجانبة للنسيان كانت الملكة أيسر حصولا، وأحكم ارتباطا، وأقرب صنعة لأن الملكات إنما تحصل بتتابع الفعل وتكراره، وإذا تونسي الفعل تنوسيت الملكة الناشئة عنه"[footnoteRef:21]، وأيضا من مستلزمات العملية التعليمية عند ابن خلدون الاكتفاء بعلم واحد في كل مرة، يقول: " ولا ينبغي للمعلم أن يزيد متعلمه على فهم كتابه الذي أكب على التعليم منه بحسب طاقته... ولا يخلط مسائل الكتاب بغيرها حتى يعيه من أوله إلى آخره، ويحصل أغراضه ويستولي منه على ملكة بها ينفذ في غيره" [footnoteRef:22]، فتكون العلوم خادمة لبعضها البعض، ودرجا يرتقي بها المتعلم من علم إلى علم، فتكون كالملزمة لبعضها البعض كالقرآن الملزم لتعلم العربية، يقول:" لأن المتعلم إذا حصَّل ملكة ما في علم من العلوم استعدّ بها لقبول ما بقي، وحصل له نشاط في طلب المزيد والنهوض إلى ما فوق ، حتى يستولي على غايات العلم" [footnoteRef:23]وكل خلط يؤدي إلى العجز عن الفهم، والتعب، والفتور واليأس عن التحصيل، وهجر العلم والتعليم. [21: عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص 606.] [22: عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص 606.] [23: المصدر نفسه، الصفحة نفسها.] د- الانتقال من المحسوس إلى المجرد و تقديم البسيط على المركب والمعقد:إن إشراك الحواس في عملية التعليم أمر لازم ، يساعد المتعلم على إدراك المواضيع التي يهدف تعليمها له بصورة أكثر وضوحا لأن ما يقع تحت حواسه يكون أكثر قابلية للإدراك  فيسهل تعلمه ومعرفته، لأن أول اتصال يقوم به الطفل مع العالم الخارجي هو اتصال مادي وسائله الحواس الخمسة. لذا فلا غرابة في أن يدعو ابن خلدون إلى الاهتمام بهذا الجانب من الاتصال الذي يمكن المتعلم من مواضيع تعلمه  لذا يقول:" والأحوال المحسوسة، نقلها بالمباشرة أوعب لها وأكمل؛ لأن المباشرة في الأحوال الجسمانية المحسوسة أتم فائدة، والملكة صفة راسخة تحصل عن استعمال ذلك الفعل وتكرر، مرة بعد أخرى، حتى ترسخ صورته ، وعلى نسبة الأصل تكون الملكة، ونقل المعاينة أوعب وأتم من نقل الخبر والعلم ، فالملكة الحاصلة عنه أكمل وأرسخ من الملكة الحاصلة على الخبر"[footnoteRef:24]، ثم إن طبيعة التطور تقتضي التدرج، وقد يكون من المحسوس إلى المجرد، ومن العام إلى الخاص ، كما قد يكون من البسط إلى المعقد وفي هذا يقول ابن خلدون:" ثم إن الصنائع منها البسيط ومنها المركب، والبسيط هو الذي يختص بالضروريات، والمركب الذي للكماليات، والمتقدم منها في التعليم هو البسيط لبساطته أولا، ولأنه مختص بالضروري الذي تتوفر الدواعي على نقله، فيكون سابقا في التعليم ويكون تعليمه لذلك ناقصا، ولا يزال الفكر يخرج أصنافها ومركباتها من القوة إلى الفعل بالاستنباط شيئا فشيئا على التدريج حتى تكمل"[footnoteRef:25] ، ومن هنا نستنتج أن ابن خلدون يقرر أن العقل الإنساني يشوبه القصور، وأن مراتبه تختلف باختلاف البشر، وخاصة في المراحل الأولى من حياة الإنسان، وقد ذكر أن عقل الإنسان لا يستطيع أن يستوعب العلوم التي تكثر فيها المصطلحات فيجب تبسيطها، وابن خلدون يهدف إلى التيسير على المتعلم وبالخصوص في بداية عهد الطالب بالتعليم. [24: عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص 671.] [25: عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص671.] هـ- الاستعانة بكثرة التمارين: أما التمرين اللغوي في