جامعة النجاح الوطنية كلية الدراسات العليا التوسع الحضري العشوائي حول مراكز البلدات التاريخية وتأثيره على الهوية المعمارية - بلدة بديا كحالة دراسية إعداد: محمد سليم خليل ماجستير هندسة معمارية: التخصص إشراف: د. حسن القاضي د. زهراء زواوي 2025 جامعة النجاح الوطنية كلية الدراسات العليا التوسع الحضري العشوائي حول مراكز البلدات التاريخية وتأثيره على الهوية المعمارية - بلدة بديا كحالة دراسية إعداد: محمد سليم خليل ماجستير هندسة معمارية: التخصص إشراف: د. حسن القاضي د. زهراء زواوي 2025 صفحة اجازة الرسالة الاهداء إلى من غرسا في قلبي حب العلم، ووهبا العمر كي أبلغ مداه، إلى والديّ. إلى مريم وميمونة، لوجودكما الذي يطمئن الروح. إلى خالد، لصداقته التي أيقظت في روحي شرارة السؤال. وإلى كل معلم ومعلمة، من مقاعد المدرسة إلى مدرجات الجامعة، ممن كانت كلماتهم نبراسًا لي في طريق المعرفة. أهديكم ثمرة هذا الجهد. الشكر أتقدم بخالص الشكر والامتنان إلى مشرفيّ الكريمين د. حسن القاضي و د. زهراء زواوي على توجيهاتهما القيمة ودعمهما المستمر طوال فترة إعداد هذا البحث، كما أود أن أعبر عن امتناني العميق للزملاء الأعزاء الذين خصصوا من وقتهم وجهدهم لمشاركة خبراتهم، وفي مقدمتهم المهندس أحمد أبو عمر والمهندس ضياء الهلسة والمهندسة رائدة توما والمهندسة دالا النوباني. ولا يفوتني أن أشكر جميع أساتذتي الكرام، الذين صاغو معالم رحلتي العلمية. الاقرار فهرس المحتويات الصفحة الموضوع الرقم ب اجازة الرسالة الصفحات التمهيدية ج الاهداء د الشكر والتقدير ه الاقرار و فهرس المحتويات ح فهرس الجداول ظ فهرس الأشكال ى فهرس المحتويات b الملخص الفصل الأول: الإطار العام للدراسة 1 المقدمة 1.1 5 مشكلة وفرضيات الدراسة 1.2 7 أهمية وأهداف الدراسة 1.3 7 منهجية الدراسة 1.4 الفصل الثاني: نشأة القرية الفلسطينية وتكوينها 11 السياق التاريخي والجغرافي لنشأة القرية الفلسطينية 2.1 13 شكل القرية 2.2 15 المكونات العمرانية التي شكلت القرى 2.3 24 الإطار النظري: التحولات العمرانية والهوية المكانية 2.4 25 تحولات المشهد الحضري للقرى 2.5 الفصل الثالث: مراحل تغير شكل القرية 28 الفترة العثمانية وظهور الأقطاعين 3.1 31 فترة الاحتلال البريطاني 3.2 33 مرحلة الاحتلال الإسرائيلي عام 1948م والإدارة الأردنية والمصرية 3.3 35 مرحلة الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 3.4 38 مرحلة السلطة الوطنية الفلسطينية 3.5 39 واقع القرى ومراكزها 3.6 الفصل الرابع: تحليل الحالة الدراسية – بديا 41 نبذة عامة عن بديا 4.1 42 أسباب اختيار الحالة 4.2 44 نشأة القرية - نطرة تاريخية 4.3 45 تحليل مركز بديا التاريخي 4.4 56 مراحل تغيرات النسيج العمراني للمركز التاريخي ومحيطه 4.5 72 واقع المركز التاريخي وما حوله ومدى تأثر نسيجه العمراني بالمراحل المختلفة 4.6 الفصل الخامس: النتائج والتوصيات 77 التحضر السريع وانعكاساته 5.1 80 النتائج المتعلقة بواقع القرى الفلسطينية ومراكزها التاريخية 5.2 83 النتائج المتعلقة بواقع بديا ومركزها التاريخي 5.3 90 استراتيجيات تخطيطية وتوصيات مقترحة لعموم القرى الفلسطينية 5.4 93 استراتيجيات تخطيطية مقترحة لبديا 5.5 98 نموذج تخطيطي مقترح لمركز بديا 5.6 101 المراجع 103 الملحق فهرس الجداول الصفحة عنوان الجدول الرقم 70 عدد السكان المقدر في منتصف العام لبديا 1 71 الطرق في بديا 2 73 أبنية المركز التاريخي في بديا 3 74 الحالة الإنشائية لأبنية المركز التاريخي في بديا 4 99 تفاصيل التدخلات المقترحة في مركز بديا التاريخي 5 فهرس الاشكال الصفحة عنوان الشكل الرقم 15 شكل القرية 1 41 موقع بديا 2 46 موقع مركز بديا التاريخي 3 51 المكونات العمرانية لمركز بديا التاريخي 4 58 اتجاه التوسع العمراني في فترة الانتداب البريطاني 5 60 التوسع العمراني لبلدة بديا اثناء الادارة الاردنية 6 65 التوسع العمراني بعد الاحتلال الاسرائيلي عام 1967 7 68 حدود المنطقة (ب) في بديا 8 75 واقع المركز التاريخي لبديا 9 100 التدخلات المقترحة لمركز بديا التاريخي 10 فهرس الملاحق الصفحة العنوان الرقم 103 طرق التجارة الرئيسية القديمة التي مرت في بلادنا – بداية العصر البرونزي أ 104 صوره لبيدر الناصرة- عام 1925م ب 105 السموع جنوب الخليل – 1936 ج 106 قرية الجيب شمال غرب القدس – 1862 د 107 بئر مياه ه 108 رجال يخرجون مياه من البئر و 109 نساء يقمن بالتطريز في الحوش - بيت لحم – فترة الانتداب البريطاني ز 110 نساء يقمن بغسل الملابس في الحوش – كفر قانا – اوائل القرن العشرين ح 111 علية في قرية عابود شمال رام الله - 1920 ط 112 تصاعد الأبنية الخرسانية حول المراكز التاريخية – بلدة الزاوية ي 113 قلب المركز التاريخي لبلدة بديا ك 114 ضريح الشيخ علي الدجاني – بديا ل 115 قصر ال طه - بديا م 116 ارتفاعات المباني للمركز التاريخي وما حوله ن 117 مواد البناء المستخدمة في المركز التاريخي وما حوله س 118 بيت قديم تمت إضافة طابق فوقه في بلدة بديا ع 119 محاجر في بلدة جماعين ف 120 توضيح التغيرات العمرانية الحاصلة في الريف الفلسطيني ص 121 المخطط الهيكلي الحالي لبلدة بديا ق 122 المخطط المقترح لبلدة بديا ر 123 تجربة فلسطين في دمج البلديات م.1 124 تجربة الأردن في دمج البلديات م.2 126 مناقشة النتائج جدول 6 127 مناقشة النتائج م.3 128 منطقة الدمج المقترحة ش 129 احدى بيوت المركز المهجورة والتي يمكن تحويلة الى معرض ت 130 احدى بيوت المركز المهجورة والتي يمكن تحويلة الى معرض ث 131 احدى بيوت المركز المهجورة والتي يمكن تحويلة الى معرض خ 2 الملخص تُعد القرى الفلسطينية نتاجًا لتفاعل طويل بين الإنسان والمكان، وقد تشكل نسيجها العمراني بطريقة منسجمة مع البيئة المحيطة ومتوافقة مع احتياجات السكان، مما أنتج هوية معمارية مثلت علاقة الفلاح بأرضه ومجتمعه، لاحقا وبعد دخولنا في خضم العصر الحديث حصلت تحولات متسارعة على جميع الأصعدة، صاحبها ظهور امتدادات عمرانية حول المراكز التاريخية، غيّرت من ملامح المشهد العمراني التقليدي وباتت تهدد هويتها. تتناول الدراسة مظاهر هذه التوسعات العمرانية وتحليلها، بالتركيز على بلدة بديا كنموذج لفهم طبيعة التغيرات التي طرأت على النسيج الحضري، وتنطلق الدراسة من فرضية أن هذه التحولات لم تكن مجرد استجابة طبيعية للنمو السكاني، بل نتيجة غياب التخطيط التنظيمي صاحبه سيطرة رأس المال والمصالح الشخصية على تحديد شكل واتجاه نموها مما ساهم في تفكيك العلاقة بين الانسان والبيئة المبنية وقطع الصلة بالموروث العمراني والثقافي. استخدم البحث المنهج الوصفي التاريخي، لدراسة نشأة عموم القرى الفلسطينية ومراحل التغيرات التي طرأت على بنيتها الحضرية، إلى جانب التحليل الاستقصائي والمسح الميداني في دراسة التحولات التي طالت مركز بديا، بهدف الوصول إلى فهم عميق للأثر العمراني والثقافي الناتج عن هذه التوسعات، وتقديم توصيات تهدف إلى حماية الهوية المعمارية للمراكز التاريخية في القرى الفلسطينية بشكل عام وبديا بشكل خاص. تناولت الدراسة السياقين التاريخي والجغرافي لنشأة القرى الفلسطينية، وأبرز الخصائص والعناصر العمرانية التي شكلتها، وتوضيح طبيعة نسيجها العمراني وبنيتها العضوية، ثم دراسة مراحل التغير التي طرأت على شكل القرية، بدءًا من مرحلة الحكم العثماني مرورًا بالانتداب البريطاني والاحتلال الإسرائيلي والإدارة الاردنية وصولًا إلى مرحلة السلطة الوطنية الفلسطينية، وتحليل السياسات والتشريعات التي أثرت على آليات التخطيط العمراني في كل مرحلة، وما نتج عنه من تحولات اجتماعية وديموغرافية، أدت إلى تراجع دور المراكز التاريخية لصالح التوسعات العمرانية غير المنظمة حول المراكز التاريخية. وبعد تحليل بلدة بديا كحالة دراسية، ودراسة التحولات التدريجية التي طرأت عليها، تبين أنها انتقلت من كونها قرية زراعية الى بلدة ذات طابع خدماتي، مما رافقه انتقال مكاني لمركز القرية الحيوي وتراجع في الدور الوظيفي للمركز، وقد خلصت الدراسة إلى أن التحضر المتسارع والمفاجئ الذي تعرضت له قرانا كان له انعكاسات سلبية على البنية الحضرية، وأدى الى تدهور نسيجها التقليدي وطمس الكثير من المعالم المعمارية التاريخية، وتحولت القرى الى بلدات كبيرة وضواحي للمدن، مما يستدعي ضرورة إعادة التوازن بين متطلبات الحداثة والهوية التاريخية. الكلمات المفتاحية: التوسع العمراني، النسيج العمراني، التخطيط الحضري، القرى الفلسطينية، المراكز التاريخية. 2 الفصل الأول الإطار العام للدراسة 1.1 المقدمة القرية ليست مجرد مكان، بل هي استعاره للعالم المعاصر، الذي ادعى التحضر وأخفى فظاظته تحت قناع الحداثة، إذ تُعد القرية أكثر مظاهر التوطن البشري انتشاراً على سطح الأرض، ويعود تاريخ ظهورها إلى العصر الحجري الحديث عندما اكتشف الإنسان الزراعة فانتقل من مرحلة مطاردة الحيوانات والبحث عن الطعام الى مرحلة الزراعة والرعي التي رافقها الاستقرار المكاني في بقعة جغرافية حددتها العوامل الطبيعية المختلفة من توفر المياه وخصوبة التربة، وبعد أن لمس الإنسان فائدة الزراعة وأدرك أهميتها بدأت تتكون لديه علاقة وثيقة مع الأرض التي زرعها، فقام ببناء مأوى يقيه حر الصيف وبرودة الشتاء بالقرب من حقوله الجديدة لتتشكل أول مظاهر التجمعات الحضرية التي عرفها الإنسان(1)، وهكذا فقد عرفت كل الشعوب القرية واستقرت فيها أجيلا طويلة، فكانت القرى هي النواة الأولى التي انطلق منها العمران البشري ليصل إلى شكل المدن والتجمعات الحضرية التي نعرفها الان، ففي البدء كان كل شيء ريفياً. لاحقاً وخلال القرون الأخيرة تحديداً، واجهت المجتمعات المتقدمة والنامية على حد سواء موجة تسارع في النمو الحضري واتساع عملية التمدن مما أدى إلى تحولات حضرية وديموغرافية كبيرة أثرت بشكل مباشر على النواة الحضرية الأولى التي شكلت هذه التجمعات وعلى الرغم من الفوائد الاجتماعية والاقتصادية المُصاحبة لهذا النمو، إلا أنه يمثل تحدياً حضرياً وثقافياً كبيراً لمُعظم دول العالم بما في ذلك الدول العربية(2). وفي فلسطين فإن دراسة ظاهرة التوسع حول مراكز القرى يعد أمر بالغ الأهمية، إذ تنبع أهميتها مما تمثله المراكز التاريخية من أهمية ثقافية وتاريخية، حيث يمكن اعتبارها أداة لمواجهة محاولات طمس الهوية الوطنية التي يمارسها الاحتلال الغاشم، وقد أدت العقود المتتالية من إهمال المراكز إلى جانب غياب تخطيط شامل إلى تباين ملموس بين مركز القرية التاريخي وأطرافها الحديثة مما يعكس أزمة تعاني منها القرى الفلسطينية، فالعشوائية الحضرية باتت تهدد بتشويه الهوية التاريخية لمراكزها، مما يجعل دراسة هذا التوسع ضروري لفهم أبعاده وتأثيراته على حاضر ومستقبل هذه القرى. فقد شهدت بلادنا خلال العقود القليلة الماضية العديد من التغيرات التي حدثت على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما أدى إلى تغيرات جذرية في المشهد الحضري والعمراني لكافة التجمعات الحضرية، وفي إطار معرفة أهم المراحل المفصلية التي شهدتها المجتمعات الحضرية في فلسطين يمكن تتبع مراحل القوانين والأنظمة المتعلقة بالأراضي وتنظيمها لنجد أن الأرض واستخداماتها كانت تحكمها الأعراف المجتمعية والاحكام المتفق عليها ضمنيا من قبل السكان فزرعوها وعمروها وأقاموا عليها مدنهم وقراهم، وذلك حتى النصف الثاني من القرن الثامن عشر، حيث أصدرت الدولة العثمانية التي حكمت بلادنا ذلك الوقت قانون الطابو والذي بدوره عمل على تصنيف جديد لأنواع واستخدامات الأراضي، كما تم إنشاء المجالس البلدية والقروية لتتولى الأمور التنظيمية والإدارية للبلدات الفلسطينية، وقد استمر ذلك حتى أواخر القرن التاسع عشر(3)، ومع بداية الاحتلال البريطاني عام 1917م، تم استحداث نظام جديد وسمي نظام الهيئات المحلية، وفي عام 1934م، تم وضع قانون جديد للبلديات ألغى القانون العثماني ومنح المندوب السامي سلطات مطلقة فيما يتعلق بحل البلديات وتغيير حدودها وتعيين الرؤساء وتصديق الموازنات(4). بعد انتهاء الانتداب البريطاني في عام 1948م، تم تقسيم فلسطين إلى ثلاثة مناطق إدارية (ما يعرف بإسرائيل، الضفة الغربية وقطاع غزة) وخضع كل منها لهيئات سياسية وقوانين تنظيم وبناء مختلفة، فكانت المنطقة التي أقيمت بها "إسرائيل" تشكل حوالي 70% من مساحة فلسطين الانتدابية وأدارتها حكومة جديدة ذات سيادة لإصدار القوانين وإعداد الخطط التنموية وفقا لاحتياجاتها، أما الضفة الغربية فخضعت للسيادة الأردنية التي أصدرت قانون تنظيم وأبنية معدل رقم 79 لعام 1966(4). بعد احتلال "إسرائيل" للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967م أقامت هياكل تخطيطية تابعة لمؤسساتها، وعدلت قوانين التخطيط بموجب أوامر عسكرية لتعزيز الضبط والرقابة الإسرائيلية على التطور العمراني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما شهدت تلك الفترة هجرة سكانية كبيرة من المدن والقرى الفلسطينية إلى الخارج، وكانت مشاركة الفلسطينيين في مؤسسات التخطيط محدودة خلال هذه الفترة، ولم تكن لهم سلطة حقيقية على إدارة التخطيط حتى استلام السلطة الوطنية الفلسطينية، حيث بدأت المشاركة الفلسطينية الفعلية في إعداد المخططات الهيكلية في منتصف الثمانينات لبعض المدن والقرى الفلسطينية(4). كما نرى فإن المناطق الحضرية الفلسطينية نتاج أحداث تاريخية وانعطافات سياسية مُختلفة عملت على تشكيلها لتصل إلى صورتها الحالية، فالتفاعل بين المجتمع والمكان والأحداث التاريخية هو ما منح كل بلدة فلسطينية طابعها الخاص وهويتها المميزة، وقد أدت هذه التفاعلات المختلفة التي تزامن معها توسع عمراني خارج مراكز القرى الى تأثيرات مباشرة وتغيرات في النسيج العمراني والحضري للنواة الحضرية الأولى التي شكلت هذه التجمعات، فتغيرت أنماط حياة سكان القرى، مما رافقه تغير في تطلعاتهم واحتياجاتهم، الأمر الذي انعكس على البيئة المبنية والحضرية في هذه القرى، وقد اختلفت درجة تأثر القرى عن بعضها بالتغيرات التي حصلت، فبعض هذه التجمعات اندثرت ولم يبقى منها إلا أطلالها مثل قرية خان الدوير وقرية دير سنيد، وبعضها شاءت الظروف أن يتوسع ليتحول إلى مركز حضري مهم، والبعض الاخر من القرى باتت مهددة باندثار ملامحها وبيوتها التي بُنيت من الحجر الغشيم والشيد، لتحل مكانها مباني خرسانية بتصاميم مستوردة تخلو من ارتباط حقيقي بسياق المكان وروحه. وبالرجوع إلى نشأة القرى الفلسطينية نجد أن مفهوم التخطيط الحضري وتخطيط المدن بشكله الحديث لم يكن موجودا عند تأسيسها، اذ لم تنظم عملية العمران وفق قوانين وتشريعات بل اعتمدت على أعراف اجتماعية غير مكتوبة شكلت نوعا من الاحكام العرفية بين السكان، فقام المزارعين بإنشاء القرى بما يتناسب مع احتياجاتهم ويلائم حياتهم اليومية وبما يتوفر لديهم من إمكانيات ومواد في ذلك الوقت، مما أنتج تجمعات حضرية عضوية متناغمة مع الطبيعة المحيطة ومتوافقة مع طبيعة الحياة اليومية التي عاشها المزارع(1)، وكما أسلفنا فقد مرت القرى بالعديد من الأحداث المفصلية التي أدت الى تغيرات جوهرية في التركيبة العمرانية والبنية