فلسطين بين التوراة والآثار في العصر الحديدي الأول (حوالي 1200 - 1000 قبل الميلاد) أ.د. زيدان عبدالكافي كفافي قسم الآثار - كلية الآثار والأنثروبولوجيا جامعة اليرموك إربد - الأردن zeidan.kafafi@gmail.com بحث مقدم للمؤتمر الدولي حول الآثار والسياحة الذي ستعقده جامعة النجاح/ نابلس في الفترة بين 10-11/ 7/ 2017م فلسطين بين التوراة والآثار في العصر الحديدي الأول (حوالي 1200 - 1000 قبل الميلاد) أ.د. زيدان عبدالكافي كفافي مقدمة: كانت فلسطين في الفترة السابقة للعصر الحديدي الأول، أي في العصر البرونزي المتأخر (حوالي 1550 - 1200 قبل الميلاد) عامرة بالمدن الكنعانية من أمثال، تل وقاص، بيسان، تل المتسلم، تل تعنك، كيسان، تل السلطان/أريحا، وتل بيت ميرسم. كما كان لسكان هذه المدن علاقات مع محيطها القريب والبعيد، حيث عثر على أعداد كبيرة من الأواني الفخارية المصنوعة في قبرص وبلاد اليونان في هذه المواقع، وغيرها، امتداداً من السهل الساحلي الفلسطيني وحتى مناطق الأغوار. ويظهر أن قدر هذه البقعة من الأرض أن تكون مطمعاً للقوى الكبرى على مدى العصور من قديمها وحديثها. إذ أنها خضعت للسيطرة المصرية خلال العصور البرونزية، والرافدية والفارسية خلال العصور الحديدية، واليونانية، والرومانية ، والبيزنطية في الفترات الكلاسيكية. ونظراً لهذا الأمر تعرض سكان هذه البقعة من الأرض، كما تعرض غيرهم من سكان بلاد الشام لدخول أعراق وأجناس متعددة إليها، لكن هذا لم يغير من طابعها المحلي على الدوام. وعلى الرغم من هذا‘ فإن أهلها بقوا متمسكين بأرضهم، وإذا ما سلمنا بصحة النصوص التوراتية فإنها تذكر أن الاسرائيليين قد اغتصبوا أجزاء من البلاد، وليست كلها، من أهلها عن طريق الحرب. جاء اختياري لموضوع محاضرتي هذا اليوم لأقدم للسادة الحاضرين مناقشة للفترة الواقعة بين حوالي 1200 إلى 1000 قبل الميلاد، وهي المرحلة ألتي تعدّ بأنها شهدت دخول العبرانيين إلى فلسطين، واستيلائهم على بعض المدن الكنعانية فيها عنوة، حسب ما ورد في التوراة، ومن ثم تأسيس المملكة الموحدة بقيادة شاؤول في حوالي 1004 قبل الميلاد. وهذا الزعم التورتي إضافة إلى أن الرب قد وعد بمنح هذه البقعة من الأرض لأبرام وذريته، هي الركائز التي تعتمدها الصهيونية العالمية في احتلالها لفلسطين المعاصرة. تضم مناقشتي للموضوع المحاور الآتية: 1. التوراة والأرض الموعودة. 2. سكان فلسطين في العصر البرونزي المتأخر. 3. هل دخل العبرانيون إلى فلسطين؟ ومن أين جاؤوا؟ ورأي الباحثين بهذا الأمر. التوراة والأرض الموعودة: يعتقد كثير من الباحثين أن خروج بني اسرائيل من مصر إلى فلسطين (الأرض الموعودة) كان مع نهاية الألف الثاني قبل الميلاد، وهذا يتماشى مع النص التوراتي. وتبدأ حكاية كنعان الشخص الملعون، أول مرة مع ما ورد في سفر التكوين في التوراة على أنه أحد أبناء نوح وهي على النحو الآتي: "18  وكان بنو نوح الذين خرجوا من الفلك ساما وحاما ويافث. 