عملية تعليم اللغات فيعد مقوما هاما، لهذا اهتم الباحثون في الميدان اللساني والتربوي بالتمرين اللغوي وبضرورة ترقيته، وتحديد أهدافه التعليمية، ، وضبط إجراءاته المختلفة لتذليل الصعوبات التي تعترض المتعلم، وتفادي الخطأ اللغوي الذي يشكل عائقا أمام تطور العملية التحصيلية في مجال تعليم اللغات[footnoteRef:26]، يقول ابن خلدون في هذا:" الدؤوب على التعليم والمران على اللغة، وممارسة الخط يقضيان بصاحبهما إلى تمكن الملكة" [footnoteRef:27]، واكتساب اللغة عن طريق الحفظ للجيد للنصوص والتمرّن والاستعمال، اكتساب تعلميّ يحدث بقصد؛ وهذا هو معنى كلام ابن خلدون؛ لأن طريق اكتساب الملكة وتعلم اللغة يبدأ بالتعامل مع مختارات لغوية متميزة تحفظ بعد أن تُقرأ جيداً وتسمع، ويُكثر من استعمال ذلك وبذلك يتم تعلم اللغة. [26: أحمد حساني، دراسات في اللسانيات التطبيقية: حقل تعليمية اللغات، الديوان الوطني للمطبوعات الجامعية، الجزائر  ، ص 147.] [27: عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص 620.] ثالثا: اكتساب اللغة وأراء ابن خلدون فيها: تناول إن ابن خلدون قضية اكتساب اللغة من منطلق ثابت مفاده أن اللغة ملكة طبيعية، يكتسبها الإنسان حيث يقول " إلا أن اللغات لما كانت ملكات كما مرّ، كان تعلمها ممكناً شأن سائر الملكات "[footnoteRef:28]، ويذكر ابن خلدون أيضاً أن:" الملكات كلها جسمانية، سواء كانت في البدن أو في الدماغ، من الفكر وغيره، كالحساب، والجسمانيات كلها محسوسة فتفتقر إلى التعليم"[footnoteRef:29]، ويقترب ابن خلدون في هذا الرأي من رأي تشومسكي الذي ذكر أيضاً أن اللغة ملكة موجودة في الدماغ حيث يقول:"الدراسة المجردة لحالات ملكة اللغة يجب أن تصوغ خواص تقوم بشرحها نظرية الدماغ"[footnoteRef:30] ، ويتفق تشومسكي مع ابن خلدون أيضاً في أن اللغة تكتسب، وذلك عندما قال تشومسكي بأن الطفل يولد دون لغة محددة بعينها وسمى هذه الحالة بالحالة الصفرية الأولى ؛ لكن الطفل يمتلك نحواً كونياً أو كلياً يساعده على تعلم أي لغة يتعرض لها بعد ذلك ينتقل الطفل وهو يكبر، ومن خلال سلسلة من المراحل المتتابعة إلى مرحلة الاستقرار[footnoteRef:31] ، أما ما ذكره ابن خلدون من حيث إن اللغة ملكة جسمانية فإنه لا يختلف عما ذكره تشومسكي من أن اللغة ذات أصول بيولوجية ، يقول" إن دراسة الأسس البيولوجية لقدرات الإنسان اللغوية قد تثبت أنها أحد أعظم المشارف الموجودة للعلم في السنين القادمة. [28: عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص 630.] [29: المصدر نفسه، ص 638.] [30: محمد عيد، الملكة اللسانية في نظر ابن خلدون، عالم الكتب ، القاهرة ، 1979، ص132.] [31: المصدر السابق، ص136.] إن ابن خلدون يشير في أراه المبثوثة في مقدمته إلى حتمية وجود قوة كامنة للغة في جسد الإنسان ونفسه، ولكن تلك القوة تحتاج إلى التعليم من خلال تجديد العلوم والإدراكات عن المحسوسات؛ يقول: "والجسمانيات كلها محسوسة فتفتقر إلى التعليم"، وقوله كذلك "قد ذكرنا في الكتاب أن النفس الناطقة، للإنسان، إنما توجد فيه بالقوة. وأن خروجها من القوة إلى الفعل، إنما هو بتجدد العلوم والإدراكات عن المحسوسات.."