الحضرية لها، فبمرور الوقت اختلفت التركيبة الاجتماعية للسكان كما تغيرت القوانين والتشريعات المتعلقة بالبناء وظهرت أنوع مواد وتقنيات جديدة للبناء وازدات الكثافة السكانية لهذه القرى، وقد أدت هذه العوامل وغيرها مما سوف نستعرضه لاحقا إلى توسع رقعة البناء خارج النواة الأولى للقرى، فعند زيارة أي قرية فلسطينية بالوقت الحالي يمكن ملاحظة التضارب الحاد بين البناء الحديث الذي يمتد خارج مركز القرية التاريخي وبين طراز أبنية المركز الحجرية، وهنا تبرز أهمية هذه الدراسة في البحث واستكشاف التغيرات الحضرية المختلفة التي شهدتها القرى الفلسطينية، ودراسة التوسعات الحاصلة خارج حدود المراكز التاريخية لهذه القرى. وللوصول إلى فهم واضح بناءً على معطيات ثابتة بشأن التغيرات التي طرأت على مراكز القرى والبلدات فلا بد من دراسة عينة بحد ذاتها، حيث تم اختيار قرية بديا لتكون الحالة الدراسية هنا، إذ تعتبر القرية نموذجاً حياً للقرى الفلسطينية التي شهد نسيجها الحضري والعمراني العديد من التغيرات، وقد أجرى صندوق استكشاف فلسطين الغربية مسحاً للبلدة عام 1882م ووصفها بأنها " قرية متوسطة الحجم، منازلها من الحجر، تحيط بها بساتين جميلة من أشجار الزيتون القديمة الجميلة، ومن الواضح أنها موقع قديم " وبهذا الوصف يمكن التوصل الى أن القرية كانت كباقي القرى الفلسطينية الريفية يعتمد سكانها على الزراعة في حياتهم، كما كانت تشتهر بإنتاج زيت الزيتون وقد تمت تسميتها بديا نسبة الى "البَد" وهي مكان عصر الزيتون وفي هذا أشاره على كثرة أشجار الزيتون فيها(5). وكباقي القرى والبلدات الفلسطينية شهدت بديا في العقود الأخيرة العديد من الأحداث التي أدت إلى تغيرات جذرية في شكلها الحضري، فعند زيارة بديا بالوقت الحالي يمكن مشاهدة الأبنية والمجمعات التجارية المرتفعة التي غزت الشارع الرئيسي للقرية، لتخفي خلفها مركز القرية القديم وأبنيته الحجرية العريقة. تسعى الدراسة إلى استقصاء التغيرات الحضرية المختلفة التي شهدتها القرى الفلسطينية بشكل عام وبلدة بديا بشكل خاص وتحليل انعكاساتها على المراكز التاريخية، وتأثير هذه التغيرات على التراث الثقافي، كما تهدف الدراسة إلى تقديم فهم عميق للمشكلات الناجمة عن التوسع الحضري العشوائي الحاصل في القرى، واقتراح حلول مستدامة للمحافظة على الهوية الثقافية والتراث المعماري، كما تقوم الدراسة بتحليل التكوين المعماري لمركز بلدة بديا ودراسة الفراغات الحضرية العامة فيها للوصول إلى تصور تخطيطي واضح لأهم الفراغات والفضاءات المكونة لهذا المركز وطريقة توزيعها، بهدف الوصول إلى نموذج تخطيطي واستراتيجيات فعّالة لتطوير هذا المركز وتعزيز دور الفضاءات والفراغات المعمارية في البلدة التاريخية مما ينعكس إيجابياً على سكانها ومُستخدميها ويحافظ على مورثها الثقافي. 1.2 مشكلة وفرضيات الدراسة تزامن مع الاحداث المتعاقبة على بلادنا تغيرات جذرية بالمشهد الحضري لكافة التجمعات، كما تعرض النسيج العمراني للمراكز التاريخية في هذه التجمعات الى سلسلة من التغيرات أدت إلى تراجع أهميتها وبدأت تفقد ملامحها مع مرور الوقت. فعند التجول في المراكز التاريخية للقرى يمكن مشاهدة التشوهات العمرانية الحاصلة والتضارب الصارخ بين طابع المباني التقليدية والمباني الخرسانية الحديثة، كما يمكن ملاحظة الإهمال وقلة الخدمات الذي أدى الى فقدان هذه المراكز القيمة الثقافية والتاريخية التي تحملها، حيث تعرض نسيجها العمراني إلى العديد من التدخلات التي أدت إلى تشويه شكله، كما أدى إهمال هذه المراكز الى تراجع أهميتها المجتمعية والثقافية، وتم هدم العديد من معالمها المميزة واستبدالها بمباني حديثة مجهولة الطابع والهوية. وفي الوقت الراهن واثناء اعداد هذه الرسالة شهد الريف الفلسطيني مرحلة جديدة من التحديات عقب احداث السابع من أكتوبر، فأدت الاغلاقات المتكررة للطرق التي تربط البلدات ببعضها الى عزلها عن محيطها الجغرافي، وارت بشكل مباشر وملموس في حركة السكان وانشطتهم المختلفة، كما ازدادت معدلات سرقة واحتلال الأراضي المحيطة بالقرى والبلدات الامر الذي أدى الى تقيد إمكانية التوسع العمراني المستقبلي، ليجد أبناء الريف أنفسهم امام واقع غير مستقر ومستقبل مجهول. اما بالنسبة لقرية بديا فقد تعرضت إلى تغيرات جذرية في وقت قصير حيث تحولت من قرية ريفية يعتمد سكانها على الزراعة إلى مركز حضري مهم في المنطقة ونقطة جذب تجاري وصناعي، كانت هذه التغيرات غير خاضعة لتخطيط مسبق أو تنظيم مما أدى الى تشوه في النسيج الحضري والعمراني للقرية بشكل عام ومركزها التاريخي بشكل خاص وهذا ما سوف يتم التعمق فيه أكثر خلال الدراسة وذلك لمعرفة تأثير النمو السريع والعشوائي على البلدة بشكل عام وعلى مركزها التاريخي بشكل خاص. كما أدى غياب مؤسسات التخطيط الذي يديره الفلسطينيين أنفسهم لفترات طويلة إلى عشوائية في استخدامات الأراضي وتوسع غير مدروس خارج المراكز التاريخية، الأمر الذي أنتج العديد من المشاكل مثل الاختناقات المرورية المستمرة التي تظهر في الشوارع الرئيسية والتوسع العمراني على حساب الأراضي الزراعية، كما أصبح هذه التوسع يهدد الهوية الثقافية للبلدة القديمة ويعتدي على المظاهر العمرانية فيها، ويظهر هذا الاعتداء بشكل واضح على أطراف المركز التاريخي حيث أماكن الالتقاء بين المناطق القديمة والمناطق الحديثة المحيطة بها. رغم العديد من المشاكل العمرانية والتحديات الحضرية والإهمال الذي تعرضت له مراكز القرى التاريخية إلا أنه ما زال يمكن الحفاظ على نسيجها العمراني وما تحتويه من ميزات تخطيطية وعمرانية، يمكن للزائر مشاهدتها عند زيارة أي قرية فلسطينية في الوقت الحاضر، متمثلة بالبيوت الحجرية القديمة ذات القباب والأقواس، كما تعتبر هذه المراكز حاضنة للتقاليد والعادات التي توارثتها الأجيال مما يجعلها رمزاً حياً للهوية الثقافية والموروث الحضاري والذي نسعى من خلال هذه الدراسة للمحافظة عليه. 1.3 أهمية وأهداف الدراسة تنبع أهمية الدراسة من الأهمية الثقافية والتاريخية التي تشكلها المراكز التاريخية في قرانا الفلسطينية، اذ تختزن هذه المراكز تاريخ وتراث المنطقة وتحتوي على إرث معماري غني بمفرداته وتفاصليه، حيث نسعى في هذه الدراسة إلى المحافظة على التراث والهوية الثقافية للمراكز التاريخية من خلال دراسة تأثير المراحل المختلفة من التغيرات التي حصلت فيها وانعكاسها على نسيجها العمراني، وتطوير استراتيجيات من شأنها المحافظة على الهوية الثقافية لمراكز القرى بشكل عام ومركز بديا بشكل خاص، ومحاولة توثيق ما تبقى من النسيج العمراني وأهم المعالم والفضاءات التي شكلت المركز التاريخي لبديا، للوصول إلى فهم شامل بواقعها الحضري الحالي والعمل على تحسينه. كما تهدف الدراسة إلى تقديم فهم عميق للمشكلات الناجمة عن التوسع الحضري العشوائي الحاصل في مراكز القرى بشكل عام وقرية بديا بشكل خاص عن طريق تحليل ودراسة تكوين النسيج العمراني لمركز القرية وطرق توزيع الفراغات والفضاءات الحضرية والمعمارية مثل الساحات العامة والمساجد والدواوين وغيرها من الفراغات التي شكلت جوهر النسيج العمراني لهذا المركز وذلك لمعرفة مدى تأثر هذا النسيج بالتطور الحاصل في البلدة واقتراح حلول مستدامة للمحافظة على الهوية الثقافية والتراث المعماري للبلدة. 1.4 منهجية الدراسة يمكن تقسيم عملية البحث إلى أربعة مراحل كالتالي: 1- جمع المعلومات والبيانات النظرية تضمنت المرحلة الأولى من الدراسة جمع المعلومات المختلفة المتعلقة بموضوع الدراسة، إذ تم الاعتماد على المنهج التاريخي في جمع المعلومات التي تطرقت إلى المواضيع التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية والديموغرافية وغيرها من المواضيع التي تبحث في أصل نشأة القرى الفلسطينية وطريقة تطورها عبر المراحل المختلفة، وقد تم الحصول على المعلومات في هذه المرحلة من الكتب والمراجع والدراسات المتوفرة في الدوائر الرسمية والمؤسسات العامة والخاصة والتي تم ذكرها في قائمة المراجع. كما تم الرجوع والاستفادة من بعض الدراسات السابقة التي بحثت في هذا السياق مثل: 1- واقع واحتياجات قرى المشاريق – 2012. سعت الدراسة الى تشخيص الواقع الاقتصادي والاجتماعي لتجمعات قرى المشاريق في الضفة الغربية والتعرف على أهم الموارد والإمكانيات والمعطيات والفرص المطلوبة لتطوير التجمعات المستهدفة ودعم صمود أهلها، تم توثيق مخاطر وتهديدات الاستيطان للقرى العشرة كما تم تسجيل معلومات احصائية مثل عدد السكان والمساحة الكلية للأراضي وحالة البنية التحتية من شبكة مياه و كهرباء وصرف صحي ونفايات صلبة ومؤشرات سوق العمل والتعليم والمؤشرات الصحية. كان الهدف من تلخيص مقومات الحياة الرئيسية للتجمعات العشرة هو التوصل الى أهم الاحتياجات الطارئة لكل تجمع بالمستويات المختلفة، وكانت محافظة سلفيت من هذه التجمعات العشرة وهو ما ساعد في فهم واقع واحتياجات المحافظة التي تتبع لها قرية بديا بشكل أعمق، وفهم واقع باقي التجمعات الحضرية الفلسطينية المذكورة في الدراسة. 2- "How Community Engagement Approach Enhances Heritage Conservation: Two Case Studies on Sustainable Urban Development in Historic Cairo". -2023(6) ركزت الدراسة على دور المشاركة المجتمعية في تحقيق تنمية حضرية مستدامة في المواقع التاريخية والتراثية من خلال دراسة وتحليل حالتين في القاهرة التاريخية هما درب العقبة وسوق السلاح، وقد اعتمدت الدراسة على منهج البحث النوعي والذي بدأ بمراجعة الادبيات ثم تحليل البيانات التي تم جمعها ميدانيا، وقد خلصت الدراسة الى أن اشراك افراد المجتمع في اعمال حماية التراث واشراكهم في عملية اتخاذ قرارات التخطيط عملت على زيادة الشعور بالمسؤولية المجتمعية بأهمية التراث مما أدى الى نجاح مشروع الترميم. وضحت الدراسة أهمية اشراك المجتمع في احياء وترميم المراكز التاريخية وطرق اشراك المجتمع في هذه العملية مما أضاف للبحث معرفة موسعة في هذا المجال والتي تم تطبيقها في التوصيات التي تم ادراجها في هذا البحث. 3- إحياء وتطوير مركز ديراستيا التاريخي كحالة دراسية لقرى الكراسي في فلسطين – 2008. قامت الدراسة بتسليط الضوء على التكوين المعماري للمراكز التاريخية لقرى الكراسي بشكل خاص، وذلك من خلال دراسة المركز التاريخي لبلدة ديراستيا وما يعانيه من مشاكل ودراسة أهم المقومات المتوفرة للوصول إلى مقترح لخط سير سياحي يؤدي الى الحفاظ على المركز التاريخي وتحسين الوضع الاقتصادي للسكان. 4- " A Heritage-Based Method to Urban Regeneration in Developing Countries: The Case Study of Luanda" -2019(7) استعرضت الدراسة منهج لتجديد وتحسين المراكز الحضرية في الدول النامية، مع استعراض لحالة دراسية لمدينة لواندا (أنغولا)، وقد اشتمل المنهج ثلاث مراحل رئيسية: التوثيق والتصنيف للمباني والمواقع الاثرية، وتحديد الأهمية بناء على معايير تاريخية رمزية ووظيفية، ثم تحديد التدخلات المعمارية اللازمة، وقد تناولت الدراسة مفهوم التراث العمراني ككتله العمران مرتبطة بمحيطها الحضري، وأن أي تحسين في هذه الكتلة العمرانية يؤدي الى تحسين محيطها وبالتالي الى تحسين على مستوى أوسع، كما ركزت الدراسة على الربط بين الخدمات و التراث لتقوية الهوية المحلية. وقد خلصت الدراسة الى حفظ التراث وترميمه ليس قط عملية حفاظ على المباني انما يمكن ان تتحول هذه المراكز الى محركات اقتصادية واجتماعية مهمة بالنسبة لمحيطها، وقد استلهمت فكرة والطرق التي اقترحتها الدراسة في دمج المراكز مع محيطها بما يضمن تنمية للبلدة ككل. 2- المسح الميداني وجمع المعلومات من الموقع عند تحليل الحالة الدراسة تم الحصول على المعلومات بالاعتماد على التحليل البصري والملاحظة المباشرة والتصوير الفتوغرافي واجراء المُسوحات والمخططات، كما تم اللجوء إلى المسوحات التي أجرتها البلدية والمخططات الهيكلية والصور الجوية المتوفرة على المواقع الإلكترونية الحكومية والمؤسسات الخاصة، كما تضمنت هذه المرحلة اجراء المقابلات الشخصية مع السكان والمختصين في القطاعين العام والخاص، إذ تم استخدام المنهج الوصفي التحليلي في هذه المرحلة. 3- مرحلة دراسة المعلومات وتحليلها أشتمل العمل في هذه المرحلة على تنظيم وتوثيق المعلومات التي تم الحصول عليها في المرحلتين السابقتين، ليتم تحليلها واستخلاص المعلومات اللازمة لموضوع الدراسة وبما يحقق الأهداف المرجوة منها، كما تم الوصول إلى معرفة معمقة بالنسيج العمراني لمراكز القرى ومكونات البيئة المبنية وخصائصها التصميمية وتحديد نقاط القوة والضعف لهذا النسيج خلال المراحل المختلفة التي تضمنت تغيرات جذرية فيه. 4- التوصل للنتائج ووضع التوصيات تضمنت المرحلة الأخيرة من الدراسة استخلاص نتائج المعلومات التي تم التوصل إليها في المراحل السابقة واقتراح بعض الاستراتيجيات والتوصيات اللازمة لتنمية المراكز، وتوجيه النمو العمراني بطريقة تنموية منظمة تساعد في تحسين النسيج الحضري والعمراني للقرى بشكل عام ومراكزها بشكل خاص. نستعرض في الفصل التالي من الدراسة طبيعة نشأة القرية الفلسطينية، وطريقة تطورها العمراني، بدءًا من تشكلها كتجمعات سكنية متراصة، مروراً بتحليل العوامل الطبوغرافية التي حددت مواقعها، وصولا إلى تحليل الفراغات المعمارية والتكوين الحضري الذي يعكس نمط حياة السكان وتفاعلهم مع البيئة المحيطة التي شكلت نسيجها العمراني، سعيا لفهم جذور التوسع الحالي والتغيرات التي طرأت على نسيجها العمراني. الفصل الثاني نشأة وتكوين القرية الفلسطينية وتوسعها الحضري 2.1 السياق التاريخي والجغرافي لنشأة القرية الفلسطينية إن عملية اختيار مواقع التجمعات السكانية لم تكن عملية عشوائية عبر العصور، بل كانت نتاج تفاعل عميق بين الإنسان والبيئة المحيطة، فالبيئة توفر الاختيارات المكانية ويختار الإنسان منها ما يُلائم حاجاته، فشكلت الحاجة إلى الأمان واستغلال الموارد الطبيعية والارتباط مع طرق المواصلات أساسًا في تحديد مواقع التجمعات الحضرية الريفية في العالم أجمع (1). كان للطرق التجارية دور كبير في تحديد مواقع التجمعات في بلادنا، فقد تميزت فلسطين بموقعها الجغرافي كحلقة وصل بين قارتي آسيا وإفريقيا، إذ أنها تمد على طول شاطئ البحر المتوسط الزاخر بالحضارات، كما شكلت فلسطين معبرًا استراتيجيًا نحو شرق آسيا والهند حيث ازدهرت تجارة التوابل والحرير(8)، وبسبب هذا الموقع فقد مر في بلادنا أحد أقدم الطرق التجارية في منطقة الشرق الأوسط والذي يعود تاريخه إلى بدايات العصر البرونزي، وقد أطلق علية اِسم "Via Maris" ويعني طريق البحر إذ يوازي هذا الطريق البحر في معظم أجزائه، كان هذا الطريق يربط بين مصر وبلاد الرافدين سوريا والعراق، كما هو موضح بالشكل( أ ) في ملحق الدراسة، وقد أختلف تأثر مواقع القرى والتجمعات الفلسطينية بهذا الطريق، فبعضها أقيم بالقرب منه لتشكل حامية له، والبعض الاخر من القرى أقيمت وسط سفوح الجبال مبتعدة عن مسارات خطوط المواصلات الرئيسية خشية التعرض للهجمات الخارجية ورغبة في تحقيق الأمن للسكان(9)، ويتجلى هذا المثال في جبال القدس حيث تنتشر القرى على