19 وحام هو أبو كنعان هؤلاء الثلاثة هم بنو نوح. ومن هؤلاء تشعبت كل الأرض 20 وابتدأ نوح يكون فلاحا وغرس كرما 21 وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه 22 فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه، وأخبر أخويه خارجا 23 فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء، وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء. فلم يبصرا عورة أبيهما 24 فلما استيقظ نوح من خمره، علم ما فعل به ابنه الصغير 25 فقال: ملعون كنعان عبد العبيد يكون لإخوته 26 وقال: مبارك الرب إله سام. وليكن كنعان عبدا لهم" (التكوين 9: 18-26). وتستمر الحكاية التوراتية لتعلمنا كيف خرج أبرام من حرّان إلى بلاد كنعان، وهي أرض إبن نوح المغضوب عليه. وتتحدث القصة كيف أن الرب أمر أبرام ليأخذ عشيرته إلى أرض كنعان، وتقول: 1" وقال الرب لأبرام: اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك 2 فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك، وتكون بركة 3 وأبارك مباركيك، ولاعنك ألعنه. وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض 4 فذهب أبرام كما قال له الرب وذهب معه لوط. وكان أبرام ابن خمس وسبعين سنة لما خرج من حاران 5 فأخذ أبرام ساراي امرأته، ولوطا ابن أخيه، وكل مقتنياتهما التي اقتنيا والنفوس التي امتلكا في حاران. وخرجوا ليذهبوا إلى أرض كنعان. فأتوا إلى أرض كنعان 6 واجتاز أبرام في الأرض إلى مكان شكيم إلى بلوطة مورة. وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض 7 وظهر الرب لأبرام وقال: لنسلك أعطي هذه الأرض. فبنى هناك مذبحا للرب الذي ظهر له 8 ثم نقل من هناك إلى الجبل شرقي بيت إيل ونصب خيمته. وله بيت إيل من المغرب وعاي من المشرق. فبنى هناك مذبحا للرب ودعا باسم الرب 9 ثم ارتحل أبرام ارتحالا متواليا نحو الجنوب" (التكوين 12: 1-9). وكان لأبرام ولدان،هما، اسحق واسماعيل، وولد لاسحق يعقوب. ينسب بني اسرائيل إلى يعقوب بن اسحق بن ابراهيم، الذي أسماه الرب "اسرائيل" بناء على القصة التوراتية بناء على القصة التوراتية المذكورة أدناه: " فقال له ما اسمك فقال يعقوب  فقال لا يدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل اسرائيل لانك جاهدت مع الله والناس و قدرت" (التكوين 32: 27-28). ويخالف هذا الرأي في تفسير مصدر الاسم "اسرائيل" بعض الباحثين، إذ يرون أن الاسم "إسرائيل" مؤلف من كلمتين هما "يسر" والتي تعني "غلب" ، و"إيل" وتعني "إله" وبهذا يصبح المعنى "غلب الإله". ولا يختلف هذا المعنى عمّا ورد أعلاه، لكن من المعلوم أن "إيل" هو كبير الآلهة الكنعانية. ولنفترض أن المعلومات الواردة في إصحاح التكوين صحيحة، فهي تعترف بأن الكنعانيين هم أصحاب الأرض، حتى قبل قدوم "أبرام" إليها. كما أن بقية القصة التوراتية تؤكد على أنه بسبب مجاعة حلت في بلاد كنعان اضطر "أبرام" تركها إلى مصر، حيث اصطحب معه زوجته ساره أم اسحق، واسحق هو والد يعقوب، كما أنه تزوج في مصر جارية مصرية ، اسمها "هاجر" ، وهي أم اسماعيل. وإذا كانت التوراة تقول لأبرام "لنسلك أعطي هذه الأرض" فأين هي حصة اسماعيل فيها؟ أليس هو من نسل "أبرام"، أيضاً؟. وعلى أية حال فإن القرآن الكريم يعلمنا بأن ابراهيم وذريته هم مسلمون (البقرة 133): "أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ". ولا نريد في هذا المقام أن نقفز فوق قصة دخول يعقوب وقومه إلى كنعان، وغدرهم بأهل مدينة "شكيم". ويروي سفر التكوين (الاصحاح 34) كيف أن الفتاة "دينة" ابنة يعقوب من والدتها "ليقة" خرجت من بيت أبيها لتنظر الأرض التى حول بيت أبيها فرآها ابن صاحب الأرض وضاجعها، وأحبها حباً شديداً، فطلب إلى والده أن يخطبها إليه. وعلم يعقوب ما جرى لابنته، فأعلم رجال قومه الذين غضبوا غضباً شديداً، لكنهم كتموا غيظهم. وبعد أن جاء "حمور" والد "شكيم" إلى يعقوب عارضاً عليه المصاهرة ، قائلاً له :" صاهرونا تعطوننا بناتكم و تاخذون لكم بناتنا" (التكوين 34: 9)، والمشاركة في الأرض :" و تسكنون معنا و تكون الارض قدامكم اسكنوا و اتجروا فيها و تملكوا بها" (التكوين 34: 10). فوافق يعقوب وقومه على هذا، لكن شريطة أن يختتن كل ذكور البلدة، " فقالوا لهما لا نستطيع ان نفعل هذا الامر ان نعطي اختنا لرجل اغلف لانه عار لنا" . ليس هذا فقط، إنما توضح القصة التوراتية بالتفصيل كيف غدر قوم يعقوب بأهل المنطقة بعد أن اختتن جميع الذكور في البلدة، وهي على النحو الآتي: " فسمع لحمور و شكيم ابنه جميع الخارجين من باب المدينة و اختتن كل ذكر كل الخارجين من باب المدينة  فحدث في اليوم الثالث اذ كانوا متوجعين ان ابني يعقوب شمعون و لاوي اخوي دينة اخذا كل واحد سيفه و اتيا على المدينة بامن و قتلا كل ذكر  و قتلا حمور و شكيم ابنه بحد السيف و اخذا دينة من بيت شكيم و خرجا  ثم اتى بنو يعقوب على القتلى و نهبوا المدينة لانهم نجسوا اختهم  غنمهم و بقرهم و حميرهم و كل ما في المدينة و ما في الحقل اخذوه  و سبوا و نهبوا كل ثروتهم و كل اطفالهم و نساءهم و كل ما في البيوت" (التكوين 34: 24-29). من هنا نرى أن القصة التوراتية توضح بأن كلاً من "أبرام" و "يعقوب" وذريتهم قد دخلوا بداية الأرض سلماً، وإذا كان الأول قد هاجر من كنعان إلى مصر نتيجة لموجة قحط ألمت بها، لكن الثاني وقومه غدروا بأهلها الذين أكرموا وفادتهم. وتستمر التوراة في روايتها حول علاقة بني اسرائيل بفلسطين بقصة يوسف عليه السلام. إذ يعتقد بعض الباحثين أنها حصلت في زمن الهكسوس (حوالي 1650 - 1550 قبل الميلاد)، حين انتشله تجار مصريون من البئر وباعوه لرئيس الشرطة في مصر، وانتهى به الأمر وزيراً ومسؤولاً عن خزائن ومخازن الملك/الفرعون (بغدادي 1996: 5 - 8). وتكتمل القصة بحضور اخوانه للحصول على القمح من مصر، وتعرفه عليهم، ومن ثم يعرّفهم بنفسه، ويستقرون بمصر. ويظهر أنهم عاشوا فترة رخاء في مصر لكنهم لم يندمجوا مع المصريين، بل تمسكوا بعنصريتهم. ويبدو أن هؤلاء قد سيطروا بشكل غير مباشر على الحكم في مصر، مما أدى إلى كراهيتهم من أهل البلاد، وانتهى الأمر بظهور فرعون، ربما يكون رمسيس الثاني (حوالي 1280 - 1213 قبل الميلاد) صب عليهم غضبه فتجرعوا مرارة الذل والاستعباد. وفي هذا الوقت يبعث الله "موسى" نبياً ليخلصهم من عبوديتهم واضطهادهم، فانطلق موسى بقومه من أرض مصر متوجهاً إلى الأرض المقدسة. ويذكر الله تعالى في محكم كتابه العزيز: " 77لَقَدْ أَوْحيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لّا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى 78 فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ" (طه 77-78). وهذا الأمر الإلهي يناقض ما ورد في