[footnoteRef:32]، وبالمثل يقول تشومسكي إن الطفل يمتلك خواص فطرية للغة تفسر مقدرته على اكتساب لغته الأم خلال وقت قصير، رغم الطبيعة التجريدية العالية لقواعد اللغة وأن هذه الصفات عبارة عن أداة سماها (أداة اكتساب اللغة) ولكنه فيما بعد سماها (النحو الكلي) الذي يحتوي على قواعد موجودة في جميع لغات العالم[footnoteRef:33]. [32: عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص767.] [33: محمد عيد، الملكة اللسانية في نظر ابن خلدون، ص163] من ناحية أخرى نجد أن ابن خلدون قد تنبه للفرق بين الملكة اللغوية وصناعة اللغة العربية حيث يقول "من هنا يعلم أن تلك الملكة هي غير صناعة العربية، وأنها مستغنية عنها بالجملة.. ذلك أن صناعة العربية هي معرفة قوانين هذه الملكة ومقاييسها خاصة. فهو علم بكيفية وليس نفس كيفية"[footnoteRef:34]، وهذا التفريق الذي ذكره ابن خلدون بين الملكة اللغوية وصناعة العربية فتح الباب أمامه للاقتراب من تعريف تشومسكي للكفاية اللغوية والأداء اللغوي؛ فالكفاية اللغوية عند تشومسكي هي المعرفة الضمنية غير الشعورية بقوانين اللغة التي تمكن الإنسان من إنتاج الجمل وفهمها[footnoteRef:35] ، وهذه الكفاية تختلف طبعاً عن الأداء اللغوي أو صناعة العربية؛ ويشرح ابن خلدون ذلك الفرق قائلاً "وكذلك نجد كثيراً من جهابذة النحاة والمهرة في صناعة العربية المحيطين علماً بتلك القوانين، إذا سئل في كتابة سطرين إلى أخيه أو ذي مودته أو شكوى ظلامة أو قصد من قصوده، أخطأ فيها الصواب وأكثر من اللحن، ولم يجد تأليف الكلام لذلك والعبارة عن المقصود فيه على أساليب اللسان العربي، وكذلك نجد كثيراً ممن يحسن هذه الملكة ويجيد الفنين من المنظور والمنثور، وهو لا يحسن إعراب الفاعل من المفعول، ولا المرفوع من المجرور ولا شيئاً من قوانين صناعة العربية"[footnoteRef:36]، وبذلك نجد ابن خلدون يقدم تفسيراً أفضل لملكة الأداء اللغوية يجمع فيه بين الكفاية اللغوية البحتة حسبما عرضها تشومسكي والكفاية اللغوية الاتصالية؛ وهي مقدرة متحدث اللغة علي تنويع استعماله لها بحسب تنوع سياق الحال، وفي هذا يقول ابن خلدون "..فإن كلامهم –العرب- واسع، ولكل مقام عندهم مقال يختص به بعد كمال الإعراب والإبانة "[footnoteRef:37]، وفي ذلك أيضاً دلالة على أهمية دور السياق في اللغة عند ابن خلدون مثله في ذلك مثل أصحاب النظرية التفاعلية [footnoteRef:38]؛ الذين يرون أن الناس الذين ينتمون إلى ثقافات مختلفة قد يشتركون في معرفة نحوية واحدة للغة، ولكن معنى كلامهم يختلف حسب السياق الذي يقال فيه ذلك الكلام. [34: عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص 636.] [35: محمد عيد، الملكة اللسانية في نظر ابن خلدون، ص169] [36: عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص637.] [37: المصدر السابق، ص640.] [38: كعالم الاجتماع جوفمان Goffman، وعالم الأنثروبولوجيا جمبيرز Gumperz ] أما من حيث عملية اكتساب اللغة فيقول ابن خلدون إنها تتم من خلال الترعرع في بيئة اللغة، ومن خلال سماع كلام المجتمع الذي يتحدثها، حيث يقول "إن الإنسان يسمع كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطباتهم وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم، كما يسمع الصبي استعمال المفردات في معانيها، فيلقنها أولاً ثم يسمع التراكيب فيلقنها كذلك، ثم لا يزال سماعه لذلك يتجدد في كل لحظة، ومن كل متكلم واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة ويكون كأحدهم"[footnoteRef:39]، و كلام ابن خلدون هذا يشير إلى أهمية الدخل