السفوح. كما أقيمت بعض القرى على قمم الجبال بحثا عن الأمان ايضا، إذ وفرت هذا الأماكن إمكانية مراقبة الأراضي الزراعية التي كانت على سفح الجبل تحتها، كما أتاحت لهم امكانية اكتشاف أية هجوم مما أعطاها ميزات دفاعية، الأمر الذي جعلها مراكز جذب للسكان الاخرين كونها تمثل ملاذ امن، نتيجة لذلك كان معدل نمو هذه القرى سريعا من حيث المساحة وعدد السكان، وقد وفرت هذه المواقع مساحات كبيرة للزراعة بعيداً عن المستنقعات وأخطار الفيضانات التي تجتاح السهول في مواسم الأمطار، كما سمحت للهواء امكانية الدخول إلى البيوت والازقة، مما ساهم في تحسين جودة الحياة، إلى جانب ذلك وفرت هذه المواقع قاعدة صلبة من الصخور استخدمها القرويين أساسا متينا لبناء بيوتهم عليها، وكمادة بناء قوية شكلوا بها منازلهم(9). كما نشأت بعض قرى بلادنا في الوديان، وقد وفرت هذه الطبوغرافية المنخفضة ميزة مهمة للسكان، إذ تتكون الوديان في بلادنا من التقاء طبقتين صخريتين مختلفتين، الأولى عبارة عن صخر قاسي صلب استعمله القرويون للبناء، أما الطبقة الثانية فهي صخر رخو يقطع ليلصق الحجر الأول كبديل عن الاسمنت اليوم، كما أتاح هذا الصخر امكانية حفر الابار، فهو صخر يكاد يخلو من الشقوق التي يتسرب الماء منها فلا حاجة لمعالجته بالقصارة(10)، وقد اتخذت بعض القرى من هذه الوديان اسم لها مثل وادي الحوارث شمال طولكرم ووادي فوكين غرب بيت لحم. شكلت مصادر المياه ركيزة أساسية لجذب الإنسان وتكوين المناطق الحضرية على مر العصور، فكثرت القرى المقامة فوق العيون في بلادنا رغم أن هذا الاختيار كان يتعارض أحيانا مع الاعتبارات الاستراتيجية، إلا أن أولوية الماء لدى الفلاح كانت تفرض نفسها، حيث يشرب ويسقي دوابه ويروي أرضة حتى لو استدعى الأمر مواجهة بعض التحديات البيئية أو الجغرافية(10)، حيث تتغلب الحاجة للبقاء على أي اعتبارات أخرى، وحيث أن بلادنا غنية بعيون المياه التي تقع اغلبها على السفوح الدنيا من الجبال فقد ادرك الفلاح خطر تدفق هذه العيون في الشتاء، فقام بالتوطن فوق العين مبتعدا بذلك عن المياه المتدفقة بغزارة في فصل الشتاء والربيع، تاركاً مساحة الارض تحت العين للزراعة، وقد أقام الفلاح في تلك المناطق المدرجات الحجرية بحيث يحافظ على التراب خلفها مُستغلاً بذلك كل شبر من الأرض، وقد تمت تسمية بعض قرانا باسم العيون، مثل عين عريك غرب رام الله، وعين سينيا وعين قينة شمال رام الله وعين منسى وعين حوض المهجرات وعين ماهل. كما تجدر الاشارة إلى وجود أنماط أخرى من القرى التي اختلفت في نشأتها مثل الخرب التي أقيمت فوق أو بجانب أنقاض مواقع أثرية قديمة سواء كنعانية أو رومانية، والعِزب التي نشأت كتجمعات سكنية صغيرة وسط الأراضي الزراعية أو في أطرافها(9). إن قرى ومدن الجبل في بلادنا كانت أكبر حجما وأكثر سكانا وعددا من قرى السهل، واستمر هذا إلى غاية مطلع القرن الماضي فانقلبت الموازين لتصبح مدن وقرى السهل أكثر كثافة خاصة في المناطق الساحلية، ويعود السبب في هذا إلى الازدهار التجاري الذي بلغته التجمعات الحضرية على ساحل المتوسط، بعد أن تطورت وسائل النقل البحرية وفتحت الموانئ، وانفتحت بلادنا على العالم تصديرا واستيرادا، فتحولت مدن الساحل إلى نقاط جذب للمزارعين الذين قاموا ببناء التجمعات الجديدة حول خطوط المواصلات وحول المدن الساحلية التي أخذت تعمر بالسكان(9). نستنتج بهذا أن العوامل الطبوغرافية إلى جانب الاحتياجات الاجتماعية والأمنية وطرق المواصلات لعبت دورا حاسماً في تحديد مواقع القرى في بلادنا، وقد يكون موقع أية قرية قد تأثر بعامل واحد أو بمجموعة من العوامل مجتمعة، ومن المهم الاشارة إلى أن معايير اختيار الموقع التي كانت تعتبر ايجابية في الماضي فقدت أهميتها كعوامل اختيار مواقع للتجمعات الحضرية الحديثة، فبدخولنا خضم الثورة الصناعية بالعصر الحديث أصبح هناك تغير جذري في أسلوب الحياة، فلم يعد وجود الينابيع ضرورياً لتحديد الموقع، حيث أصبحت أنابيب المياه تعمل على نقل الماء بطريقة أكثر فاعلية، كما أن الأساس الصخري لم يعد عنصرًا حاسمًا للبناء حيث تولت الات الحفر هذه العملية ووفرت إمكانية الوصول الى أعماق كبيرة، كما حلت الخرسانة محل المواد التقليدية التي كانت تعتمد على نوعية الصخور في اختيار الموقع. 2.2 شكل القرية تسمى القرى الريفية في فلسطين تبعا لطريقة تشكيلها بالقرية النواة، فقد بدأت كل قرية بنواة أو مركز توسعت حوله مع الزمن تبعا للظروف السياسية والاجتماعية والأمنية والاقتصادية، ومن خلال مشاهدة النسيج العمراني للمراكز التاريخية في قرانا يمكن ملاحظة تلاصق البيوت مع بعضها البعض، ويعزى ذلك لغياب سيطرة الحكم المركزي المتمثلة بتنفيذ القانون والأمن غير المستتب الذي كان عند بداية نشأة القرى، فَبُنيت البيوت بشكل متراص قريبة من بعضها البعض لتوفير شعور الأمان وحماية السكان من أي اعتداء خارجي، وإذا أضفنا العامل الاجتماعي المُرتكز على الحمولة، فإن الشكل الفيزيائي المتأثر بهذه العوامل جعل نواة القرية تبدو وكأنها كتل من المباني لا يفصلها سوى زقاق هنا أو هناك، حيث يسكن الكتلة الواحدة مجموعة بشرية تنتمي إلى أب واحد، والتي نطلق عليها اسم الحمولة(9). أنعكس تراص بيوت القرية وقربها من بعضها على طبيعة الحياة الاجتماعية فيها، حيث تكونت علاقات اجتماعية وثيقة لدى السكان مبنية على أُسس تشاركية وتعاونية، فعندما يتأخر أحدهم في جمع محصوله يعاونه جيرانه، وقد قيل فزعوا له أو هو بحاجة إلى "عونه" وفي حالة مرض أحدهم أو أصيب بأذى أجتمع الأقارب والاصدقاء ليعوضوا غيابة كما تَمَيز سكان القرى بارتباط وثيق بأرضهم يفوق في قوته حتى انسجامهم مع البُعد الديني، وقد نشأ هذا الارتباط نتيجة علاقتهم اليومية بالأرض عبر الزراعة والحصاد والتفاعل المستمر معها، والبُعد النفعي الذي ينطوي على اعتبار أن الأرض مصدراً أساسياً للعيش والرزق عند الفلاح، وقد ساهم هذا التفاعل في تشكيل الهوية الريفية وتعزيز استمرارية وجودها(9). من خلال تقصي مواقع القرى يتبين أنها تتوسط الأراضي الزراعية، التي اعتبرت الامتداد الطبيعي ومثلت أماكن الإنتاج بالنسبة للسكان، وقد انعكس أسلوب حياة السكان على شكل قراهم، فكانت هذه القرى تتسم بالتخطيط العضوي غير المنتظم حيث تنمو القرى بشكل تدريجي وفقا للاحتياجات دون تخطيط مسبق، مما أدى إلى تشكُل نسيج عمراني غير منتظم يتماشى مع تضاريس الأرض، ويتجلى هذا التشكيل العضوي من خلال شبكة الشوارع والأزقة المتعرجة، كما هو موضح بالشكل رقم 1. توسعت مساحة النواة على مر الزمن إذ تكاثر سكانها، كما استقبلت القرى أفرادا وجماعات لجأوا إليها لأسباب اجتماعية أو سياسية، وبعد وصول مثل هؤلاء أعطيت لهم أمكانية السكن حول النواة، وإذا تتبعنا تاريخ قدوم الحمائل الى القرى، نجد أن الحمولة الأقدم هي التي سكنت وما زالت تسكن مركز النواة، وأنه كلما ابتعدنا عن مركز النواة كان ساكنو هذه المناطق أكثر بُعداً في تاريخ قدومهم إلى القرية(9). الشكل 1 شكل القرية المصدر: الباحث 2.3 المكونات العمرانية التي شكلت القرى تشابهت القرى الفلسطينية في تكوينها المادي كما تشابهت في تكوينها الوظيفي، فالمباني السكنية تزدحم في المركز مُشَكلة نواة القرية، وتبدأ هذه المباني بالابتعاد عن بعضها كلما ابتعدت عن المركز، كما تُشكل شبكة الأزقة الضيقة شرايين الحركة الرئيسية فيها، وتتحوط هذه النواة الأراضي الزراعية التي تمثل الإنتاج ومخزون القرية من الأراضي التي تستخدم للتوسع العمراني. إن نسيج القرية الفيزيائي ومكوناتها المادية ما هي إلا انعكاس لأسلوب حياة الفلاحين وتفاعلهم مع البيئة والموارد المتاحة، فلم تختلف قرية عن اخرى إلا بالتفاصيل، فالظروف المادية والاجتماعية والسياسية وحتى وسائل الإنتاج وهيكل الحمولة الممتدة متشابهة، وعند تحليل التكوين الحضري للقرية نجد أن نواة القرية تشكلت بشكل أساسي من عدد من الحارات، وقد اشتقت أسماء هذه الحارات من أسماء الحمائل أو الطوائف الدينية التي سكنتها، كما سُمّيت بعض هذه الحارات بأسماء الجهات التي تقع فيها فكثيراً ما نسمع الحارة الشرقية أو الغربية أو القبلية، كما كان للنباتات المنتشرة في الحارة نصيب من التسمية، وقد أنعكس البعد الاجتماعي والثقافي لدى السكان على تلك الحارات، فكانت الحارات مغلقة إلى حد كبير في وجه سكان الحارات الأخرى وكأنها وحدة اجتماعية مغلقة، حيث أن سكان الحارة الواحدة تشاركوا بالعديد من الأنشطة الاجتماعية الخاصة بهم، مما أدى الى تشكل نوع من الالتزام والتكافل بين سكان الحارة تجاه بعضهم يشبه التزام أبناء الحمولة ببعضهم أو التزام أبناء الطائفة الدينية الواحدة(9). لاحقا وبعد الثورة الديموغرافية التي حصلت مع بداية القرن العشرين، ازداد عدد السكان في القرية بشكل كبير مما أدى إلى اضطرار العديد للخروج من النواة الأولى للقرية حيث يملكون أراضي أو يمكنهم شرائها مما أدى الى نشوء أحياء جديدة امتزج فيها ابناء الحارات والحمائل معا، لتتلاشى صورة الحارة القديمة المغلقة على نفسها شيئا فشيئا، فقد فرضت الحاجة للتوسع نفسها على الأنسان دون اعتبار لطائفة او حمولة، مما أدى إلى تشكيل نسيج اجتماعي جديد حيث أصبحت هناك علاقات اجتماعية جديدة تعتمد على التشاركية بين أبناء الحي الجديد. وقد تشكل النسيج العمراني للحارات من مجموعة من الفراغات والأبنية العامة والخاصة التي تفصلها أزقة متعرجة، ويمكن تقسيم هذه الفراغات والأبنية على النحو التالي: 2.3.1 فراغات عامة مثلت الفراغات العامة في القرى الفلسطينية جزءا حيويا من النسيج المعماري والثقافي فيها، حيث أدى نمط الحياة التعاوني عند الفلاحين الى نشوء العديد من الفضاءات التي التقى فيها ابناء القرية، ولم تقتصر هذه الفراغات على دورها المعماري فحسب بل شكلت فراغات تَفاعُل اجتماعي وَتَبادل ثقافي ومعرفي، وقد تفاوتت هذه الفراغات في أهميتها ووظائفها حسب طبيعة المجتمع القروي وتقاليده، وَنذكر من أبرز هذه الأماكن التي التقى فيها أبناء القرية: 1- الساحات العامة تشكلت بعض الساحات في قُرانا من خِلال عَملية عُضوية غير مخطط لها، فَتحولت في بعض الأحيان نقاط التقاء الأزقة مع بعضها أو مع مناطق غير صالحة للبناء إلى ساحات عامة بفعل الاستخدام الجماعي المتكرر، كما تشكلت الساحات في أحيان أُخرى في مركز القرية أو قرب الأماكن الحيوية مِثل المسجد أو الديوان، لتشكل نقطة التقاء للسكان ومكان لِتجمعهم في المناسبات المختلفة من اشهار زَاوج أو فض النزاعات، كما استخدمت هذهِ الساحات في بعض الأحيان كسوق يعرض فيه الباعة بضائعهم. 2- البيدر تعد البيادر أماكن أخرى التقى فيها سكان القرى، ومكون أخر من المكونات الفيزيائية للقرى، والبَيدر هو أرض مستوية مفتوحة للهواء الطلق يتم جمع الحبوب فيها أيام حصادها تمهيداً لفصل الحبوب عن سنابلها، وتمتاز مواقع البيادر بأنها مرتفعة وفسيحة حتى تساعد الرياح في عَملية تذرية الحبوب أي فصل القشرة الخارجية وإزالة الشوائب عن الحبوب، يمكن النظر إلى الصورة (ب) في الملحق، وبعد دخولنا في عصر الالة اختفت البيادر لتحِل مكانها المطاحن الحديثة والتركتورات. 3- السوق في بعض القرى كان هناك يوم السوق، ويوم السوق هو يوم لقاء كبير حَيثُ يَجتمع فيه السكان ليعرضوا ما أنتجوا من محاصيلهم أو حيواناتهم ليقوموا ببيعها، متعلمين أنماط جديدة من العمل من خلال تبادل الآراء حول منتجاتهم وأعمالهم، وجرت العادة ان يعقد السوق في يوم محدد من الاسبوع في مكان معين، ويعقد في مكان اخر في يوم اخر، مثل سوق الاربعاء وسوق الخميس وهكذا، وقد اختارت هذه الاسواق اماكن متوسطة بالنسبة للقرية يسهل الوصول إليها مثل الساحات التي تم الاشارة اليها سابقا. 4- طرق القرية عند التجول في المراكز التاريخية لقرانا يمكن ملاحظة عدة مستويات لشبكة الطرق فيها، وقد شكلت هذه الطرق حلقة وصل بين المركز السكني للقرية والأرض الزراعية والعالم الخارجي، ويمكن تصنيف الطرق تبعا للوظيفة التي أدتها الى ثلاث مستويات كالتالي: 1- الأزقة تشكلت الأزقة في القرى الفلسطينية عفويا بلا تخطيط حيث لاحقت البيوت المبنية وسايرت طبوغرافية القرية جبلية كانت أم في السفوح أو على كتف الواد، إذ يمكن وصفها أنها عضوية ذات شكل ملتوي، كما كان للمناخ الشرق أوسطي دور في التواء هذه الازقة، حيث الصيف طويل والجفاف فيه شديد والرياح تثير الأغبرة فتتعرض الخضراوات والفواكه للذبول، فعملت الشوارع الملتوية على الحماية من درجات الحرارة المرتفعة والغبار، أما عرض هذه الأزقة فقد تأثر بوسائل النقل المستخدمة، فكان يحدد عرضها بما يسمح لمرور دابة او دابتان محملتان فيها(9)، الصورة (ج) في الملحق توضح هذه الأزقة. وحيث أن ملكية هذه الطرق في الماضي كانت تعود للساكنين أي القطاع الخاص، فقد ظهرت بعض المشكلات فيها فلم تعرف هذه الأزقة مفهوم جمع القمامة كما نعرفه اليوم، فكانت النفايات من خضار وفواكه وغيرها ترمى في بعض الأحيان إلى الزقاق بلا رقيب أو عامل نظافة يجمعها، كما كان الوحل يغطيها شتاء حيث يمكن رؤية انخفاض مستوى الكثير من مداخل البيوت في المراكز التاريخية عن مستوى الزقاق إذ لم يتم رصف وتعبيد هذه الشوارع الى حديثا. 2- الطرق الفرعية المستوى الثاني من الطرق في القرى الفلسطينية هي الشوار التي تفرعت من نواة القرية بكل الاتجاهات لتصل الجزء السكني بالأرض الزراعية، وكما الأزقة فقد تماشت هذه الطرق أيضا مع الطبوغرافيا فمشت في الجبل مسايرة لخطوط الكنتور واستقامت في السهول، أما في الأودية فكانت مُحاطة بمدرجات هدفها تحديد الطريق ومنع انجرافه، أما عرضها فكانت تكفي لمرور دابة واحدة، كما تبين الصورة (د) في الملحق، وبقي هذا الحال إلى غاية الانتداب البريطاني حيث أعطى الطابو حق للمرور الى كل أرض مفروزة بعرض مترين، وسُجِل هذا الحق كما سجلت الأراضي بأسماء أصحابها، وبعد أن كانت هذه الشوارع ترابية فقد عبدت اليوم بالإسفلت وزاد عرضها. 3- الطرق الرئيسية هي الطرق التي وصلت القرية بما جاورها من قرى وتجمعات سكنية، وقد أختلف منظور الناس لهذه الطرق فكانوا قديما كما ذكرنا يقيمون القرى بعيدة عن الطرق الرئيسية خوف الاعتداء، أما اليوم فإن سكان القرى يسعون إلى الاقتراب من هذه الطرق وذلك لتسهيل الاتصال بالمحيط الخارجي، حيث أصبح الاتصال بالخارج ضرورة أملتها علاقة المدينة بالقرى من تصدير واستيراد وخدمات حكومية أو عمل في المؤسسات أو الخدمات الأخرى(9)، مما زاد رغبة الفلاحين من الاقتراب من الشارع الرئيسي الذي وصلهم بأقرب مدينة، مما أدى الى تغيرات باستعمالات الأراضي المجاورة للشارع الفرعي المؤدي للشارع العام فاكتظت هذه الاراضي حديثا بالمساكن والورش، كما ارتفعت أسعارها أضعاف ما أرتفع سعر غيرها من الاراضي البعيدة. 