التوراة بأنهم خرجوا بعد حصولهم على الإذن من الفرعون (الخروج 13: 17-18، 14: 11-12، العدد 14: 3-4). ومن المعلوم أن بني اسرائيل تمردوا وانقلبوا خلال التيه على نبيهم موسى وأخيه هرون، فعبدوا العجل وغفلوا عن عقيدة التوحيد. وجاء في القرآن الكريم "138وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ 139 إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ 140 قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ" (الأعراف 138-140). هذه الردة الدينية تشير بوضوح إلى مدى تأثر بني اسرائيل بتعدد الآلهة، وربما يكون هذا ناتج عن معايشتهم للمصريين، أو من البيئة التي هم منها أو فيها أي سيناء. وربما شاهدوا في سيناء أو صحاري جنوبي بلاد الشام معابد للإله الفرعوني "حاتحور" الذي يرمز له بالإله الثور، ووجدت معابد من زمن الدولة الوسطى تخص هذا الإله عند مناجم الفيروز في سيناء. ولقد تكرر هذا المشهد أيضاً بعد وفاة سليمان (عليه السلام) في حوالي 922 قبل الميلاد، حين انقسمت الدولة الموحدة إلى دولتين فأقام الملك يربعام الأول عاصمته في السامرة وزودها بعجل ذهبي، وبنى مكانين لعبادة العجل في كل من موقعي "بيت إيل" و "دان" (بغدادي 1996: 15). إضافة لهذا الأمر، فقد ثار على موسى مائتان وخمسون من رؤساء الجماعة وكانوا من أبناء عمومته اللاويين، وقد انتقم منهم الرب بأن ابتلعتهم الأرض. وورد ذكر هذه الحادثة في التوراة على النحو الآتي: "   16 وقال موسى لقورح كن انت وكل جماعتك امام الرب انت وهم وهرون غدا 17 وخذوا كل واحد مجمرته واجعلوا فيها بخورا وقدموا  امام الرب كل واحد مجمرته.مئتين وخمسين مجمرة.وانت وهرون كل واحد مجمرته.18 فاخذوا كل واحد مجمرته وجعلوا فيها نارا ووضعوا عليها بخورا ووقفوا لدى باب خيمة الاجتماع مع موسى وهرون. 19 وجمع عليهما قورح كل الجماعة الى باب خيمة الاجتماع فتراءى مجد الرب لكل الجماعة 20 وكلم الرب موسى وهرون قائلا 21افترزا من بين هذه الجماعة فاني افنيهم في لحظة. 22 فخرا على وجهيهما وقالا اللهم اله ارواح جميع البشر هل يخطئ رجل واحد فتسخط على كل الجماعة" (العدد 16: 16-22).. ويذكر القرآن الكريم هذه الحادثة في محكم تنزيله على النحو الآتي : " وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ" (البقرة 55). نستنتج مما ورد أعلاه أن علاقة بني اسرائيل الدينية وحتى العاطفية اتجاه نبيهم موسى كانت مهزوزة، وأن أحاسيسهم اتجاهه متقلبة، بل إنهم ربما ندموا على الخروج من مصر حيث أنهم كانوا في حالة تبرم وشكوى دائمة (العدد 13: 1-33). وربما أن قصة الخروج هذه التي ضخمتها القصص التوراتية لا تخرج عن كونها واحدة من الرحلات التي كانت متواصلة بين جنوبي بلاد الشام ومصر خلال العصور القديمة. تبدأ قصة الأرض المقدسة الموعودة بعد الخروج من مصر، مروراً بالتيه في الصحراء وتنتهي بدخولهم إلى أرض كنعان. إذ يذكر القرآن الكريم في سورة المائدة أن موسى خاطب قومه قائلاً :" يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة ألتي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين. قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون" (المائدة 21- 23). لكنهم لم يدخلوها