اللغوي في اكتساب اللغة كما ذكر أصحاب النظرية التفاعلية؛ ذلك الدخل في نظر ابن خلدون هو سماع الكلام وأساليب التخاطب والتعبير عن المقاصد وتلقن المفردات والتراكيب، ولكن ابن خلدون يركز على الممارسة والتكرار في أثناء عملية اكتساب اللغة، يقول "وإنما تحصل هذه الملكة بالممارسة والاعتياد والتكرار لكلام العرب" [footnoteRef:40]. [39: عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص631. ] [40: عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص636.] من ناحية أخرى نجد أن تعريف ابن خلدون للغة تعريف وظيفي حيث يقول "وهي عبارة المتكلم عن مقصوده"، وفي ذلك إشارة إلى أن الوظيفة الرئيسة للغة هي التواصل والعبارة ربما تأخذ صيغاً أو أشكالاً لغوية مختلفة، لذلك نجد علم التواصلية الحديث يركز على هذا الجانب في دراسة اللغة؛ وهو دراسة المعنى الذي يقصده المتكلم في سياق معين وعلاقة ذلك بالصيغ اللغوية المختلفة[footnoteRef:41]، وقول ابن خلدون هذا سبق به الفيلسوف الانجليزي )أوستن[footnoteRef:42](Austin ، عندما تحدث عن نظرية الحدث الكلامي عندما لاحظ أن العبارات اللغوية تؤدي الكثير من الوظائف كجزء من عملية التواصل بين الناس، يقول أوستن[footnoteRef:43] إن الكثير من العبارات اللغوية لا يوصل معلومات، أي الإخبار عن حقيقة معينة فحسب، بل إن معظم العبارات يقصد باستخدامها إنجاز أفعال أو أحداث، لكن تلك العبارات تساوي أحداثاً، فعندما يقول شخص ما «أعتذر» فإن تلك العبارة توصل للسامع في الحال حقيقة نفسية أو اجتماعية حيث إن الاعتذار يحدث عندما يعتذر ذلك الشخص وليس قبل ذلك، لذا نجد أوستن يسمي تلك العبارات بالأفعال الإنجازية. [41: عبد السلام المسدي، التفكير اللساني في الحضارة العربية، الدار العربية للكتاب، ليبيا وتونس، 1981، ص218.] [42: المتوفى عام 1960.] [43: نايف خرما، أضواء على الدراسات اللغوية المعاصرة , سلسلة عالم المعرفة ، الكويت ، ط2، 1979، ص208 . ] رابعا: منهج ابن خلدون في التحصيل اللغوي : إن ابن خلدون يرى أن هذه العملية هي عملية وجدانية حيث يقول "وهذا أمر وجداني حاصل بممارسة كلام العرب، حتى يصير واحداً منهم"[footnoteRef:44]، ويفهم من ذلك أن ابن خلدون يتفق مع ما قاله أصحاب النظرية السلوكية[footnoteRef:45] في اكتساب اللغة من حيث التركيز على الممارسة والتكرار وأهمية دور البيئة، وأيضاً يتفق مع تشومسكي من حيث إن عملية اكتساب اللغة أمر وجداني ذهني. وبذلك يقف موقفاً متوسطاً بين الاثنين. [44: عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص638.] [45: مثل سكنر Skinner.] ولعل موقف ابن خلدون هذا من اكتساب اللغة يقترب بعض الشيء من موقف النظرية التفاعلية؛ التي ترى أن اكتساب اللغة لدى الطفل هو تفاعل معقد بين الصفات البشرية التي ينفرد بها الطفل، والبيئة التي ينمو فيها مشيرة إلى أهمية الدخل اللغوي، لكنه يرى أن ذلك الاكتساب يرسخ بالحفظ والاستعمال حيث يقول " فتحصل له (الطفل) هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال، ويزداد بكثرتهما رسوخاً وقوة"[footnoteRef:46]. [46: عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص600.] أما فيما يخص تعليم اللغة الثانية فيرى ابن خلدون أن ذلك ممكن لكن يشوبه بعض النقص وعدم الكمال مهما بلغت درجة إتقان الإنسان للغة الثانية، يقول ابن خلدون "إن الملكة إذا