2.3.2 المباني العامة والعناصر الخدماتية شكلت المباني العامة في القرى الفلسطينية جزءا مهماً من النسيج العمراني، وقد عكست هذه المباني طبيعة الحياة اليومية للسكان، وتنوعت في أشكالها ووظائفها بِما يخدم مصالحهم، وأهم هذه المباني هي: 1- الديوان - المضافة عُرفت الدواوين في قرانا على أنها أماكن أجتمع فيها ذكور القرية فقط، حيث أجتمع الأصدقاء والمعارف يتبادلون فيها الحديث ويقضون أوقات فراغهم أو يقيمون فيها المناسبات المختلفة من الأفراح أو العزاء، وأجتمع فيها شيوخ القرية بعد عودتهم من الحقول، كما أجتمع الشباب لتبادل الأخبار والاستماع للحكايات الشعبية أو أغاني عازف القرية الذي أستخدم الربابة لتلحين أغانيه، وقد احتوت القرية على ديوان أو مضافة واحدة أو أكثر حسب حجم القرية وعدد حمائلها، كما حددت نوعية العلاقات بين حمائل القرية عدد مضافاتها، فإذ لم يسد الاستقرار بين حمائل القرية فإن لكل حمولة مضافتها الخاصة، وقد قسمت تكاليف المضافة من الأكل والقهوة والشاي والفراش وعلف الخيل على أفراد القرية أو الحمولة، وفي بعض القرى تم تخصيص قطعة أرض من المشاع زرعت لخدمة المضافة، كما اعتبرت المضافة الوجهة الأولى لأي غريب يمر بالقرية حيث يقضي فيها فترة وجوده في القرية(9). 2- المسجد اكتسبت المساجد أهمية مُجتمعية بِالإضافة لأهميتها الدينية، فكانت تُعتبر مراكز تعلمية يقوم فيها الشيخ بِتعليم أطفال القرية تعاليم دينهم بالإضافة إلى القراءة والكتابة، في الغالب كان المسجد عبارة عن غرفة صغيرة أو كبيرة حسب عدد سكان القرية ووضعهم المادي، كما أن المساجد في قرانا لم يكن لها مآذن، فكان المؤذن يدعو إلى الصلاة فوق سطح المسجد، وكانت الميضأة أو بئر الماء من أهم مرافق المسجد وقد وضعت قربهم الاباريق للوضوء. وفي غالب الاحيان كان هناك ساحة على باب المسجد، واعتبرت هذه الساحة مكان اخر لتجمع رجال القرية، كما تجمع فيها الباعة وأصحاب الحرف المتجولين مثل الإسكافي وهو مصلح الأحذية ومبيض الأواني النحاسية وغيرهم. 3- الدكاكين انتشرت الدكاكين بين البيوت في قرانا، وكان يطلق أسم الدكان على العديد من الفراغات التي قدمت أنشطة مختلفة، فكانت الدكان التي تبيع المواد التموينية الأساسية من قمح وطحين وراحة وسكر وغيرها من المواد التي احتاجها السكان بشكل يومي في حياتهم، وكان أيضا هناك دكاكين المهنيين كالحدادين والنحاسين. كما كانت المحلقة هي دُكان الحلاق، وقد تعددت مهام هذه الدُكان، فكان السكان يَقصدونها بغرض المداواة مِن النزلات الصدرية والجروح وقلع الأسنان والحُجامة وجبر الكسور، وقد ذَكر بعض سكان القرية أنهم كانوا يدفعون صاع قمح للحلاق مقابل الحِلاقة طوال العام. كما شكلت المقاهي نوع أخر من الدكاكين، وقد أجتمع فيها الرجال ليلعبوا ورق الشدة والنرد، كما دخنوا الشيشة مقلدين مقاهي المدن، وقد التقى الرجال والشباب قاضين أوقاتهم تاركين النساء تهتم للشؤن المنزل وتَرعى الأطفال، كما أستمعو إلى الراديو في المقهى ايضا. 4- الطاحونة والمعصرة الطاحونة مكان أجتمع فيه الفلاحين حين أرادو طحن قمحهم وحبوبهم من ذرة وشَعير، ولم تكن المطاحن متوفرة في كل القرى فكانت مكان لمعرفة أخبار القرى المجاورة أيضا، كما كانت سبب في توسيع افاق الفلاح إلى دائرة جغرافية أكبر من قريته الضيقة، وتعود الدائرة لِتضيق بين أفراد القرية والحمولة في "البد" والبد هي معصرة الزيتون، إذ تواجدت المعاصر في أغلب قرى بلادنا(9). وتجدر الإشارة إلى أن عصر الزيتون تقليد عريق في فلسطين، ويعود تاريخ المعاصر في بلادنا إلى ما قبل الميلاد وتشهد جبالنا معاصر حجرية رومانية، حيث أن شجرة الزيتون هي الشجرة الأولى في فلسطين من حيث المساحة التي تشغلها، وكانت المعاصر مكونة من جزأين الأول حجر اسطواني موجود على الأرض يوضع فيه حبات الزيتون أما الثاني فهو حجر البد وهو حجر أسطواني كبير وثقيل يتم تحريكه فوق حب الزيتون بواسطة الحيوانات ليتم طحنها، وبسبب قلة المعاصر بالنسبة للمنتوج فقد أنتظر بعض السكان عدة أسابيع حتى يحين دوره في العصر مما أدى الى تَحول الكثير من الزيتون إلى كامر حيث قلت جودته لِيصُبح مَنتوجه من الزيت يَصلُح للاستخدام الصِناعي مثل الصابون، واستمرت هذه الطريقة بالعصر إلى غاية العصر الحديث، حيث استبدلت بِالماكنات آلية التشغيل، مع احتفاظ هذه الأماكن الموسمية بالقيمة الثقافية والمجتمعية التي تُمثلها. 5- الابار وبرك الماء قام سكان فلسطين منذ القِدم بِتجميع مياه الأمطار في الابار والبرك، وقد حفروها في الصخر للاستفادة من مِياهها على مدار العام، وكانت هذه البرك في القرى مكان تجمع اخر للسكان حيث سقوا مواشيهم، كما التقوا حين أرادو تنظيفها من الرواسب والاوساخ. كما تعتبر عَين الماء أماكن لتجمع نساء القرية، حيث اجتمعن على عين الماء في الصباح الباكر وقد حملن جِرارهن ليملأنها بالماء، وعلى البئر أيضا لينتشلن الماء، فكانت مُهمة جلب الماء من واجبات المرأة(9)، وكان للآبار تأثير في أسماء القرى مثل بير نبالا شمال القدس وبيار عدس قضاء يافا، وبير السكة شمال طولكرم، وبير معين المهجرة، يمكن للنظر إلى الصور (ه - و) في الملحق. 2.3.3 المباني السكنية إن بيوت القرية هي المكون المادي الأساسي للقرية، وقد أعتز الفلاحين ببيوتهم وبنوها بما يتناسب مع إمكانياتهم المادية وبما يتوفر في الطبيعة من مواد، فكان لموقع القرية الجغرافي تأثير على نوع البناء، حيث أن الجبل غني بالحجارة والتراب والأشجار، فأستخدم الصخر كأساس للبناء ثم الحجر لتكسية وتشكيل الجدران والعقود، وأستخدم التراب الأبيض "الحوار" كمادة لاصقة، وحملت الأخشاب السقوف المستوية في تلك المناطق، أما في السهول فكانت المادة الخام المُسيطرة هي الطين المَحلي، وكانت مساحة البيوت أقل لعدم تواجد الخشب بِنفس الوفرة في الجبال(9)، وتتقلص هذه الفروقات في القرية الواحدة لتقتصر على اختلافات في مساحة البيوت وتقسيماتها الداخلية، حيث أن تفاوت مُستوى الدخل بين أبناء القرية وتفاوت مستوياتهم الاجتماعية بين راعٍ وأجير وفلاح وصاحب مِهنة رافقه تفاوت في متطلبات بيوتهم وأشكالها، فالبيت يزداد مساحة مع الغنى ويزداد ارتفاعا حسب الحاجة لاستخدامات السقف(11). نرى أن للمواد الخام الموجودة في الموقع تأثير على نوع البناء ونمطه كما كان لطبيعة عمل الفلاح وروتينية اليومي الأثر الكبير ايضا، فقد أحتاج أماكن لتخزين محاصيله المختلفة كما أحتاج مأوى لدوابه، فتشكل حوش البيت كنتيجة طبيعية للظروف التي عاشها الفلاح في بلادنا، فخزن موارده وحطبه وأوى دواب عمله وربى الدواجن فيه، كما كان الحوش مطبخ للمرأة ومكان خبزها وغسيلها، والمساحة التي اختلطت فيها مع القريبات والجارات، كمان كان مكان لعب الأطفال ومكان اجتماع الأسرة لمناقشة أمورهم العائلية وأعمالهم أثناء تناول وجبة المساء التي كانت تعتبر الوجبة الرئيسية(12). وفي الحوش يمكن مشاهدة العديد من الأدوات المنزلية مثل الجرار الفُخارية التي استخدمت في تخزين المياه والتي أُطلق عليها الزير، وأطباق النحاس ومطاحن الحبوب الحجرية وأوعية العلف والماء للماشية، كما تَم تجفيف بعض المواد الغذائية فيه كالعنب الذي تحول إلى الزبيب والتين الذي سُمي قطين بعد أن جف، وكان الحوش أيضا مكان لتجفيف الملابس على حبل الغسيل بعد غسلها، ويوجد في أحد أطراف الحوش فرن الخبز الذي سُمي الطابون، وقد سُقف هذا المكان بِعوارض خشبية بالغالب لتحميه من مياه الأمطار، وقد أُعتبر الطابون مكان مهم لنساء القرية، فَعِنده يجتمعن ويتبادلون الأخبار أثناء خبزهم، فهو يمثل دور اجتماعي عند النساء مشابه للدور الذي مثلته المضافة بالنسبة للرجال، الصور(ز-ح) في الملحق توضحان نساء يقمن بفعاليات مختلفة في الحوش، وبهذا يمكن التوصل إلى أن الحوش كان يمثل الفراغ شبه الخاص الذي يصل المنزل وهو الفراغ الخاص، بالأزقة الخارجية وهي الفراغ شبه عام. يُمكن من خلال مُشاهدة البيوت القديمة في قرانا معرفة أنه كان للمناخ تأثير أيضا على شكلها، حيث أن أسطحها مُسطحة وليست مائلة كبيوت المناطق الباردة التي يتساقط فيها الثلج، ومعظم منازل القرى عبارة عن هياكل مربعة بسيطة بُنيت من الحجر المتوفر بكثرة بالمناطق المحيطة لتبدو كأنها امتداد للطبيعة، فنمت النباتات البرية بين الحجر الذي كسا واجهاتها أو فوق الاسطح المقببة، ويمكن ملاحظة أن مُعظم البيوت مُكونة من طابق واحد كما أن جُدرانها الخارجية ضخمة إذ يبلغ سمكها متر في بعض الأحيان وذلك لكونها جدران حاملة للسقف، أما الفتحات المعمارية من أبواب وشبابيك فيمكن مُلاحظة أنها صغيرة في اغلب الأحيان(11)، رُغم أن المساحة الكبيرة للفتحات تعمل على تهوية أفضل للمنزل والتخفيف من حرارة الصيف كما تسمح لمقدار أكبر من أشعة الشمس و ضوءها بالدخول إلى داخل المنزل، إلا أنه من الواضح ان العادات و التقاليد العربية كان لها اليد العليا في التحكم بمساحة الفتحات في هذه البيوت، كما كان للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي عاشها الفلاحين وعدم تمكنهم من دفع تكلُفة ثمن أبواب و شبابيك كبيرة و لعامل غياب الاستقرار الأمني تأثير على مساحة الفتحات أيضا. كما نُلاحظ وجود بعض العِليات في المراكز التاريخية لقرانا، حيث بَنَت العائلات الاكثر ثراء طابق ثاني والذي سمي العلية، لتكون غرفة النوم الرئيسية أو غرفة لاستقبال الضيوف، كما كان يرمز الطابق العلوي إلى قوة الأسرة وهيبتها، الصورة (ط) في الملحق تبين إحدى هذه العليات، كما أن تراص أسطح المنازل مع بعضها دعا السكان إلى التضامن في الحفاظ عليها، إذ أن كل خطر يهدد حائطا أو سطحا ما كان ليؤثر على صاحبه فقط بل على جيرانه أيضا. كما انتشرت الخشش في قرانا والخُشة هي مسكن بُني من الطين المجبول بالتبن، وقد يضاف إلى الجدران بعض الحجارة إن وجدت، كانت حيطان الخشش لا تقوى على حمل الأسقف الثقيلة، لذلك كان سقفها من الخشب بالغالب، وباب الخشة ضيق وقد لا تحتوي على شبابيك، حيث نلاحظ أن الخُشة تمتاز بِقلة تكلفتها وسهولة بِنائها حيث يستطيع أهل البيت بالتعاون مع أصدقاءهم وأقاربهم أن يقوموا بِبنائها خلال بضعة أيام(9). لفهم المنزل الريفي بشكل كامل نحتاج دراسة متخصصة ومعمقة تأخذ في الاعتبار كافة الجوانب الثقافية والاجتماعية والمعمارية المرتبطة به، وما تم ذكره في هذه الدراسة يقتصر على تقديم لمحة مختصرة لفهم الصورة العامة للبيوت كونها شكلت الوحدة المعمارية الأساسية للنسيج الحضري في قرانا. 2.4 الإطار النظري: التحولات العمرانية والهوية المكانية بعد دراسة الشكل العام للقرى الفلسطينية وأهم المكونات العمرانية التي شكلت نسيجها العمراني، تظهر الحاجة لوضع اطار نظري يتم من خلاله تحليل هذا النسيج وتحليل ارتباطه بالهوية المعمارية، حيث نربط بين التحولات العمرانية والتصورات الاكاديمية للعمران والهوية، وبالعودة الى الأسس النظرية التي تناولت العلاقة بين الانسان والمكان نجد أن نظرية الهوية المكانية (place identity) من أهم الأسس النظرية التي تناولت هذه العلاقة، حيث ان ارتباط الانسان بالمكان يتجاوز البعد المادي للفضاء، فتتشكل هذه العلاقة عبر التجربة والتفاعل لتتشكل أساس هوية الفرد والجماعة، وحين يتغير المكان جذريا فان أحساس السكان بالانتماء يهتز(13), فالمكان لا يُختزل في بعده المادي فحسب بل يتجاوز ذلك ليصبح حاضنة للذاكرة، وبذلك فان الحفاظ على هوية المكان هو جزء من الحفاظ على هوية السكان. ومن النظريات التي يمكن الاعتماد عليها في التحليل لهذا السياق نظرية روح المكان (Genius Loci) الذي طرحة شولتزChristian Norberg Schulz))، حيث يرى أن المكان يمتلك طابع خاص فيه، وهذا الطابع يتشكل من تفاعل عناصر مثل الطبيعة، البيئة المبنية والثقافة المحلية، لتتشكل هوية المكان وطابعة(14)، وتتجسد الهوية المعمارية هنا في الطريقة التي يعبر بها العمران عن هذه الروح سواء باستخدام مواد بناء من الطبيعة المحيطة او استلهام التصاميم منها. أما النظرية الأخيرة التي سوف يتم الاعتماد عليها في هذه الدراسة فهي نظرية الذاكرة الجماعية Collective Memory))، حيث أشار هالبوكس (Maurice Halbwachs) الى أن المباني التاريخية تمثل الأوعية لذاكرة هوية المكان، فكل مركز تاريخي يحمل في عناصره ومكوناته سردية جماعية تعبر عن قيم المجتمع وثقافته وتاريخه وأن أي تشويه بهذا النسيج المادي يؤدي الى تلف في الذاكرة الجماعية وفقدان جزء من هويته(15). 2.5 تحولات المشهد الحضري للقرى رافق العقود الأخيرة تغيرات جذرية على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالم أجمع، وقد انعكست هذه التغيرات في قرانا على مشهدها الحضري وبنية نسيجها العمراني، فقد تغيرت متطلبات وحاجات سكان القرى مما أدى إلى تغير الأبنية الخدماتية التي يحتاجونها، فحلت مباني البلديات والمحاكم الشرعية محل الدواوين، ولم يعد هناك حاجة إلى الابار وبرك المياه، إذ أصبحت شبكة المياه تعمل على توصيل المياه إلى جميع المنازل، فأصبحت الابار وبرك المياه في قرانا تُحفر داخل حدود المنزل وعند الرغبة وليست متطلب أساسي للعامة كما في السابق، كما تولدت الحاجة إلى شكل جديد من الأسواق والدكاكين فقد اختلفت متطلبات السوق من زيادة كبيرة في أنواع المنتجات المطلوبة وطرق عرضها وتسويقها، مما أدى إلى إنشاء مراكز تجارية حديثة خارج حدود المراكز التاريخية، كما استبدلت الالة العديد من الأنشطة والفراغات فلم تعد هناك حاجة إلى ساحات البيادر أو الطاحونة، واختلفت متطلبات مبنى معصرة الزيت فقد حلت الآلات مكان حجر البد وبعد أن كانت تقام المعاصر في الفراغات المفتوحة أو داخل مباني صغيرة المساحة أصبحت تحتل الآلات مكان أكبر مما تطلب انشاء مبان أكثر اتساعا مثل البركسات، واحتلت السيارات ومركبات التنقل الجديدة محل الدواب، فزاد عرض الطرق المُنشئة حديثا عن الموجودة في المراكز التاريخية وقل تعرجها، ولم تعد أزقة وطرق المراكز تلبي احتياجات السكان. تزامن مع تغير متطلبات واحتياجات السكان زيادة في معدلات نمو أعدادهم، مما نتج عنه توسعات للعمران خارج النواة، وتم هجر والاستغناء عن المراكز التي لم تعد تلبي الاحتياجات، وقد أتسم النمو العمراني الجديد بنمط معماري مختلف عن المركز، فقد اختلفت نسب الفتحات المعمارية ومواد البناء المستخدمة، فانتشر استخدام الطوب والخرسانة المسلحة وزادت أبعاد الفتحات المعمارية كما زادت مساحة البيوت وشكل أسقفها لتصبح مسطحة تختلف عن أسطح منازل المركز ذات القباب. 