خوفاً من أهلها الذين كانوا يسكنونها، ووصفتهم التوراة بأنهم قوماً جبارين. وإذا ما اعتمدنا القصة التوراتية فإننا نستنتج ما يلي: 1. أن الوعد بالأرض المقدسة لبني اسرائيل أعطي من الرب لنبيه موسى عليه السلام، لكن لا موسى ولا حتى أخاه هرون دخلوا إلى أرض الميعاد، وإنما دخل القوم بقيادة يوشع بن نون. وجاء في سفر التثنية (3: 25-27؛ 34: 4) ما يلي: "25 دَعْنِي أَعْبُرْ وَأَرَى الأَرْضَ الْجَيِّدَةَ الَّتِي فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ، هذَا الْجَبَلَ الْجَيِّدَ وَلُبْنَانَ. 26 لكِنَّ الرَّبَّ غَضِبَ عَلَيَّ بِسَبَبِكُمْ وَلَمْ يَسْمَعْ لِي، بَلْ قَالَ لِي الرَّبُّ: كَفَاكَ! لاَ تَعُدْ تُكَلِّمُنِي أَيْضًا فِي هذَا الأَمْرِ. 27 اصْعَدْ إِلَى رَأْسِ الْفِسْجَةِ وَارْفَعْ عَيْنَيْكَ إِلَى الْغَرْبِ وَالشِّمَالِ وَالْجَنُوبِ وَالشَّرْقِ، وَانْظُرْ بِعَيْنَيْكَ، لكِنْ لاَ تَعْبُرُ هذَا الأُرْدُنَّ". ويؤكد على هذا الأمر ما ورد في نفس السفر ( التثنية 34: 4): " وَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «هذِهِ هِيَ الأَرْضُ الَّتِي أَقْسَمْتُ لإِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ قَائِلاً: لِنَسْلِكَ أُعْطِيهَا. قَدْ أَرَيْتُكَ إِيَّاهَا بِعَيْنَيْكَ، وَلكِنَّكَ إِلَى هُنَاكَ لاَ تَعْبُرُ". 2. تقلب بنو اسرائيل في العقيدة، فهاهم يعبدون إلههم "يهوه"، فهل كان الوعد من هذا الإله، أم من رب موسى؟. كذلك لا بد من الإشارة إلى أن الوعد أعطي لجيل من الاسرائيليين تاه في الصحراء لمدة أربعين عاماً، وباعتقادنا أنه وخلال هذه المدة فإن الجيل الذي خرج من مصر وأعطي الوعد الإلهي قد فني مع الزمان، ولم يدخل إلى أرض الميعاد. إن هذا برأينا يعني سقوط الوعد الإلهي لأنه أعطي لجيل لم يعد موجوداً. إذا كانت التوراة أعطت بني اسرائيل بوعد إلهي لأبرام وموسى أرض كنعان، فإن الكلام حول الأرض الموعودة قد تغير بعد موت موسى واستلام يشوع بن نون مقاليد الأمر. فها هي الأرض الموعودة تمتد من الفرات إلى النيل، كما ورد في سفر يشوع، وعلى النحو الآتي: "1و كان بعد موت موسى عبد الرب ان الرب كلم يشوع بن نون خادم موسى قائلا 2موسى عبدي قد مات فالان قم اعبر هذا الاردن انت و كل هذا الشعب الى الارض التي انا معطيها لهم اي لبني اسرائيل 3 كل موضع تدوسه بطون اقدامكم لكم اعطيته كما كلمت موسى  4من البرية و لبنان هذا الى النهر الكبير نهر الفرات جميع ارض الحثيين و الى البحر الكبير نحو مغرب الشمس يكون تخمكم" (يشوع 1: 1-4). برأينا أن قصة الأرض المرتبطة بوعد إلهي جاءت من أن بني اسرائيل لم يكن لهم بأي حال من الأحوال مستقر ووطن ثابت حسب القصص التوراتية. فهم مروا بتلك البلاد كغيرهم من الأقوام والأجناس البشرية التي كانت استقرت في بلاد الشام منذ القدم وحتى الوقت الحاضر. ومن الواجب ذكره أن القصص التوراتية ترتبط ارتباطاً وثيقا بالحديث عن المكان ولا تركز على الزمان، وذلك لبحثهم عن بقعة جغرافية تأويهم. ومن هنا فإن فكرة الحصول على الأرض لها اليد العليا فوق كل القيم والأخلاق عندهم. وأكبر دليل على هذا استخدام الزانية الساكنة في أريحا وسؤالها عن الأرض وساكنيها.