سبقتها ملكة أخرى في المحل، فلا تحصل إلا ناقصة مخدوشة"، ويمثل ابن خلدون لذلك بقوله "وانظر من تقدم له شيء من العجمة، كيف يكون قاصراً في اللسان العربي أبدا فالأعجمي الذي سبقت له اللغة الفارسية لا يستولي على ملكة اللسان العربي، ولا يزال قاصراً فيه ولو تعلمه وعلمه، وكذلك البربري والرومي والإفرنجي قل أن تجد أحداً منهم محكماً لملكة اللسان العربي، وما ذلك إلا لما سبق إلى ألسنتهم من ملكة اللسان الآخر"[footnoteRef:47]. وقول ابن خلدون هذا يقترب كثيرا من فكرة اللغة البينية أو الوسيطة التي جاء بها )سلينكر (Selinker؛ لوصف لغة متعلم اللغة الثانية التي قد تحمل صفات من لغته الأم وصفات من لغته الثانية، وبعض صفات عامة توجد في جميع أو معظم منظومات اللغة البينية أو الوسيطة[footnoteRef:48]، فعند ابن خلدون أن نفس الإنسان لا تتسع لأكثر من ملكة لسانية كاملة واحدة، بينما تظل الأخرى ناقصة ومخدوشة، ولكنه يستثني من ذلك الأشخاص ثنائيي اللغة أو متعددي اللغات الذين تعلموها في آن واحد خلال طفولتهم، حيث يقول ابن خلدون "من كان على الفطرة كان أسهل لقبول الملكات وأحسن استعداداً لحصولها"[footnoteRef:49]، ويوضح ذلك قائلاً:"كأصاغر أبناء العجم الذين يربون مع العرب قبل أن تستحكم عجمتهم، فتكون اللغة العربية كأنها السابقة لهم"[footnoteRef:50]؛ ومعنى هذا أن ابن خلدون يشير هنا ضمناً إلى وجود فترة معينة ومحددة لإمكانية إتقان اللغة الثنائية، وتسمى أيضا من قبل اللغويين بالوضعية (سوسيو-لغوية)[footnoteRef:51]، ويمكن لهذه الثنائية اللغوية أن لا تمس إلاّ جزءاً فقط من طائفة معنية، وتسمى أيضا بالازدواجية المركّبة حيث يملك الفرد نظاما متّحدا أو مدموجا، فيسلك سلوك المتحدّث الأصلي في أيّ من اللّغتين، [47: المصدر نفسه، ص638.] [48: نايف خرما، أضواء على الدراسات اللغوية المعاصرة , ص168.] [49: عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص 621.] [50: نفسه، ص640.] [51: نور الدين النيفر فلسفة اللغة واللسانيات، ط1، مؤسسة أبو وجدان للطبع والنشر والتوزيع، 1993 ، ص167 .] وفي جانب آخر نجد ابن خلدون قد فطن إلى الفرق بين التعلم والاكتساب للغة حيث يرى أن الاكتساب هو الذي يؤدي إلى حصول الملكة اللغوية، وليس التعلم الذي ينتج عن تعلم قوانين اللغة حيث يقول " وهذه الملكة كما تقدم تحصل بممارسة كلام العرب وتكرره على السمع والتفطن لخواص تركيبه، وليست تحصل بمعرفة القوانين العلمية في ذلك، التي استنبطها أهل صناعة البيان. فإن القوانين إنما تفيد علماً بذلك اللسان ولا تفيد حصول الملكة في محلها"[footnoteRef:52]، وهذا رأي شديد الشبه برأي) كراشن(Krashenالذي يرى "أن الاكتساب أو اللغة المكتسبة هي التي تؤدي إلى الاتصال الطبيعي الطلق، أما التعلم فليس بالإمكان أن يتحول إلى اكتساب"[footnoteRef:53] ويستشهد على ذلك بأمثلة كثيرة من الناس الذين تمكنوا من إتقان لغة ما دون أن يتعلموا قوانينها، بينما أن هناك أناسا كثيرين يعرفون تلك القوانين،ولكنهم يستمرون في الخطأ فيها عندما يركزون انتباههم على المعنى الذي يودون توصيله إلى من يتحدثون إليه، وذلك بدلاً من التركيز على التطبيق السليم لتلك القوانين من أجل تحقيق أداء دقيق وصحيح في تلك اللغة التي يتحدثون بها. [52: عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص632.] [53: نايف خرما، أضواء على الدراسات