2.5.1 أنماط التوسع العمراني حول نواة القرية كان نمط التوسع العمراني في قرانا التاريخية يتخذ الشكل الحلقي منطلقاً من مركز محدد، لاحقاً في العصر الحديث وبعد أن توسع العمران الجديد خارج مراكز القرى ظهرت أنماط وأشكال جديدة من التوسع العمراني، وبدأ التوسع العامودي خارج المراكز حيث ظهرت الأبنية متعددة الطوابق لتخفي خلفها المركز الذي أتسم بالتوسع الأفقي في نموه العمراني، أما شكل واتجاه التوسعات الجديدة فقد اختلفت من قرية إلى أخرى بحسب المؤثرات ونقاط الجذب المختلفة، فظهر في بعض القرى نمط توسع شريطي متأثراً بالطرق الرئيسية التي تربط بين التجمعات القروية ببعضها أو بالمدن المجاورة لها، واتسم هذا النوع من النمو بانتشار المحلات التجارية على جانبي الطريق، كما انتشر في قرانا شكل التوسع المتناثر ويعود السبب في ذلك إلى أن مُلكية الأراضي الزراعية التي تقع حول القرى ومراكزها تعود للسكان، ولغياب الضبط والرقابة على العمران، فقد قام كل من أراد البناء على أرضه بالبناء عليها، فظهرت البيوت المنتشرة على أطراف القرية والتي بني بعضها قبل تنظيم المخططات الهيكلية أو وصول الخدمات العامة من مياه وكهرباء وطرق معبدة إليها. وقد تأثر النمو العمراني في بعض القرى بأكثر من نقطة جذب، فبعضها تأثر بعدة شوارع تم فتحها وتعبيدها والبعض الاخر تأثر بأبنية عامة تم إنشائها خارج المركز بالإضافة إلى تأثرها بطرق جديدة ليظهر نمط توسع إشعاعي منطلقا من المركز نحو عدة نقاط مختلفة، ففي طور الحداثة أصبحت هناك حاجة لمراكز تجارية جديدة في القرى حيث أن الدكاكين لم تعد تلبي احتياجات السكان، فأقيمت الأسواق والمراكز التجارية، وقد اختلف نمط انتشار هذه الأسواق من قرية الى اخرى، فهناك قرى نمت فيها المراكز التجارية على شكل دائري حول سوق قديم، وهناك قرى نمت فيها الأسواق بشكل خطي امتد مع الشارع الرئيسي للقرية الذي يؤدي إلى القرى المجاورة، وقد تحولت بعض القرى ذات الموقع الجغرافي المركزي بالنسبة لقرى مجاورة الى مراكز تجارية مركزية عملت على جذب الفعاليات الاقتصادية بنسبة عالية وقد اعتمد سوقها على القرية بالإضافة إلى القرى المجاورة، وهناك أيضاً أسواق ثانوية أقيمت ولا زالت في طور النمو حيث تعتمد على الحارة في القرية، إن هذه المراكز التجارية الثانوية تنمو غالبا بشكل عفوي بلا تخطيط، مما يصعب تحديد اتجاه نموها، إلا أنه هناك علاقة بين ازدياد أعداد المباني السكنية في الحي وازدياد الحاجة للخدمات فأصبحت إقامة البقالات والصيدليات وغيرها ضرورة يومية. أدت الاحتياجات الوظيفية الجديدة لسكان القرى إلى تراجع الأهمية الثقافية والقيمة الاجتماعية التي كانت تمثلها مراكز القرى وتجردت من دورها الحيوي، وفي سياق تتبع مراحل التغيرات التي طرأت على التركيبة البنيوية للقرى نجد أن بلادنا مرت بالعديد من التغيرات السياسية والاقتصادية والأمنية، كما كان للقوانين التنظيمية المتلاحقة والسلطات المتعاقبة على بلادنا دور رئيسي في تشكيل تغير الشكل الحضري لقرانا، حيث يسعى الفصل التالي من الدراسة إلى تتبع مراحل تشريعات البناء والقوانين التنظيمية التي أدت إلى تغيرات أثرت على المشهد الحضري للقرى، بهدف الوصول إلى طبيعة التوسعات الحاصلة خارج المراكز التاريخية وانعكاساتها على النواة الأولى التي شكلتها. الفصل الثالث مراحل تغير شكل القرى 3.1 الفترة العثمانية وظهور الأقطاعين قبل تولي الدولة العثمانية حكم البلاد كان حق التصرف بالأراضي واستخدامها يتحدد من خلال العرف السائد بين السكان، وفي بعض الأحيان كانت ملكية الأرض تثبت من خلال ورقة تسمى حجة فاذا ما ضاعت هذه الحجج كان وضع اليد على الأرض والتصرف بها هو ما يحدد ملكيتها، وإذا ما حدث خلاف على الأرض كانت الشهادات الشفوية لأهل القرية هي التي تحدد الملكية، مما أدى لحصول نزاع مستمر بين الفلاحين على الأرض. تولت الدولة العثمانية حكم بلادنا في مطلع القرن السادس عشر وأستمر لأربعة قرون لينتهي رسميا عام 1918م، في بداية هذه المرحلة وعند تأسيس الدولة العثمانية كانت القوانين والأنظمة المتعلقة بالأراضي والتي وضعتها الدولة العثمانية بدائية، ثم اخذت تتقدم حتى بلغت درجة كبيرة من التشعب في التنظيم نظرا لاتساع الرقعة الجغرافية التي امتلكتها الدولة العثمانية، ولما كانت أهم العائدات بالنسبة للدولة العثمانية هي واردات الأراضي فقد دأبت الدولة العثمانية منذ البداية على مسح الأراضي واحصاء النفوس ومساكنهم لأغراض ضريبية، وقد بقي هذا الوضع المشابه للنظام الاقطاعي الى غاية 1591م تقريبا حيث بدأت تظهر الدواعي السلبية لهذا النظام من ظهور للإقطاعين وتراكم الثروات بيد عدد قليل من السكان(16). كمحاولة للإصلاح ووضع حد للإقطاعات، وتعزيز السيطرة المركزية للدولة، قام السلطان عبد المجيد الثاني عام 1856م بإصدار فرمان يبين الإصلاحات الواجب تطبيقها، وعلى ضوء ذلك أصدرت الدولة العثمانية عام 1858م مجموعة من القوانين التي كان من ضمنها قانون الأراضي وقد أوضحت مواده ال132 أنواع استخدامات الأراضي وكانت اغلب أحكام هذا القانون مستمدة من الشريعة الإسلامية، وقد أشتمل قانون الاراضي على عدة محاور كان أهمها هو تسجيل ملكيات الأراضي في سجلات رسمية وقد سُميت هذه العملية بالطابو، كما تضمن القانون تصنيف الأراضي إلى خمسة أقسام تختلف عن بعضها بقوانين تنظيمها واستخدامها وبمقدار الضريبة المفروضة عليها، القسم الأول هي الأراضي المملوكة وهي الأراضي الواقعة ضمن حدود المدن والقرى المخصصة للسكن، والقسم الثاني الأراضي الأميرية وهي الأراضي الزراعية الواقعة خارج حدود المدن والقرى، وقد خضعت هذه الأراضي لزكاة العشر التي تُحدد على أساس نسبة من نتاج الأرض، القسم الثالث الأراضي الموقوفة وهي الأراضي التي يعود حق التصرف بها وعوائدها إلى جهة الوقف، والقسم الرابع الأراضي المتروكة وهي الأراضي العامة التي يستخدمها عموم الناس مثل الطرق والمراعي المخصصة لأهل القرى والقصبات، والقسم الخامس من الأراضي هي الأراضي الموات وهي الأراضي البعيدة عن العمران وليست ملكا لأحد أو مرعى أو محتطب لقصبة أو قرية وقد مَنح القانون مُلكية هذه الأراضي لمن يقوم بإحيائها وزراعتها(3,4). كانت عملية تسجيل الأراضي بدائية، إذ كان يتم تحديد قطع الأراضي على أساس حدودها الطبيعية دون اعتبار لمساحتها الحقيقية، كما تم تسجيل الأراضي في أغلب الحالات بناءً على شهادات المخاتير والأعيان، ولأن الفلاحين أدركوا أنهم يدفعون الضريبة دون مقابل تقدمه الدولة من خدمات، قام العديد منهم بالتهرب من تسجيل أراضيهم في سجلات الدولة أو تسجيل مساحات تقل عن المساحات الحقيقية التي يملكونها، وحيث أن الفلاح كان يعتمد على نتاج الأرض لقوت يومه وفي ظل ما كانت أساليب الزراعة بدائية تعتمد على مواسم المطر، فقد واجه الفلاح صعوبة بالغة في دفع الضرائب التي فرضت عليه، كل هذه الأوضاع كانت تربة خصبة لظهور المرابين من التجار والمتنفذين الذين دفعوا الضريبة عن الفلاحين مقابل تسجيل جزء من الأراضي لهم، كما قاموا بإعطاء المال إلى الفلاح ليدفع الضرائب مقابل فوائد عالية، وقد ظهرت أنماط عديدة من الديون نذكر منها الطلاع ومن الطلاع ما له خمس فوائد سنوية حيث تجدد نسبة الفائدة كل ثلاثة أشهر، ولم يستطع العديد من الفلاحين سداد ديونهم فرهنوا أرضهم أو باعوها للمرابين(3). وحتى من استطاع من الفلاحين المحافظة على أراضيه فقد واجه صعوبات في منافسة الأسعار العالمية الجديدة، حيث أصبحت المنتجات المستوردة تصلنا من كل مكان بفضل تحسن أوضاع النقل الجوي والسفن التي أصبحت تصل الى شواطئنا بعد فتح قناة السويس(17)، هذا التنافس لم يكن لصالح الفلاحين وكل ذلك صب في مصلحة أصحاب النفوذ والسلطة فزاد الغني غنى فوق غناه وسيطرة فوق سيطرته، وكان الفلاح قد أستدان وغرق بالديون فباع أرضه وأصبح أجيراً فيها. أما على المستوى الإداري فقد قامت الدولة العثمانية عام 1864م بإصدار نظام إدارة الولايات الذي قسم الدولة إلى ولايات، وكل ولاية إلى سناجق والسناجق إلى نواحٍ والنواحي إلى قرى، أما الولايات فتم تشكيل مجالس بلدية فيها، وقد ترك العثمانيون فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى وبها 21 مجلس بلدي، بينما كان هناك مستوى اخر في القرى عرف باسم مجالس القرى، حيث يتكون هذا المجلس من مختار يساعده مجلس الاختيارية والذين يتم تعينهم عن طريق الانتخاب السنوي، وكانت هذه المجالس تلعب دور الوسيط بين السُلطة الحاكمة وما تريد تنفيذه من قوانين وأنظمة وبين سكان القرى، وأقتصر دورها على مهام خدماتية محدودة(18). 3.1.1 تأثير الفترة العثمانية على القرى أما تأثير هذه الفترة على القرى فيمكن القول بأن التغيرات التي طرأت على البيئة المعمارية والمشهد الحضري في القرى الفلسطينية تلك الفترة بسبب التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كانت تغيرات جذرية لا زالت أثارها ملموسة الى الوقت الحاضر، فتحول ملكية الارض من المشاع الى الملكية الخاصة والتحول من اقتصاد العائلة المعتمد على الزراعة إلى اقتصاد مُعتمد على الأجور، أدى إلى تغير شكل العمارة ومشهد القرى الحضري، حيث أن ظهور طبقة من الأغنياء في القرية أنعكس على بيئتها المعمارية فظهرت القصور الفردية التي سكنها الإقطاعين في بعض القرى مثل قرى الكراسي التي احتوت على 26 قصر أو قلعة لازالت قائمة حتى الان(19,20)، مما يعني بداية لظهور الفوارق الاقتصادية الملموسة في المشهد العمراني للقرى، مع استمرار البناء بنفس المواد المستخدمة سابقا من حجر وشيد. كما عمل تحسين شبكة الطرق وخاصة الطرق الرئيسية التي تربط القرى ببعضها وبالمدن على زيادة ارتباط القرية بمحيطها الحضري من قرى ومدن مجاورة، الأمر الذي زاد من أهمية بعض فراغات القرية العامة مثل الساحات وأماكن الأسواق التي زاد عدد مرتاديها من خارج القرية، كما انعكس هذا الانفتاح على حدود الحارات التي شكلت القرية فلم تبقى وحدة مغلقة على نفسها وازداد تقبلها للأخرين، أما الدواوين فقد ازدادت أهميتها المجتمعية حيث أصبح المختار يُنظم الوثائق الخاصة بالأحوال المدنية المختلفة كتسجيل الولادات والوفيات وعقود الزواج والطلاق وحجج الميراث وغيرها، مما يدل على زيادة ملحوظة في الأهمية المجتمعية للفراغات العامة، كما أدى ظهور النظام الإقطاعي على تأثر ملكيات الأراضي حيث أن تركيز ملكية الأراضي على عدد قليل من الملاك بالإضافة الى الظروف الاقتصادية الصعبة التي عانى منها عموم القلاحين في القرى أدى إلى ضعف وتيرة النمو العمراني في القرى. 3.2 فترة الاحتلال البريطاني مع بدايات القرن العشرين بدأت عجلة التمدن السريع في الوصول إلى بلادنا، فانتشرت أنظمة ومواد البناء الجديدة، مما أثر بشكل كبير على المشهد الحضري للمدن وبشكل أقل ولكن ملاحظ على القرى، كما كان هناك تغير جذري على المستوى السياسي في بلادنا تلك الفترة، فقد تغيرت السلطة الإدارية الحاكمة من الدولة العثمانية إلى الانتداب البريطاني الذي بدأ عام 1920م وأستمر لغاية عام 1948م(21). بدأت في تلك الفترة تغيرات كبيرة على جميع المستويات، فبدأت تتغير وسيلة الانتهاج من عضلات الأنسان والحيوان إلى الالة مما أثر على شكل التجمعات السكانية في العالم أجمع، فحين تحررت العضلات وجد الجهد مكانا اخر له وهو الرأس، كما تحرر الكثير من الأطفال من وظائف كانت تفرضها عليهم الظروف وتوجهوا إلى المدارس التي امتلأت بالطلاب الذين توافدوا عليها، كما تحررت المرأة من حَمل الجِرار على رأسها مما وفر لها أوقات فراغ للتأمل والتفكير، كما بدأ غالبية الرجال بالبحث عن مجالات جديده للعمل فيها وتنمية المهارات المطلوبة لسوق العمل الجديد، حيث بدأ ظهور الوظائف الجديدة والتي بحاجة الى تدريب وتعليم أكاديمي أو حرفي(22). كما أثرت سياسات الانتداب البريطاني بشكل واضح على تركيبة وشكل قرانا، فمع بداية الاحتلال البريطاني، أستمر العمل التنظيمي وفقا لقانون البلديات ومجالس القرى العثماني الذي كان يعمل على انتخاب المختارين، وبقي هذا الحال إلى غاية عام 1921م حيث تحول الانتداب إلى حُكم عسكري وتم إلغاء العمل بالنظام العثماني واستحداث نظام جديد أُطلق عليه " نظام الهيئات المحلية " حيث تُمثل كل هيئة مجموعة من القرى، ولم يتقيد الانتداب في تلك الفترة بإجراء انتخابات لمجالس القرى أو المجالس البلدية وتم تعين المُختارين من قِبل الإدارة العسكرية الجديدة، حيث تضمنت وثيقة الانتداب لعام 1921م بأن الدولة المُنتدِبة مسؤولة عن الأوضاع السياسية والإدارية والاقتصادية في البلاد، كما فرضت رقابة على البلديات والمجالس المحلية سواء على صعيد اختيار الممثلين أو الموازنات العامة أو تنفيذ المشاريع، وكان تأثير هذه القرارات على المدن أكبر من القرى، حيث قاموا بإعداد مخططات هيكلية وتنظيمية في المدن الفلسطينية كحيفا ويافا والقدس ونابلس وغزة، وكانت المخططات على المستويين المحلي والمركزي، وبقي قانون التنظيم ساري حتى أصدرت قانون جديد عام 1936م(4). كان القانون الذي أُصدر عام 1936م على شاكلة أمثاله من القوانين الاستعمارية من حيث المركزية الشديدة، قد تضمن سلطات مُطلقة للمندوب السامي من حيث حقه في حل البلديات وتغيير حدودها وتعيين الرئيس وإلغاء نتائج الانتخابات وتصديق الموازنات، كما قامت سلطات الاحتلال البريطاني بإعداد تشريعات جديدة لتخطيط كافة التجمعات الحضرية لتشمل القرى والمناطق الريفية، كما تم إعداد مخططات هيكلية للألوية الستة التي قسمت فلسطين بحسبها إدارياً خلال فترة الانتداب، حيث حددت هذه المخططات استخدامات الأراضي وشبكات الطرق والمواصلات، وبموجب هذه المخططات أصبح الزاميا على كل من يرغب بالبناء أن يحصل على رخصة بناء مُصدق عليها من أجهزة التخطيط التي شكلها الانتداب البريطاني، وكل من يخالف يعرض نفسة للغرامات أو هدم المبنى، ومن هذه المخططات نذكر مخطط لواء السامرة s-15 والذي ما زال ساري المفعول ويستخدمه الاحتلال لضبط البناء في المنطقة (ج)(4). أعتمد الاحتلال البريطاني في هذه المخططات على تجربته في تصميم المدن خلال العقد الأول من القرن العشرين، حيث ظهر مصطلح تخطيط المدن أول مرة عام 1906م، في تلك الفترة كانت بريطانيا تعاني أزمة حقيقية في هيكلة مدنها بسبب الثورة الصناعية، فقاموا بتأسيس نظام تخطيط مدن في محاولة لحل المشاكل الحضرية والبيئية والاجتماعية التي خلفتها الثورة الصناعية، وطبقوا نظام تخطيط المدن في الدول الواقعة تحت سيطرتهم في ذلك الوقت مثل ماليزيا ونيجيريا والهند وفلسطين(4) . 3.2.1 تأثير فترة الاحتلال البريطاني على القرى برزت في هذه الفترة أنماط معمارية جديدة وتسارعت عملية التوسع الحضري في القرى والبلدات الفلسطينية، حيث شهدت تلك الفترة زيادة في المساحة المبنية بمعدل 4-5 أضعاف ما كانت عليه نسبة الزيادة سابقا(4) كما تركت تلك الفترة تأثيراً واضحاً على نمط الحياة بشكل عام وعلى البيئة المعمارية والحضرية بشكل خاص، فظهرت أنماط جديدة مثل النيو كلاسيك، في بعض المدن والتجمعات الحضرية الكبيرة، وقد هيمنت تكنلوجيا البناء والمواد الجديدة مثل الخرسانة على المباني إلا أنه بقي استخدام الحجر في تكسية الواجهات، كما أنتقل العديد من سكان القرى للعيش في المدن حيث شهدت المدن الكبيرة مثل حيفا ويافا والقدس زيادة في عدد السكان نتيجة هجرة الفلاحين من المناطق الريفية، كما قلت الفجوة في أسلوب البناء والنمط المعماري بين المدن والقرى(4,20). وقد ظهرت أنماط حضرية جديدة في القرى متأثرة بشبكة الطرق والمواصلات الجديدة، حيث أصبحت البيوت الجديدة تبنى على شكل خطي متوازية مع الشوارع العامة المارة قرب القرية، وإذ لم تتوفر الخدمات العامة في القرى تلك الفترة فقد اعتمدت المساكن الجديدة في إنارتها على موتورات الديزل وعلى آبار المياه للشرب أو قاموا بمد خطوط المياه من مناطق قريبة منهم، و بقيت السهول في غالب الأحوال فارغة من البناء، الأمر الذي زاد من ازدحام المباني على المساحة في السفوح حول نواة القرية فأصبح المشهد الحضري للقرية مزيج مختلط من المباني التقليدية المتراصة التي تفصل بينها الأزقة الضيقة والمباني الأسمنتية الجديدة التي بُنيت موازية للشوارع. 