وحيث أن الأمر هكذا أصبح لا بد لهؤلاء القوم وبعد تبنيهم ديانة التوحيد وهي ديانة جديدة في المنطقة، من إيجاد ملاذ لهم فتم اختراع قصة الأرض الموعودة. وتذكر التوراة أن أبرام خرج من أور بجنوبي العراق، وذهب إلى حرّان، ومن ثم إلى الخليل، وبعدها إلى مصر؛ كما أن ذرية يعقوب انتقلوا من كنعان إلى مصر، كل هذا يدلل على عدم وجود مستقر ثابت لبني اسرائيل، أي لم يكن لهم وطناً طيلة الدهر. وعندما استقام لهم الأمر، وتوحدوا دينياً، بحثوا عن منطقة جغرافية تأويهم، وتصلح لحياة رغيدة، وحيث أنه كان من الصعب عليهم العودة إلى مسقط رأس أبرام لسيطرة الآشوريين وقوتهم ونشر نفوذهم على المنطقة آنذاك ، وظهور الممالك الآرامية والعمونية والمؤآبية والأدومية في معظم مناطق بلاد الشام الجغرافية ، كان لا بد من الذهاب إلى المنطقة الأضعف، فكانت منطقة غربي نهر الأردن/ فلسطين الحالية ألتي كانت البلاد مقسّمة إلى دويلات، كل مدينة تحكم نفسها بنفسها، كما أنها تعرضت في نفس الوقت لغزوات شعوب البحر، وألتي استقرت قبيلة منها على سواحل البحر المتوسط الجنوبية. لكن السؤال كيف دخلت هذه القبائل الاسرائيلية الموحدة إلى غربي النهر؟ هذا ما سنجيب عنه أدناه. صراحة الأمر أن هذا الوعد الإلهي لم يرد إلاّ في الكتب السماوية، كما أن المصادر التاريخية المكتوبة ، سواء الفرعونية أو الرافدية لم تأت على ذكر لا الخروج ولا دخول بني اسرائيل عنوة أو سلماً إلى فلسطين الجغرافية. هذا بالمختصر المفيد حول دلالات القصة التوراتية، فهي تعترف بأن الكنعانيين هم سكان الأرض الموعودة حتى قبل مجيء "أبرام" إليها، كما أن الوعد أعطي لنسل "أبرام" ومن بينهم ابنه "اسماعيل" أبو العرب. إذن لماذا يزعم الصهاينة أن هذه الأرض لهم؟ ومن هنا نردد "من فمك أدينك". لكن هل فلسطين الجغرافية هي بلاد كنعان التوراتية؟ والسبب في طرح هذا السؤال، أن ما أعطي توراتياً لأبرام هو بلاد كنعان، وليس فلسطين. وأعتقد أن السبب في تحديد هذا الاسم "كنعان" واطلاقه على بقعة جغرافية محددة سببه أن الاسم "فلسطين" لم يكن موجوداً آنذاك، أي في العصر البرونزي المتوسط (حوالي 2000 - 1550 قبل الميلاد). ويقترح الباحثون، خاصة التوراتيون منهم، أن قدوم ابرام إلى كنعان كان في حوالي 1900/1800 قبل الميلاد. كما أن الاسم "فلسطين" اطلق في مرحلة لاحقة على جزء بسيط من بلاد الشام، وهي المنطقة التي شغلتها قبيلة "البلست" من قبائل شعوب البحر. وحيث أن الأمر هكذا، فقد حاول الباحثون تحديد بلاد كنعان، وفلسطين جغرافياً، كما نورده أدناه. يجادل كثير من الباحثين أن الكنعانيين خرجوا من الجزيرة العربية إلى شماليّها، لكن، وحتى الآن، لم تؤكد هذا الأمر أو تنفيه المصادر والوثائق التاريخية المكتوبة(Lemche 1991: 25) ، غير أن النصوص التوراتية أشارت إلى ان الكنعانيين كانوا العنصر الأساسي بين سكان فلسطين (يوشع 13: 4 ؛ العدد 13: 29). وأطلقت التوراة، على سبيل المثال، اسم "ملك كنعان" على حاكم مدينة تل وقاص "Hazor ،الواقعة في سهل الحولة بشمالي فلسطين (القضاة 4. 