اللغوية المعاصرة , ص256.] خاتمة ونتائج: إن ابن خلدون وإن عاش في القرن الثامن الهجري، إلا أنه جاء بآراء متطورة عن اللغة واكتسابها؛ وأكبر شاهد على ذلك ما قاله ابن خلدون عن تعريف اللغة ذاتها؛ يقول: " وأعلم أن اللغة، في المتعارف عليه، هي عبارة المتكلم عن مقصوده وتلك العبارة فعل لساني ناشئ عن القصد بإفادة الكلام، فلابد أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل وهو اللسان، وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتها"[footnoteRef:54]، لقد أوضح لنا ابن خلدون في مقدمته ثلاثة عناصر تفيد في تعلم اللسان وهي : البحث في شواهد اللسان وتراكيبه، ثم أهمية المران والممارسة في عملية التعلم ، ثم ضرورة التمييز بين الوسيلة والغاية إن التعليم اللغوي في نظر ابن خلدون وفي نظر كثير من الألسنيين التربويين لا يجدي نفعاً بدون التطبيق العملي، إذ يصبح التعليم اللغوي بدونه تنظيراً لا أثر له على المتعلم. ونحن إنما نريد وعياً باستعمال اللغة الاستعمال الصحيح ، لذلك يجب أن يخصص غالب وقت التعليم في تمرين التلميذ على استعمال اللغة وتقوية ملكته اللغوية وتنويع أساليب تعبيره، ولعل معرفة ابن خلدون بعلم الاجتماع وإسهاماته الرائدة فيه جعلته ينظر إلى اللغة ويعرّفها من منظور ذلك العلم، لذلك جاء تعريفه للغة من ذلك المنطلق، ويفهم هذا من قوله " وهي في كل أمة بحسب اصطلاحاتها"، وبذلك يكون ابن خلدون قد نبّه إلى العلاقة بين اللغة والمجتمع أو الأمة، وهو ما يعرف الآن بحقل علم اللغة الاجتماعي الذي يهتم بدراسة هذه العلاقة بين استخدامات اللغة والبنى الاجتماعية التي يعيش فيها مستخدمو اللغة. [54: عبد الرحمن ابن خلدون ، المقدمة ، ص610.] مصادر ومراجع البحث 1-عبد الرحمن ابن خلدون، المقدمة، دار الفكر، بيروت، ط1، 2004م. 2-إبراهيم عطا، طرق تدريس اللغة العربية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1407هـ. 3-أحمد حساني، دراسات في اللسانيات التطبيقية: حقل تعليمية اللغات، الديوان الوطني للمطبوعات الجامعية، الجزائر، د.ت. 4-أحمد محمد المعتوق، الحصيلة اللغوية، سلسلة عالم المعرفة 212، الكويت، آب 1996. 5-عبد الجليل مرتاض، اللغة والتواصل اقترابات لسانية للتواصلين الشفهي والكتابي، دار هومة ، الجزائر، د.ت. 6-عبد السلام المسدي، التفكير اللساني في الحضارة العربية، الدار العربية للكتاب، ليبيا وتونس، 1981. 7-عبد الصبور شاهين، في علم اللغة العام، ط3 ، 1980 ، مؤسسة الرسالة بيروت. 8-فتحي يونس وآخرون، المناهج الأسس المكونات التنظيمات التطوير، دار الفكر، الأردن، 2004م . 9-مارك ريشل، اكتساب اللغة، ترجمة: كمال بكداش، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، بيروت، لبنان،ط1، 1984م . 10-محمد عنان، ابن خلدون حياته وتراثه الفكري، القاهرة، مطبعة دار الكتب المصرية 1933. 11-محمد عيد، الملكة اللسانية في نظر ابن خلدون، عالم الكتب ، القاهرة ، 1979. 12-محمود السمان، التوجيه في تدريس العربية، دار المعارف، القاهرة، 1983م. 13-ميشال زكريا، المَلكة اللسانية في مقدمة ابن خلدون، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 1986. 14-نايف خرما، أضواء على الدراسات اللغوية المعاصرة، سلسلة عالم المعرفة، الكويت ط2، 1979. 15-نور الدين النيفر، فلسفة اللغة واللسانيات، ط1، مؤسسة أبو وجدان للطبع والنشر والتوزيع، 1993. 2