3.3 مرحلة الاحتلال الإسرائيلي عام 1948م والإدارة الأردنية والمصرية مع بداية الاحتلال الإسرائيلي عام 1948م توقفت كل أشكال التحولات في البيئة المعمارية والحضرية، فقد شهدت تلك الفترة شهدت تهجيرا للسكان من أكثر من 400 بلدة وقرية فلسطينية، وبدأت الحكومة الاسرائيلية الوليدة بوضع خطط تهدف لمصادرة الاراضي والسيطرة عليها وقد ورثت نموذج التخطيط البريطاني وقامت بالتعديل عليه بما يخدم تحقيق اهدافها، فقامت بتقسيم فلسطين إلى ثلاثة مناطق إدارية (ما يعرف بإسرائيل، الضفة الغربية، وقطاع غزة) وخضع كل منها لهيئات سياسية وقوانين تنظيم وبناء مختلفة(4). كانت المنطقة التي أُقيمت بها إسرائيل تشكل حوالي 70% من مساحة فلسطين الانتدابية وأدارتها حكومة جديدة ذات سيادة لإصدار القوانين وإعداد الخطط التنموية وفقا لاحتياجاتها، أما الضفة الغربية فخضعت للسيادة الأردنية التي أصدرت قانون تنظيم وأبنية معدل رقم 79 لعام 1966م، وقطاع غزة خضع للإدارة المصرية التي أبقت قانون تنظيم المدن لعام 1936م ساري وأجرت عليه بعض التعديلات(4,23)، كما نرى فإن قوانين التخطيط التي تحكمت في الأراضي الفلسطينية وشكلت ملامحها كانت إلى ذلك الوقت مُّصدرة إليها من أقطار ومجتمعات شتى تختلف عنها من النواحي الاجتماعية والثقافية والبُنيوية وتم فرضها دون التطلع إلى احتياجات مجتمعاتنا الحقيقية. الضفة الغربية التي أصبحت تابعة للحكومة الأردنية شهدت موجة كبيرة من اللاجئين بعد حرب عام 1948م، مما أدى إلى زيادة في عدد القرى العربية في الضفة الغربية وقطاع غزة بنسبة كبيرة إذ زاد عدد القرى بمحافظتي الخليل والقدس بنسبة 144% وقرى منطقة نابلس بنسبة 25%، وقد انعكس ذلك على تركيبة المدن والقرى في الضفة، ولم تقم الحكومة الأردنية بتعديل نظم التخطيط البريطاني واقتصر تدخلها على إعداد بعض المخططات الهيكلية لبعض المدن، لم تلبي هذه المخططات احتياجات السكان وعملت على الحد من التطوير العمراني ولم تُخصص أراضي كافية للمباني العامة وشبكة الطرق، ويُعزى ذلك إلى أن تلك المخططات لم تأخذ بعين الاعتبار الاحتياجات السكانية والتحولات الديموغرافية والمتطلبات الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع(4) . 3.3.1 تأثير فترة الاحتلال عام 1948م والإدارة الأردنية والمصرية على القرى شهدت الفترة الممتدة من عام 1948م إلى عام 1967م، غياب لقوانين ومؤسسات تخطيط تعمل على ضبط عملية التوسع والعمران الجديد، رغم أن هذه الفترة كانت مرحلة مفصلية على صعيد العمران بالمنطقة أجمع حيث بدأت تظهر مواد وتقنيات البناء الجديدة من خرسانة مسلحة وبلوك، مما قلل من الوقت والجهد المبذولين في البناء، وقد انعكس غياب القوانين والأنظمة المتعلقة بالبناء إلى بداية التوسع العشوائي خارج مراكز القرى التاريخية، إذ كان القطاع الخاص هو المسؤول الأول في تحديد اتجاه وطريقة النمو الجديدة، فكل من يملك أرض ويمتلك القدرة المادية للبناء كان بمقدوره البناء بالطريقة والشكل الذي يحدده صاحب البيت والبَّناء، مما أدى إلى توسعات عمرانية عشوائية على حساب الأراضي الزراعية سواء قريبة من الشوارع أو بعيدة عنها، فكانت الشوارع تتبع الأبنية التي أقيمت(24,25). كان النمط المعماري للأبنية الجديدة مختلف عن النمط الذي تميزت به مراكز قرانا، فمن حيث مواد البناء بدأ استخدام الخرسانة والطوب وبدأ الحجر الطبيعي الذي ميز أبنية مراكز القرى بالاختفاء من المشهد، كما اختفت العقود والقباب لتحل الأسطح المستوية مكانها، كما أدى إنشاء الأحياء الجديدة خارج حدود المراكز إلى تراجع الأهمية الوظيفية للفراغات العمرانية الموجودة بالمراكز، حيث أدت الاحتياجات الجديدة التي فرضتها الظروف إلى فراغات جديدة، مثل المدارس والعيادات الصحية والتي أقيمت في الأحياء الجديدة خارج مراكز القرى، مما رافقه تقلص في الأهمية الوظيفية للمراكز، إلى أن التوسع كان في هذه الفترة محدود، إذ أن ظروف الحرب والاحتلال أدت إلى تدني القدرة المادية للسكان. 3.4 مرحلة الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 بعد احتلال اسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967م، أقامت اسرائيل مؤسسات تخطيط جديدة، استمرت من خلالها بالعمل بالقوانين البريطانية مع اجراء تعديلات تتناسب مع رغبة الاحتلال في ضبط التطور العمراني في الأراضي الفلسطينية والسيطرة عليها ولإبقاء الفلسطينيين في مناطق يسهل حكمها، فقامت بإعداد مخططات هيكلية لبعض المدن والقرى، كما وضعت مخططات اقليمية شاملة بتوجيهات من وزير الدفاع موشيه دايان، وارتكزت هذه المخططات على مبدأين رئيسيين هما ربط اقتصاد الضفة الغربية مع اسرائيل، والسيطرة على الأراضي التي تحيط بالقرى والبلدات الفلسطينية واستخدامها كمناطق عسكرية أو بؤر استيطانية وربط هذه المستعمرات مع اسرائيل بشبكة كبيرة من الطرق، مما أدى إلى تقليص ومصادرة الكثير من مساحات الأراضي التي تقع حول القرى والبلدات الفلسطينية والتي تعتبر مناطق التوسع الطبيعي لها(20,26). خلال تلك الفترة التي استمرت لغاية عام 1993م، لم يكن للفلسطينيين سيطرة فعلية على إدارة مؤسسات التخطيط، إذ كانت قوانين التخطيط تُفرض عليهم بمستويات وأشكال متعددة، كما أن ارتباط قوانين التخطيط بمصادرة الأراضي لصالح الدولة الاسرائيلية المحتلة شكّل نظرة سلبية لدى الفلسطينيين تجاهها مما أدى إلى معارضتها، خاصة أن التخطيط كان يُفرض تدريجيا من قِبل سلطة الاحتلال الإسرائيلي ليخدم سياساتها الاستيطانية وأهدافها الخاصة، هذا الوضع أسهم في تعزيز ذهنية الرفض لدى الفلسطينيين لكل ما يصدر عن مؤسسات التخطيط(20). وقد شهدت تلك الفترة متطلبات جديدة لسوق العمل، فانتشرت المهن اليدوية والأكاديمية في المدن والبلدات، مما دعا أبناء القرى لترك مهنة الزراعة التي أصبح عائدها المادي أقل مقارنة بالأعمال الاخرى، فشهدت القرى في تلك الفترة معدلات هجرة عالية، سواء هجرات داخلية من القرى إلى المدن أو هجرات خارجية إلى دول الخليج خاصة، في نفس الوقت ظهرت نظرية اقتصادية صهيونية عملت على تفكيك ما تبقى من بُنية المجتمع الريفي، حيث وفرت عشرات الاف الفرص في الداخل المحتل والمستعمرات في الضفة الغربية، والتي لاقت قبولاً واسعاً من قبل الريفين في ظل الأوضاع الاقتصادية السيئة، حيث قام الاحتلال الاسرائيلي من ثمانينيات العقد الماضي وإلى الان بتوفير عشرات الاف فرص العمل لمعظم سكان القرى الفلسطينية الممتدة من قرى جنين وحتى قرى الخليل(27). 3.4.1 تأثير فترة الاحتلال عام 1967 على القرى أدى استمرار غياب مؤسسات التخطيط والقوانين والتشريعات التي تضبط عملية البناء إلى استمرار التوسع العشوائي حول مراكز القرى، وتصاعد للأبنية الخرسانية متعددة الطوابق ذات الأسقف المسطحة التي حملت هوائيات التلفاز وخزانات المياه حول المراكز التاريخية كما توضح الصورة(ي) في الملحق، وقد شارفت أنماط البناء التقليدية والحرف المرتبطة بها على الانقراض بعد أن غير حرفين البناء التقليدي حرفهم بما تناسب مع سوق العمل الجديد، واستمر اتجاه النمو الجديد نحو الأراضي الزراعية بشكل عشوائي. كما أدت العقود المتتالية من اهمال المراكز إلى تراجع الأهمية التي شكلتها، لتتحول شيئا فشيئا إلى الحي الذي يقطنه الطبقة الفقيرة في القرية، فكل من يملك القدرة المادية قام بالبناء خارج المركز، حتى الخدمات والمباني العامة أقيمت خارج حدود المراكز، فهُجرت العديد من الفراغات العامة والبيوت السكنية التي شكلت النسيج العمراني الأول للقرى، كما تعرضت العديد من أبنية المراكز إلى تدخلات عشوائية، سواء بالهدم أو بإضافة مساحات جديدة لها بمواد بناء ونمط عمراني لا تناسب معها. نتيجة لظاهرة الهجرة السكانية الكبيرة التي شهدتها المدن والقرى بعد حرب عام 1967م، وابتعاد أبناء الريف عن الزراعة منغمسين في الثقافة الاستهلاكية، فقد تحولت القرى من أماكن منتجة إلى أماكن تضخ العمال الى المدن القريبة والبعيدة، مما يعني تحولات في التركيبة الاجتماعية للقرى، حيث أن المجتمعات الزراعية تتشارك مع بعضها بروابط اجتماعية وثيقة، فقد قل ترابط هذه المجتمعات بالتغيرات الجديدة، مما انعكس على نمط العمارة في التوسعات الجديدة، حيث اختفت الفراغات التي كانت تمثل أماكن التقاء عائلة أو عدة عائلات مع بعضها، كما مثلت الأحواش الفراغ شبه الخاص في المراكز ومع اختفائها فإن سكان الأحياء الجديدة أصبحوا ينتقلون من الفراغ الخاص وهو المنزل إلى الفراغ العام وهو الشارع مباشرة، كما أدت زيادة معدلات الدخل نتيجة العمل في الداخل المحتل أو الأموال التي بعثها أبناء القرية لأهاليهم من العمل بالخارج إلى زيادة في معدلات البناء مقارنة بالمرحلة السابقة. 3.5 مرحلة السلطة الوطنية الفلسطينية مع توقيع اتفاقية أوسلو سنة 1993م شهدت بلداتنا وقرانا طفرة في البناء غيرت من المشهد العمراني والحضري لها، فقد قسمت الاتفاقية الضفة الغربية الى ثلاث مناطق، (أ، ب، ج) حيث المناطق (أ) تعتبر تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، وقد عملت السلطة على تشجيع أعمال البناء والتوسع في هذه الأراضي، وكان التوسع أقل في المناطق (ب) التي تتبع إدارياً وتنظيميا للسلطة الفلسطينية وأمنياً لإسرائيل و(ج) التي تتبع إداريا وتنظيميا وأمنياً لإسرائيل(4). تزامن مع تشكيل السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994م تأسيس وزارة الحكم المحلي، وقد زاد عدد الهيئات المحلية ليصبح 510 هيئة موزعة بين بلدية أو مجلس قروي أو لجان مشاريع للتجمعات الصغيرة(4)، وكان الهدف من هذه المجالس أن تنهض بمستوى الخدمات في الريف الفلسطيني. بدأت بلديات القرى والمجالس المحلية عملها تحت ظل السلطة الوطنية الفلسطينية الجديدة، إلا أن الاحتلال الإسرائيلي بقي يضع العراقيل أمام عمل هذه البلديات لإبقائها تحت سيطرته، كما أن ضعف ميزانية البلديات وسيادة النزعة العائلية والعشائرية في انتخاب رؤساء البلديات، عمل على الحد من تقدم وازدهار عمل هذه البلديات، خاصة وأن هذه القرى قد مضى عليها عقود متتالية من الإهمال الإداري والتنظيمي، لتجد البلديات نفسها أمام وضع قائم صعب ومشاكل تخطيطية لا يمكن حلها بخطط على المدى القصير فخلال هذه العقود تم بناء عشرات وفي بعض القرى مئات من المنازل غير المرخصة، كما أن العديد من هذه الأبنية كان لايزال يفتقر إلى الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء، فباشرت البلديات عملها بتقديم الخدمات العامة الأساسية من تعبيد للطرق التي كانت قد شُيدت بفعل بناء المنازل بشكل عشوائي، وتقديم الخدمات العامة من شبكة مياه وكهرباء ضمن مقدرتها، ومنح تراخيص البناء(28)، أما المراكز فبقيت على حالها دون تدخلات تذكر وبقي اهتمام البلديات الأكبر مُنصباً على الأحياء الجديدة. 3.6 واقع القرى ومراكزها استمر النمو العمراني العشوائي خارج مراكز القرى نحو الأراضي الزراعية، فرغم أن أغلب البلديات قامت بوضع مخططات هيكلية تُحدد استخدامات الأراضي، إلى أن ضعف الرقابة ومظاهر الفساد الإداري لازال ظاهرا ومتمثلاً بالأبنية المخالفة والاعتداءات المتكررة على الشوارع العامة التي يمكن مشاهدتها خلال التجول في أي قرية من قرانا، وقد أدت هذه الاعتداءات والمخالفات إلى تشويه مناطق الالتقاء بين المراكز التاريخية والأحياء الجديدة، مما صعب عملية تحديد الحدود الدقيقة لكثير من مراكز القرى، كما مثلت عائق كبير أمام عمل البلديات من شق طرق ومد شبكة المياه والكهرباء وغيرها من الخدمات (28). إن الأبنية الجديدة التي أنشئت حول المراكز لا تمتلك اي ارتباط مع البيئة المحيطة والإرث المعماري الذي تميزت به مراكز قرانا، كما أنها اعتدت في كثير من الأحيان على الأراضي الزراعية الخصبة التي تقلصت أصلاً بفعل عمليات المُصادرة المستمرة للأراضي التي تبنتها السلطات الإسرائيلية منذ بداية احتلالها وإلى غاية الان، والتي ازدادت معدلاتها بعد احداث السابع من أكتوبر لعام 2023، حيث بدأت سلطات الاحتلال بفرض العديد من السياسات الجديدة من اغلاق للطرق الرئيسية والاقتحامات المتكررة للقرى والمدن الفلسطينية على حد سواء بغض زيادة فرض سيطرتها وتعزيز وجودها في كافة مناطق الضفة الغربية والتي أدت الى تراجع ملحوظ في جميع اشكال التنمية، ورغم انتهاء حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل اثناء كتابة هذه الرسالة الى ان تبعاتها الاجتماعية والاقتصادية لم تحدد بشكل واضح بعد نظرا الى استمرار السياسات القمعية التي تبنتها إسرائيل منذ بدء الحرب الأخيرة، الا أن التأثير الملموس على البيئة المعمارية كان تراجع معدلات البناء الجديد في جميع الريف الفلسطيني. كما حصلت تغيرات جذرية في التركيبة الاجتماعية في قرانا حيث تلاشت صلة الفلاحين بأرضهم عبر نظام ثقافي حداثي جعل الريفين ينغمسون بالثقافة الاستهلاكية وتجردوا من صفة الانتاج، كما تم تزين فكرة الهجرة إلى المدن والانخراط في برامج القروض لتحقيق مظاهر الرفاهية التي تميزت بها مجتمعات المدن، وأدى عمل القسم الأكبر من أبناء القرى في الداخل المحتل إلى غياب شبه كامل للعنصر الذكوري في القرى خلال معظم أيام الأسبوع، وعلى ضوء العائد المادي العالي وتحسن مستوى الدخل تسللت أفكار الرأس مالية البحتة إلى عقول سكان القرى فتغيرت التركيبة النفسية لهم وأصبحوا باحثين عن المال، ساعين وراء القيم الاستهلاكية، إن هذا الواقع المؤلم أنتج ريفا فلسطينياً ذو ارتباط هزيل بأرضه وإذ لم تكن هناك عمليات انعاش للريف الفلسطيني تضمن مشاريع استراتيجية وقرارات من شأنها النهوض بالمجتمع الريفي سيبقى فرسية سهلة للمخططات الصهيونية التي تستهدف وجوده وكيانه. فرغم نمو المراكز التجارية في القرى والتغيرات الاقتصادية العالمية إلا أن قرانا لازالت غير مُصَنِعة رغم تخصيص بعض المساحات في خرائطها الهيكلية لهذا الغرض، إلا أنها لازالت تفتقر إلى الكوادر الصناعية والمهنية والفنية المدربة، فكل الصناعات الموجودة في قرانا هي استهلاكية فقط، فهذه مصانع البلوك والبلاط وورش النجارة والحدادة شاهده على ذلك. بعد استعراض نشأة وتطور القرى الفلسطينية بمراحلها المختلفة وتحليل العوامل التي ساهمت في تشكيل نسيجها المعماري والحضري، والتوقف عند المراحل المفصلية التي أحدثت تغيرات جوهرية في بنيتها وتركيبها الحضري تبرز الحاجة الى اختيار ودراسة حالة محددة وذلك للوصول إلى فهم أعمق لواقع القرى الفلسطينية، حيث نسعى في الفصل التالي من هذه الدراسة إلى تناول قرية بديا كنموذج على القرى الفلسطينية التي طرأ على تكوينها العمراني والحضري تغيرات جذرية ودراسة انعكاس المراحل المختلفة على نسيج نواة القرية العمراني والحضري، بهدف تشخيص المشكلات الحالية والوصول الى اقتراحات استراتيجية وحلول من شأنها تحسين الوضع القائم بالقرى الفلسطينية بشكل عام وقرية بديا بشكل خاص. الفصل الرابع تحليل الحالة الدراسية – بديا 4.1 نبذة عامة عن بديا بديا بلدة فلسطينية جبلية، تتبع إداريا لمحافظة سلفيت وتعد من البلدات الكبيرة في المحافظة، تقع في الجنوب الغربي من نابلس على الشارع العام المؤدي إلى كفر قاسم، وأسم القرية مشتق من الكلمة الآرامية "بدَة" وتعني مكان عصر ثمار الزيتون، والبُّد هو الجذع الثقيل المستخدم في عصر الزيتون وفي ذلك إشارة إلى كثرة أشجار الزيتون فيها، حيث تعد بديا واحدة من القرى الأكثر إنتاجا لزيت الزيتون في فلسطين وسادس قرى قضاء نابلس في غرس الزيتون(29)، وقد اكتسبت القرية أهمية خاصة نتيجة خصوبة أراضيها ووقوعها على طريق نابلس- يافا الذي جعل منها محطة أثناء السفر من شرق فلسطين إلى الساحل، وتعتبر القرية اليوم مركز جذب تجاري وصناعي لجميع مناطق غرب نابلس. الشكل 2 موقع بديا المصدر: الباحث بالاعتماد على موقع جيو مولج للمعلومات المكانية في فلسطين(30). تقع بديا في منطقة وسط فلسطين وهي بلدة جبلية توجد على بداية السلاسل المطلة على ساحل البحر الأبيض مقابل يافا كما هو موضح بالشكل رقم 2، و يتراوح ارتفاعها عن سطح البحر بين 285 م عند "البدوري" جنوب شرق القرية إلى 375 م عند "الحاووز" شرق القرية، حيث يمكن رؤية الساحل الفلسطيني من العديد من أسطح منازل القرية، ومناخها هو مناخ ساحل المتوسط المعتدل حيث متوسط الحرارة فيها خلال العام 15 درجة، ترتفع في الصيف لتصل الثلاثينات وتهبط في الشتاء إلى ما دون العشر درجات، وقد سجل معدل سقوط الأمطار فيها ليكون 739 ملم، تبعد القرية عن مدينة نابلس مسافة 32 كم، وتقع على بُعد 10.27 كم شمال غرب سلفيت(31). تحيط القرية الأراضي المشجرة بالزيتون من الشمال والغرب والجنوب أما من الشرق فتلتقي مساكن بديا بمساكن كل من سرطة وقراوة بني حسان، أما حدودها الإدارية فيحدها من الشرق قراوة بني حسان وسرطة، ومن الجنوب كفر الديك وسنيريا، ورافات والزاوية ومسحة من الغرب، وكفر ثلث من الشمال، تقدر مساحة بديا الكلية 13466 دونم دخل منها في المخطط الهيكلي مساحة 2000 دونم، تشغل منه البنية التحتية والمنازل السكنية مساحة 1570 دونم، أما باقي المساحة فهي أراضي زراعية مشجرة بالزيتون في الغالب(31,32). 