2 : 23-24 ). يذكر عمر الغول (2016:15) أن عدد الشواهد التاريخية على وجود الكنعانيين لا تزيد على الأربعين شاهداً متفرقة زمانياً ومكانياً، مما دفعه للقول "ولا توافينا بصورة واضحة المعالم عن حضارة ذات شخصية متكاملة الهوية في اللغة، والديانة، والعمارة، والفخار، وبناء المدن ...". ورد اسم العلم "كنعان" على شكل kn'n في النصوص الأوغاريتية، والفنيقية/البونية، وكتب بأشكال مختلفة في وثائق واي الرافدين، ومصر، وبلاد الأناضول 1997: 408; Gray 1965:15-16) (Hackett. والإسم كنعان مشتق من الكلمة "kinahna" ، وهي سامية الأصل، أطلقها سكان وادي الرافدين خلال النصف الثاني على منطقة سواحل البحر الأبيض المتوسط الشامية. وكُتِبَ الإسم "كنعان" أو "كنعاني" لأول مرة في نصوص تل الحريري "ماري" المؤرخة للقرن الثامن عشر قبل الميلاد. واختفى بعدها من الوثائق والنصوص التاريخية، ولم يعاود الظهور إلاَ في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، في نص للفرعون أمنحوتب الثاني، والذي يذكر فيه أنه طارد الكنعانيين. بعد هذا تكرر ذكر كنعان في وثائق القرون اللاحقة، مثل ما ورد في رسائل تل العمارنة، ونقش الملك "إدريمي" ملك تل العطشانه "ألالاخ" بشمال غربي سوريا(Astour 1965) . من هنا نلاحظ أن اسم المكان هذا ورد في نصوص من خارج كنعان، أي أن أهل كنعان لم يسموا أنفسهم باسم "الكنعانيين". وأما التوراة (العدد 34: 1-12) فتحدد أرض كنعان التي وعدها الله لنبيه موسى على النحو الآتي: " 1 وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: 2 «أَوْصِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمْ: إِنَّكُمْ دَاخِلُونَ إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. هذِهِ هِيَ الأَرْضُ الَّتِي تَقَعُ لَكُمْ نَصِيبًا. أَرْضُ كَنْعَانَ بِتُخُومِهَا: 3 تَكُونُ لَكُمْ نَاحِيَةُ الْجَنُوبِ مِنْ بَرِّيَّةِ صِينَ عَلَى جَانِبِ أَدُومَ، وَيَكُونُ لَكُمْ تُخْمُ الْجَنُوبِ مِنْ طَرَفِ بَحْرِ الْمِلْحِ إِلَى الشَّرْقِ، 4 وَيَدُورُ لَكُمُ التَّخْمُ مِنْ جَنُوبِ عَقَبَةِ عَقْرِبِّيمَ، وَيَعْبُرُ إِلَى صِينَ، وَتَكُونُ مَخَارِجُهُ مِنْ جَنُوبِ قَادَشَ بَرْنِيعَ، وَيَخْرُجُ إِلَى حَصَرِ أَدَّارَ، وَيَعْبُرُ إِلَى عَصْمُونَ. 5 ثُمَّ يَدُورُ التَّخْمُ مِنْ عَصْمُونَ إِلَى وَادِي مِصْرَ، وَتَكُونُ مَخَارِجُهُ عِنْدَ الْبَحْرِ. 6 وَأَمَّا تُخْمُ الْغَرْبِ فَيَكُونُ الْبَحْرُ الْكَبِيرُ لَكُمْ تُخْمًا. هذَا يَكُونُ لَكُمْ تُخْمُ الْغَرْبِ. 7 وَهذَا يَكُونُ لَكُمْ تُخْمُ الشِّمَالِ. مِنَ الْبَحْرِ الْكَبِيرِ تَرْسُمُونَ لَكُمْ إِلَى جَبَلِ هُورَ. 8 وَمِنْ جَبَلِ هُورَ تَرْسُمُونَ إِلَى مَدْخَلِ حَمَاةَ، وَتَكُونُ مَخَارِجُ التَّخْمِ إِلَى صَدَدَ. 9 ثُمَّ يَخْرُجُ التَّخْمُ إِلَى زِفْرُونَ، وَتَكُونُ مَخَارِجُهُ عِنْدَ حَصَرِ عِينَانَ. هذَا يَكُونُ لَكُمْ تُخْمُ الشِّمَالِ. 10 وَتَرْسُمُونَ لَكُمْ تَخْمًا إِلَى الشَّرْقِ مِنْ حَصَرِ عِينَانَ إِلَى شَفَامَ. 11 وَيَنْحَدِرُ التَّخْمُ مِنْ شَفَامَ إِلَى رَبْلَةَ شَرْقِيَّ عَيْنٍ. ثُمَّ يَنْحَدِرُ التَّخْمُ وَيَمَسُّ جَانِبَ بَحْرِ كِنَّارَةَ إِلَى الشَّرْقِ. 