4.2 أسباب اختيار الحالة تم اختيار قرية بديا لتكون الحالة الدراسية نظرا للأسباب التالية: · تُعد بديا أحد الأمثلة الحية على القرى التي نمت وتوسعت بشكل كبير ومتسارع، حيث ارتفع معدل نمو السكان في العقود الأخيرة من القرن الماضي ليصل إلى 2.9 وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2025، وحيث أن الزيادة في عدد السكان تعني زيادة في عدد المساكن والمساحة المبنية، ولغياب القوانين التنظيمية والتغيرات الجذرية التي حصلت للمجتمعات الريفية في منتصف ونهاية القرن الماضي فقد اتسم هذا التوسع بالعشوائية وعدم التنظيم، ولتشابه هذه الصورة العامة مع أغلب قرى الضفة الغربية فإن نتائج هذا التحليل بإمكانها أن تكون شاملة للعديد من القرى الفلسطينية، كما أن هذا التشابه يوفر للقارئ معرفة أعمق بالواقع الحضري للقرى الفلسطينية بشكل عام. · لم يقتصر التشابه بين بديا والعديد من القرى على النمو المتسارع فحسب، حيث أن بديا كأغلب القرى الفلسطينية لازالت تمتلك حيز نواة القرية الفيزيائي محتفظة بالعديد من المباني والمواقع الأثرية التي تمكننا من دراستها وتحليلها، فقد أشار تقرير مؤسسة رواق التي أجرت مسحاً ميدانياً للقرية إلى وجود 150 بناء قديم ووجود العديد من المواقع المعمارية التي يعود تاريخ بنائها إلى القرن الثامن عشر، كما هو موضح بالصورة (ك) في ملحق الرسالة، حيث يبرز هذا الإرث المعماري أهمية بديا كموضوع للدراسة ويضيف للبحث زخم ثقافي ومعرفي. · كان لموقع القرية دور كبير لاختيارها كحالة دراسية، فقد ساعدها موقعها الجغرافي المميز بأن تصبح تجمع حضري مركزي لقرى محافظة سلفيت، حيث تعتبر في الوقت الحاضر نقطة جذب اقتصادي لسكان القرى المجاورة لما تحتويه من خدمات عامة مثل البنوك والمحكمة الشرعية والأنشطة التجارية والصناعات الخفيفة وغيرها من الأنشطة العامة التي اكتسبتها بسبب موقعها. · تركزت معظم الدراسات الحضرية التي تناولت موضوع التوسع العشوائي على المدن، وحتى تلك التي تناولت الريف لم يكن لقرية بديا نصيب منها، إذ لم تتوفر اي دراسات من الباحثين والمخططين للقرية، واقتصرت الأبحاث والدراسات المتعلقة بالجانب الحضري لقرية بديا على بعض التقارير الحكومية والمسوحات الميدانية لبعض المؤسسات. · أُتيحت لي (الباحث) فرصة الاستقرار في بديا لمدة خمس سنوات، وقد أضافت لي هذه التجربة معرفة معمقة بواقع القرية ومجتمعها الأمر الذي مكنني من دراستها بصورة أكثر وضوحاً، فقد تجولت في ازقتها وجلست مع سكانها من مختلف الأجيال لأتحاور معهم وأسمع منهم، فقد كانوا شاهدين على مراحل القرية المختلفة الأمر الذي كان له فضل كبير في إثراء هذا الفصل. 4.3 نشأة القرية - نطرة تاريخية نظرا لأصل التسمية " بدة " من اللغة الآرامية فعلى الأرجح أن القرية كانت مسكونة منذ العصور الكنعانية، أما الشواهد المادية على تاريخ القرية فإن أقدمها خربة سليتا وخربة حزيما جنوب القرية الحالية كما هو موضح بالشكل رقم 3، وهي عبارة عن مجموعة من الكهوف والابار المحفورة بالصخر والتي ما زالت ماثلة إلى يومنا هذا، حيث ما زال أهل القرية يستخدمون بعض تلك الابار لري الأراضي الزراعية في تلك المنطقة، أما باقي ملامح هذه الخرب فقد ضاعت بسبب الفترة الزمنية الطويلة التي مرت على هجرها وبسبب زراعة أشجار الزيتون على أبواب الكهوف، بات من الصعب تميز ملامحها وإظهارها دون إحداث ضرر بأشجار الزيتون، وقد تم حفر وسرقة محتويات الكثير من هذه الكهوف واستخراج العديد من الاواني الفخارية ذات القيمة الأثرية الكبيرة والتي تسربت للتجار مجهولين الذين هم غالبا من الصهاينة(5)، كما تحتوي خربة سليتا على آثار لمعاصر زيتون عبارة عن حُفر محفورة بالصخر يعلوها حجر ثقيل أُستخدم كإناء لسحق حب الزيتون ليتم استخراج الزيت منه، وتعطي الخربة انطباع أنها المكان الأول لبديا قبل أن يتم التحول منها لسبب نجهله لموقع بديا الحالي، سواء كانت هذه النظرية صحيحة أم لا إلا أن هذه الخرب بالمحصلة هي أقدم شاهد مادي في القرية. أما عن التاريخ الحديث فقد تبعت بديا إلى الدولة العثمانية كباقي مناطق فلسطين والشام في عام 1517م، وكانت تتبع إداريا إلى سنجق نابلس الذي كان يتبع ولاية بيروت حتى نهاية الحكم العثماني، وقد ظهر أسم بديا لأول مرة في سجلات الضرائب العثمانية في عام 1596م، حيث دفع سكانها معدل ثابت للضريبة بنسبة الثلث على المنتجات الزراعية المختلفة، مثل القمح والشعير والمحاصيل الصيفية والزيتون والماعز وخلايا النحل(5). وبعد انتهاء الحكم العثماني عام 1916م، وقعت بديا كباقي فلسطين تحت الانتداب البريطاني، ثم الادارة الأردنية، ثم الاحتلال الاسرائيلي عام 1967م، واخيرا تبعت للسلطة الوطنية الفلسطينية عام 1993م، كان لكل فترة من هذه الفترات تأثيرها الخاص على نسيج القرية العمراني وتركيبتها الحضرية، فقد نشأت بديا في البداية كقرية زراعية بسيطة، معتمدة على علاقتها بالأرض ونتاجها، لتتحول مع مرور الوقت إلى مركز حيوي في محافظة سلفيت والقرى المجاورة، حيث أصبحت في الوقت الحاضر نقطة جذب تضم الصناعات والورش المهنية، إلى جانب البنوك والمرافق الخدماتية العامة التي تفتقر لها القرى المجاورة، هذا التحول الكبير والمتسارع ترك تأثيرات واضحة على بنية القرية الحضرية ونسيجها العمراني بشكل عام وعلى مركزها التاريخي بشكل خاص، وسعياً لفهم ديناميكية هذا التوسع ودراسة هذه التأثيرات يصبح من الضروري تتبع مراحل النمو العمراني وتحليلها، بعد تحليل مركز القرية التاريخي. 4.4 تحليل مركز بديا التاريخي نشأت بديا كقرية زراعية اعتمد سكانها على الزراعة والرعي في حياتهم وقد أجرى صندوق استكشاف فلسطين الغربية مسحاً للبلدة عام 1882م ووصفها بأنها " قرية متوسطة الحجم، منازلها من الحجر، تحيط بها بساتين جميلة من أشجار الزيتون القديمة الجميلة، ومن الواضح أنها موقع قديم."(33). في عام 1922م بلغ عدد سكان بديا 793 نسمة، اعتمدوا على الزراعة وتربية المواشي في حياتهم(32)، وقد انعكس أسلوب حياتهم على استعمالات الأرضي فكانت النواة التي تشكل المركز السكني الذي يُعبر عن الحياة الاجتماعية ويحتوي على البيوت وبعض المرافق العامة التي بُنيت بشكل متلاصق يفصل بينها الأزقة الضيقة، وقد أختار سكان بديا الجزء العلوي من سفح الجبل ليكون موقعاً لهذه النواة، حيث الأرض الصخرية غير الوعرة التي وفرت أساس صخري قوي للبيوت، أما السهول والوديان المحيطة فكانت عبارة عن أراضي زراعية وقد شكلت النسبة العظمى من مساحة أراضي بديا ومثلت الإنتاجية والامتداد الطبيعي للنواة، فكانت السهول والوديان جنوب وغرب النواة السكنية تُزرع بالزيتون واللوزيات والتين والعنب، أما السفوح القريبة شمال وشرق القرية، فقد استخدمت لزراعة الحبوب وبعض الخضروات البعلية أما المناطق البعيدة والوعرة في أقصى جنوب وشمال القرية فقد تُركت للرعي. وبعد إجراء المسوحات الميدانية والتحاور مع أبناء القرية الذين تجاوز بعضهم عمر السبعين عام فقد تبين أن مركز القرية كان إلى غاية عام 1950م يتكون من ثلاث حارات وهي: حارة السكن نسبة إلى رماد النار وتعتبر الحارة الأقدم، وحارة الديوان، والحارة الشامية، كما هو موضح بالشكل رقم 3. الشكل3 موقع مركز بديا التاريخي المصدر: الباحث بالاعتماد على موقع جيو مولج للمعلومات المكانية في فلسطين. 4.4.1 المكونات العمرانية للمركز لقد شكلت البيوت المتلاصقة التي يفصل بينها الأزقة الضيقة هذه الحارات وكانت البيوت في تلك الفترة هي المكون المادي الأساسي للنسيج العمراني، يمكن وصف البيوت في تلك الفترة أنها مُتعددة الاستخدامات، حيث استخدمت للسكن والتخزين وتربية المواشي والدواجن، وكانت كل مجموعة من هذه البيوت المتلاصقة تشترك مع بعضها بفراغ يسمى الحوش، والحوش أو الفناء هو فراغ معماري مفتوح مُحاط بعدد من البيوت يسكنها عدد من الأسر التي تنتمي إلى نفس العائلة، وقد احتوت هذه النواة بجانب البيوت والأحواش على بعض الأبنية والمرافق العامة والأماكن التي تجمع فيها أهالي القرية مثل: 1- ديوان القرية - ديوان آل سلامة يقع في الجهة الشرقية من المركز في حارة الديوان وهو عبارة عن بناء حجري، أبعاده 6م*8م، ما زال قائماً ولكنه مهجور، يوجد على مدخله ساحة مفتوحة أستخدمها أهل القرية في الصيف للجلوس ولإحياء الحفلات والمناسبات المختلفة، كما أحتوى الديوان على بئر مياه وغرفة خدمات، ويَذكُر أهل القرية أن محمود العودة هو من قام ببناء هذا الديوان على أرضه في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي. 2- مسجد عمر بن الخطاب يقع المسجد في الجهة الغربية من مركز القرية في حارة السكن وهو أول مسجد أُسس في بديا وأقدم بناء ما زال قائم حتى اليوم، وقد تم ترميمه وإعادة افتتاحه عام 2024م على نفقة أحد ابناء القرية، ويعود تاريخ بنائه لعصر المماليك(5) وبُني على يد نعوس أبو عبد الله بتبرع من أحمد أبو طه كما تُشير النقوش المحفورة على واجهته فوق المحراب ولا تتوفر أي معلومات موثقة عن هذين الشخصين. لم تقتصر أهمية هذا المسجد على البُعد الديني فقط، إذ كان يُستخدم للتعليم ايضاً، وقد قُسم إلى حُجرتين وتم تعليم العديد من أبناء القرية فيه، وكان التعليم يبدأ غالباً من سِن السابعة مُقتصراً على الذكور دون الإناث، وقد رَكز التعليم في ذلك الوقت على محو الأُمية أي تعليم القراءة والكتابة وتلقين القرآن، وكان التعليم بشكل عام يبدأ من الصف الأول لغاية الصف الرابع، فكانت الفئات العمرية من الصف الأول والثاني في غرفة والثالث والرابع في الغرفة الأخرى(5). كان على من أراد مواصلة تعليمه بعد الصف الرابع الانتقال إلى مدرسة في قلقيلة، إلى أن تم افتتاح مدرسة في القرية سنة 1925م، وانتقل إليها أبناء القرية، وقد بَقي استخدام مسجد عمر للتدريس حتى أخر الأربعينيات من القرن الماضي فكان مواليد 1935م، يتعلمون في المسجد حتى مع وجود المدرسة وذلك بسبب نقص الغرف الصفية في المدرسة فكانوا يلجؤون للمسجد لاستعماله كغُرف للدراسة(5). 3- مسجد بديا الكبير يقع المسجد في الجهة الشرقية من مركز القرية في حارة الديوان وقد بُني لأول مرة عام 1904م، وما زال مُستخدماً إلى يومنا هذا وتم إجراء بعض التوسعات عليه، ويَذكُر سكان القرية أن المسجد تعرض للهدم بعد عدة سنوات من إنشائه لِيُعاد بناؤه للمرة الثانية عام 1936م(29). 4- ضريح الشيخ علي الدجاني يقع الضريح جنوب مركز القرية في حارة السكن، وهو عبارة عن بناء حجري مربع الشكل، مدخله على شكل قوس ومسقوف بقُبة خضراء، كما هو موضح بالصورة (ل) في الملحق، يعود نسب الشيخ علي إلى آل الدجاني المقدسيين الذين قدموا إلى فلسطين بعد تحرير بيت المقدس من الصليبين على يد الناصر صلاح الدين الايوبي عام 1193م، وقد عُرف ولده أحمد بأنه من كبار رجال الصوفية، وقد توفي الشيخ علي ودفن في بديا عام 1523م (5,29)، أما البناء فلا زال قائماً ولكنه مهجور ولم يتم ترميمه رغم الأهمية الرمزية التي يحملها. 5- معاصر الزيتون اشتهرت بديا بكثافة إنتاجها لزيت الزيتون مُنذ القدم، حيث شكل الزيت عامود الاقتصاد لدى السكان، وقد احتوت القرية على معصرتين للزيتون فقط(5) مما أدى إلى تأخر بعض الفلاحين أسبوعين أو أكثر في انتظار موعد للعصر مما تَسبب في تَحول حب الزيتون إلى كامر أي أن جودته قلت، والمعصرتين هما: · معصرة آل عودة: تُعتبر أقدم معصرة في القرية كما يذكر السكان، حيث يعود تاريخها الى أواخر القرن الثامن عشر، وتعود ملكيتها إلى آل عودة، وتقع المعصرة أمام ديوان آل عودة أي في حارة الديوان، وقد تم ترميمها وإعادة أستخدمها كمعصرة في عام 2019م. · معصرة آل طه: تقع المعصرة في حارة الديوان أيضاً، ويعود تاريخ بنائها إلى أوائل القرن التاسع عشر، هجرت ولم تستخدم منذ نهاية السبعينات من القرن الماضي إلى غاية عام 2007 حيث تم إعادة استخدامها كمحددة، وما زال بناءُها الحجري قائماً وبحاجة إلى ترميم. 6- المركز الصحي أطلق السكان على المركز الصحي اسم الصحية، وكانت أول صحية في القرية عبارة عن غرفة في قصر آل طه تُطل على ساحة المسجد، وقد ذكر سكان القرية أنه كان الطبيب جميل طقطق يحضر من نابلس مرة كل أسبوع لمُراجعة المرضى، ثم انتقل مقر العيادة إلى بيت يوسف الحاج في نفس الحارة، وفي الأربعينيات من القرن الماضي تم بناء عيادة صحية صغيرة تتكون من غرفتين، وتمت توسعتها لاحقا وإعادة استخدامها كمدرسة بنات بديا. 7- قصر آل طه يقع القصر في وسط المركز القديم للقرية في حارة الديوان، يفصل بينه وبين المسجد الكبير زُقاق، وقد بُني القصر لأول مرة عام 1856م، على يد سليمان طه الذي كان مختار بديا في ذلك الوقت(5)، وكان القصر يتكون من طابق واحد وتم استخدامه كديوان ومضافة بالإضافة لاستخدامه السكني، لاحقا عام 1904م قام أحد أبناء سليمان طه بإضافة طابق اخر وأجرى بعض الإصلاحات الداخلية له، كانت الفترة ما بين 1905م وحتى الحرب العالمية الأولى سنوات ازدهار القصر إذ كان يجتمع فيه كبار البلد وشيوخها كما استضاف القصر عيادة أسبوعية مما زاد من أهميته لدى السكان. لاحقاً عام 2004م قامت مؤسسة رواق بتمويل من الوكالة السويدية (سيدا) Sida بترميم القصر وتم الانتهاء من أعمال الترميم سنة 2011م، وتم استخدامه كمقر لجمعية نساء من أجل الحياة لمدة 15 سنة مقابل ثمن الترميم كما نص الاتفاق بين المالك والجمعية، وبعد تسليم المبنى لمالكه في عام 2022م لم يتم استخدام القصر إلى غاية وقتنا الحالي، الصورة (م) توضح الوضع الحالي للقصر. كما احتوت القرية بجانب هذه الأبنية والمرافق العامة على بعض الفراغات العمرانية التي أستخدمها السكان في مجالات متعددة، وكانت هذه الفراغات على النحو التالي: 1- البيادر تعد البيادر أحد أهم الفراغات التي كونت القرى الريفية كما ذكرنا بالفصل الثاني من هذه الدراسة، فكان السكان يختارون أرض مفتوحة في منطقة مرتفعة لجمع المحاصيل من شعير وقمح، وقد أختار سكان قرية بديا المنطقة الجنوبية الغربية من المركز لتكون مكاناً لهذه البيادر ويذكر سكان القرية عدة بيادر كانت موجودة إلى غاية السبعينات من القرن الماضي وهي: · بيدر سالم الداهود: يقع إلى الجنوب من حارة السكن وهو جزء من المقبرة الحالية للقرية الان. · بيدر ال ابراهيم: يقع إلى الجنوب من حارة السكن وهو جزء من المقبرة الحالية للقرية أيضا. · بيدر ال بعدين: يقع جنوب غرب حارة السكن وتم التبرع بجزء منه للمقبرة والجزء الاخر تم بناء بيوت عليه لاحقا. 2- الساحات شكلت الساحات إحدى مراكز التجمعات المهمة لأبناء القرية، وقد تشكلت هذه الساحات بطريقة عفوية دون تخطيط مسبق كباقي مكونات القرية العمرانية، ويذكر السكان وجود ساحتين في القرية وهما: · ساحة الجامع: شكلت ساحة الجامع مركز رئيسي للحياة الاجتماعية في القرية، واكتسبت أهمية خاصة بفضل موقعها الذي يتوسط القرية أمام الجامع الكبير في قلب القرية، استخدمها السكان لعرض مُنتجاتهم الزراعية بغرض بيعها، مما جعلها نقطة تفاعل يومي حيوي، وقد احتوت الساحة على مقاعد حجرية بُنيت على جدار الجامع، وكانت تتوسطها شجرة كينا كبيرة أُحيطت بحوض حجري شكل مقعدا مُظللاً لروادها، ما زالت هذه الساحة قائمة إلى يومنا هذا ولم تفقد أهميتها إلا بعد مشروع ترميمها الذي أُجري عام 2018، حيث بقيت حتى ذلك الوقت نقطة تجمع رئيسية للسكان وخاصة يوم الجمعة حيث كان يأتي المزارعين من القرى المجاورة ليعرضوا منتجاتهم فيها، وقد عمل مشروع الترميم على الحد من إمكانية تحرك المستخدمين فيها عن طريق إضافة أحواض زراعية مبنية من الطوب لتتحول من ساحة مفتوحة إلى فراغ يحتوي بعض المقاعد المعدنية وأحواض لنباتات الزينة. · ساحة الديوان: تقع هذه الساحة في الجهة الغربية من حارة الديوان، عند مدخل الديوان تحديداً، تميزت هذه الساحة بطابعها الاجتماعي نظرا للفعاليات التي كانت تقام فيها، حيث اعتاد أهالي القرية التجمع فيها عند إقامة المناسبات المُختلفة، كما جلسوا فيها صيفا بدل الديوان، إلى أنه تم هجرها بعد أن تم هجر الديوان، ولم تُستخدم إلى غاية الان. 3- بركة بديا تم إنشاء البركة في عهد الانتداب البريطاني، وتقع البركة في الجهة الجنوبية من المركز في حارة السكن(32)، وقد ذكر السكان بأنها كانت تُعتبر اخر مكان في المنطقة السكنية للقرية، وقد استخدمها السكان لري المزروعات وسقي الدواب، كما ذكر العديد من كبار السن أنهم تعلموا السباحة فيها. الشكل4 المكونات العمرانية لمركز بديا التاريخي المصدر: الباحث بالاعتماد على موقع جيو مولج للمعلومات المكانية في فلسطين 4.4.2 تحليل النسيج العمراني للمركز بناء على ما سبق اصبح بالإمكان تخليل النسيج العمراني للقرى عن طريق التحليل المورفولوجي حيث يتم تحليل المخطط العام من خلال دراسة توزيع استخدامات الأراضي والعناصر العمرانية وتوزيع شبكة الشوارع ثم تحليل تطور هذا النسيج عبر المراحل الزمنية المختلفة لمعرفة اتجاهات واشكال النمو، وفي هذا السياق فقد تشكل النسيج العمراني للقرية من مجموعة من الأبنية المتلاصقة مع بعضها والمتشابهة الى حد كبير في نمطها المعماري ومواد بنائها، فكانت كل البيوت مكونة من طابق واحد بالغالب، ويحتوي كل بيت على غرفة أو غرفتين تستخدم للنوم والضيافة، وأضيف لاحقاً عدة غرف تم استخدامها للتخزين وكمأوى للدواب والدواجن، كما تم عمل فتحة صغيرة بالجزء العلوي من غرف التخزين سميت بالروزنة، كانت تستخدم للتهوية وقد تركت مفتوحة بالصيف وذلك لضمان تجديد الهواء وحتى لا يتجمع الهواء الرطب بالأسفل فتتعفن الحبوب، كما بُنيت البيوت من الحجارة وسقفت بالقباب المدعمة بالعقود المتقاطعة أو البرميلية والأقواس الحاملة، وقد قصرت من الداخل بالطينة الجيرية، أو أنها بُنيت من الطين واللبن وسُقِفت بجذوع الأشجار الضخمة والحطب والطين وفي هذه الحالة تسمى "سقيفة" عاش فيها ذوي الدخل المحدود. كان أغلب السكان يملكون بيوتا أو مجمع بيوت ويتشاركون فيها مع ابائهم وأجدادهم، فتكون مشتركة مع بعض بجدار أو جدارين، وجدير بالملاحظة أن عدد العائلات التي كانت تسكن البيوت كان أكثر من عدد البيوت حيث كان يقيم في البيت الواحد أكثر من عائلة الوالد وأولاده المتزوجين وربما كان في البيت الواحد ثلاث عائلات يفصل بينهم ستار. لعب الحوش دور مركزي في الحياة اليومية، إذ كان يستخدم كمطبخ فاحتوى على موقد الحطب والطابون اللذان يُستخدمان للطبخ، وكانت سماكة الجدران الكبيرة توفر أماكن لتخزين محتويات المنزل من مواد غذائية وفرش، كما استخدم الجدار لحفظ "الخابية" وهي وعاء مصنوع من الطين والتبن يستخدم لحفظ الحبوب، كما احتوت الغرف في بعض الأحيان على " راوية " وهي بسطة مرتفعة عن الأرض ومبنية من طين تستخدم لتخزين المواد التموينية مثل البصل والحمص وغيرها، أما الحمام فكان عبارة عن بناء صغير مستقل عن المنزل فوق حفرة امتصاصية. كان التوسع بعد البناء يتم عن طريق إضافة غرفة في الطابق العلوي تسمى علية، أو عن طريق إضافة عريشة في الحوش، فكانت بعض بيوت القرية مكونة من غرفتين في الطابق الأرضي وغرفة في الطابق العلوي، أو غرفتين في الطابق الأرضي وغرفتين في الطابق العلوي، والذي يحكم عدد الغرف هو امكانيات العائلة ومقدرتها الاقتصادية ومكانتها الاجتماعية وعدد أفرادها. من الملاحظ في هذه الفترة تناسق وتكامل مباني القرية وقد تشابهت لدرجة كبيرة سواء كانت للأغنياء أم الفقراء، فمادة البناء واحدة واللون واحد والنسب واحدة، لكن الفرق البسيط هو عدد الغرف أو الطوابق التي لا تزيد عن طابقين، فالنسيج متكامل دون فروقات مميزة تلفت النظر. أما شبكة الطرق التي كانت تفصل المباني عن بعضها إلى غاية 1950م فكانت تمتاز بتعرجها وصغر عرضها إذ كانت تستخدم لتنقل الأنسان والدواب وقد أُنشئت بشكل عضوي حيث تبعت المباني والبيوت المنشئة، ويمكن تقسيمها الى ثلاث مستويات كالاتي: · الأزقة: وهي الممرات الترابية التي تفصل مباني النواة عن بعضها البعض، يتراوح عرضها من متر إلى مترين، وكانت متعرجة ومتماشية مع نسبة انحدار الأرض الطبيعية، وكانت هذه الأزقة تنتهي أحياناً بنهايات مغلقة عند مداخل المنازل، وتنفتح نهاياتها في أحيان أخرى على فراغات النواة أو عندما تصل إلى الأرض المفتوحة حول الحيز المبني للنواة. · الطرق الفرعية: المستوى الاخر من الطرق كانت تلك التي تصل بين نواة القرية والأرض الزراعية، وكانت ترابية أيضاً، أما عرضها فلم يتجاوز المتر، إذ كانت تكفي لمرور دابة واحدة. · الطريق الرئيسية: ذكر السكان وجود طريق رئيسي واحد في القرية، وهو جزء من الشارع العام الحالي للقرية والذي تم توسعته لاحقا مما أدى إلى هدم العديد من أبنية المركز او اجزاء من الابنية، كما هو موضح بالشكل رقم4، كان هذا الطريق يصل بين بديا وما حولها من قرى ومدن، فكان السكان يستخدموها للوصول إلى نابلس، ولم يتجاوز عرض هذا الطريق أربع أمتار وتم تعبيده لاحقا في عهد الانتداب البريطاني. تميّز المركز التاريخي بكثافة عمرانية عالية، حيث شكّلت المباني الجزء الأكبر من المساحة مقارنة بالفضاءات المفتوحة من ساحات وأزقة، وقد بُنيت الأبنية بشكل متراص ومترابط، حيث كانت التوسعات العمرانية تتم بإضافة مبانٍ جديدة متصلة بالأبنية القائمة، وقد نتج عن هذا التراص العمراني نسيج حضري متماسك ومغلق مما خلق بيئة عمرانية داخلية تحافظ على الخصوصية وتعبر عن طبيعة الحياة الاجتماعية الريفية، وقد خلا هذا النسيج العمراني من الغطاء النباتي، باستثناء بعض النباتات في أحواش المنازل الداخلية، في حين انتشر غطاء نباتي كثيف في محيط المركز، متمثلًا في الأراضي الزراعية التي زرعها السكان واعتمدوا على محصولها كمصدر أساسي للعيش. أما بالنسبة للمياه فكانت أقرب عين ماء على القرية هي بئر أبو عمار الذي يبعد عن القرية نحو عشر كيلومتر باتجاه الشمال، ولذلك قام أهالي القرية بحفر الابار والبرك وهندسوا جريان مياه الأمطار التي تسقط فوق البيوت والأحواش ليتم تجميعها في هذه الابار، وقد تشاركت مجموعة من العائلات في بناء بئر وانتظروا للشتاء حتى امتلأت من مياه الأمطار ليتقاسموها في أيام الصيف، وسميت الحصة من البئر بالقيراط، وحدث أن تشارك رب الاسرة في اكثر من بئر، وكانت مهمة نقل المياه تقع على عاتق النساء إذ نقلن المياه بالجرار على رؤوسهن وجمعنها في انية فخارية أكبر من الجرة سميت زير، وكان سكان القرية يلجؤون لبئر أبو عمار عندما يستهلكون ما تجمع لديهم من مياه الأمطار، فينقلون المياه على الدواب وكانت عملية نقل المياه من بئر ابو عمار للقرية تستغرق وقتا وجهدا كبيرين، كما كانت محفوفة بالمخاطر حيث وعورة الطريق والمنازعات التي حدثت بين أهالي القرى المجاورة على البئر. وبعد التوصل إلى الشكل العام لمركز القرية القديم واستعمالات الأراضي فيه وأهم الفراغات العمرانية التي شكلته، يمكن استنتاج وتحليل مميزات وعيوب نسيجه الحضري والعمراني وتلخيصها كما يلي: · المميزات ونقاط القوة 1. وفرت البيوت المتلاصقة فرصة أكبر لالتقاء السكان مما عزز ترابطهم الاجتماعي، كما ساهم النسيج المترابط في تشكيل روابط تشاركية عملت على تسهيل حياة السكان وتعزيز الشعور بالانتماء للجماعة، وعمل على توفير الشعور بالأمان خاصة في تلك الفترة التي ساد في مجتمعاتها الزراعية شعور الخوف من الغزاة والمحتلين. 2. تشابه مواد البناء والنمط المعماري في جميع الأبنية أدى إلى تجانس عمراني وخلق مشهد بصري متناغم يخلو من الفروقات الطبقية. 3. استخدام مواد البناء المحلية المستخرجة من البيئة المحيطة جعل المباني تنسجم بصريا مع التضاريس المحيطة وساهم في تقليل الكلفة والجهد اللازمين لجلب مواد خارجية، كما تمثلت الاستجابة البيئية في شكل الأزقة واختيار أماكن الأبنية، حيث تماشت مع طبوغرافيا الأرض وتضاريسها دون الحاجة إلى تعديلات وتدخلات اصطناعية. 4. النمط المعماري الذي تميز بالبساطة في التنفيذ جعل من السهل اجراء الاضافات والتعديلات حسب الحاجة، كما أتاح مرونة في توسع النسيج الذي تميز باتصاله مع الابنية القائمة. 5. كان لفراغ الحوش العديد من الايجابيات على تشكيل المشهد الحضري للقرية، فقد زاد من كفاءة استخدام البيوت حيث تم استعماله لمبيت الدواب والحيوانات المختلفة التي اعتمد على منتوجها الفلاح، كما وفر مساحة اجتماع مهمة لدى سكان البيت حيث الخصوصية والراحة بالإضافة الى الامان، كما أحتضن الحوش العديد من الفعاليات المهمة مثل مكان خبز الطابون أي أنه كان بمثابة المطبخ، كما كان يعد الساحة التي لعب فيها الاطفال وبدأوا بالتعرف على العالم منه. كما لعب الحوش أهمية حضرية أخرى، حيث شكل حلقة الوصل بين الحيز الخاص وهو البيت والحيز شبه العام أي الزقاق، فكان هو الحيز شبه الخاص، وبذلك يمكن وصف تدرج التنقل بين مستويات الفراغات من حيث طبيعة الاستخدام من الفراغ العام الذي يمثل الساحات والأماكن العامة والشوارع التي تفصل بين الحارات إلى شبه العام إلى شبه الخاص وصولاً إلى البيت حيث الفراغ الخاص بأنه تدرج سلسل، الأمر الذي ينعكس ايجابياً على المستخدمين حيث يوفر لهم شعور احتواء المكان والراحة ويعزز من انتمائهم للحيز الفيزيائي الذي يسكنوه. · السلبيات ونقاط الضعف 1. رغم الأهمية الكبيرة التي يشكلها وجود الساحات العامة إلا أن صغر المساحات التي شكلتها مقارنة بحجم القرية وقرب مواقع هذه الساحات من بعضها يشير إلى غياب التخطيط المسبق في تصميمها، وعلى الرغم من أهمية وجود الساحات العامة في القرية نظرا لضيق الأزقة وصغر مساحات الفضاءات العامة إلا أن القرية افتقرت إلى وجودها بالحجم والمساحة التي تلبي حاجتها وبالمواقع التي تخدم سكانها. 2. كانت البيوت توفر كفاءة في الاستخدام بما يتناسب مع حاجات الفلاح، إلا أنها افتقرت لعناصر الراحة والخصوصية، فكانت العائلة كلها تنام في غرفة واحدة والتي لا يوجد غيرها بالغالب، كما كانت هذه الغرفة تستخدم لمبيت الدواب في بعض الأحيان، كما استخدمت في مواسم معينة لتخزين المحاصيل المختلفة خوفا من سرقتها أو تعرضها للتلف. 3. كان لصغر الفتحات المعمارية تأثير سلبي على جودة الحياة داخل البيوت، وقد قام أهل القرية بتصغير هذه الفتحات وذلك لزيادة الخصوصية من جهة ولتقليل تكاليف البناء من جهة أخرى وقد أدى ذلك إلى افتقار العديد من البيوت التي بنيت في ذلك الوقت إلى الإضاءة الطبيعية والتهوية المناسبة، مما ينعكس سلباً على راحة مستخدميها. 4. أدى غياب التوزيع المدروس لاستخدامات الأراضي، وتوزيع الفراغات بشكل عشوائي اعتمد على قرار الأفراد، إلى ظهور مشاكل حضرية تمثلت في تمركز بعض الفراغات العامة في مناطق محددة وغيابها عن مناطق أخرى، فكما نلاحظ أن حارة الديوان شملت معظم الفراغات العامة المهمة وتركزت فيها بينما افتقرت حارة السكن والحارة الشامية لها. 4.5 مراحل تغيرات النسيج العمراني للمركز التاريخي ومحيطه إن معالجة أزمة الهوية الثقافية والعمرانية لا تقتصر على حماية الحجر القديم بل تستدعي أيضاً فهما معمقا للديناميكيات الاجتماعية والمكانية التي أنتجت هذا الواقع، وهو ما سوف نقوم بدراسته وتحليله في هذا الجزء من الفصل، وحيث أن أغلب النسيج العمراني الذي قمنا بدراسته لقرية بديا يعود تاريخه للفترة العثمانية، فكانت القوانين والتشريعات المختلفة التي وضعتها الدولة العثمانية وانعكاساتها هي ما قمنا بتحليله سابقا، وسعياً لفهم التغيرات التي مر بها المركز، سوف نقوم بتحيل المراحل اللاحقة للفترة العثمانية ودراسة تأثير كل فترة على القرية يشكل عام ومركزها التاريخي بشكل خاص. 4.5.1 مرحلة الاحتلال البريطاني كباقي فلسطين وقعت بديا تحت الانتداب البريطاني في الفترة الممتدة من 1920م إلى 1948م، وقد استحدث الانتداب عام 1921م نظام الهيئات المحلية وقامت سلطات الانتداب بتعين المختارين (تعرف بين العامة باسم المخاتير) وهي جمع لكلمة مختار وهو الشخص الذي يمثل الزعامة المحلية في البلدة، فذكر السكان أن لقب المختار أنتقل من شحادة العيسى إلى رفيق طه الذي عينة الانتداب مختاراً لبديا، كما شهدت بديا زيادة بمعدل البناء ليصل عدد بيوت القرية عام 1931م 245 بيتا(32)، وأقتصر أتجاه النمو على الجهة الشمالية من المركز وبشكل متصل معه لتتكون الحارة الشامية التي تم بناء معظم بيوتها في تلك الفترة كما هو موضح بالشكل رقم 5، ويجدر بالذكر أن العديد من أبنية القرية التي أنشئت في فترة الانتداب وما قبلها قد تم هدمها لاحقا عام 1950م عند تعبيد الطريق العام للقرية، ولا تتوفر أي بيانات أو خرائط لهذه للأبنية التي تم ازالتها، كما تم بناء بعض المنازل ذات النمط المعماري المميز تلك الفترة والتي ما زالت قائمة إلى الان نذكر منها: · بيت رفيق: يق