12 ثُمَّ يَنْحَدِرُ التَّخْمُ إِلَى الأُرْدُنِّ، وَتَكُونُ مَخَارِجُهُ عِنْدَ بَحْرِ الْمِلْحِ. هذِهِ تَكُونُ لَكُمُ الأَرْضُ بِتُخُومِهَا حَوَالَيْهَا». ويبدو أن حدود كنعان لم تكن ثابتة، إذ أنها تختلف من نص تاريخي لآخر، ومن فترة زمنية لأخرى، لكن يتفق أغلب الباحثين على أنها المنطقة الممتدة من وادي العريش بقطاع غزة بفلسطين جنوباً، وحتى شمالي أعالي جبال لبنان شمالاً، والبحر الأبيض المتوسط غرباً، وحفرة الانهدام (سهل البقاع، جبال الجولان وغور الأردن، والبحر الميت شرقاً) (Hackett 1997: 409). وبلغ الكنعانيون قمة ازدهارهم خلال العصر البرونزي الأخير، وإن كان نجمهم بزغ خلال العصر البرونزية القديمة والمتوسطة (Tubb 1998). من هنا نرى أن الاسرائيليين كانوا يبحثون عن وطن لهم، لذا طالبهم موسى بالاستيلاء على أرض كنعان، فهي ليست أرضهم ولم يرثوها عن أسلافهم. وهذا يثبت لنا أن فكرة الوطن عند بني اسرائيل تختلف عن غيرهم من الأمم، إذ أنها جاءت بعد ظهور بني اسرائيل إلى حيز الوجود، أي أن الوطن جاء بعد وجود القوم. أما الشواهد الآثرية على وجود الكنعانيين فنستطيع القول أنها غير موجودة، فلم يعثر حتى الآن على أي دليل مادي مكتوب عليه أنه كنعاني، أو صنع في كنعاني. وحتى نفسر الأمر بشكل أوضح، عثر على بعض القصور الآشورية كتابة تنص على أن من بناه هو الملك الآشوري فلان، وهذا لم يعثر عليه في كنعان حتى الآن (الغول 2016: 13). لكن الآثاريون ينسبون ما عير عليه في البقعة المحددة أعلاه وتعود للعصور البرونزية إلى كنعان، ويطلقون عليها الآثار الكنعانية. أما بخصوص الإسم "فلسطين"، فيرى كثير من الباحثين أن أصله جاء مع قبائل شعوب البحر التي هاجرت خلال بداية القرن الثاني عشر قبل الميلاد نتيجة لقحط حلّ هناك من بلاد اليونان/مايسينيا واستقرت على سواحل البحر المتوسط الشرقية، ومنها قبيلة "البلست" التي استقرت في الجزء الجنوبي من السهل الساحل الفلسطيني ، وأعطت اسمها للمنطقة هذه. ورد ذكر اسم شعوب البحر لأول مرة في رسائل تل العمارنة، المؤرخة للقرن الرابع عشر قبل الميلاد، حيث ترد إشارات مصرية تصفهم بأنهم كانوا محاربين وبحارة عملوا جنود مرتزقة لمن يستأجرهم (Dothan and Dothan1992). لم يستخدم الاسم "فلستيا/فلسطين" للدلالة على منطقة جغرافية قبل حوالي 800 قبل الميلاد، حين وردت في السجلات الأشورية من أيام الملك "أدد نيراري الثالث". وقد ورد في نقش على مسلة له تعود للسنة الخامسة من حكمه أن قواته أخضعت "فلستو Palastu" وأجبرت أهلها على دفع الجزية. وتكرر ذكر "فلستيا" في السجلات الآشورية من عهد ملوك آخرين من أمثال، تيجلات- بيلاسر الثالث (734 ق.م.). وتحول الإسم من "فلستيا" إلى "بالستاين"عند المؤرخين والرحالة الإغريق، مثل هيرودتس، وأنها هي المنطقة الجغرافية الممتدة على الجزء الجنوبي من بلاد الشام. أما الكتاب الروم من أمثال سترابو وديودور فقد ذكروا أن مصطلح "بالستاين" الجغرافي يشمل الأرض المقدسة، وأخذ هذا المصطلح صفته الرسمية خلال العصر البيزنطي، أي بعد دخول الناس في هذه المنطقة في الديانة المسيحية والاعتراف بها كدين رسمي للدولة البيزنطية ابتداء من حكم هدريان في حوالي 324 ميلادية (ابراهيم 2010: 11-13). ومن المفيد القول أنه وخلال العقود القليلة الماضية اقترح بعض الباحثين العرب من أمثال كمال الصليبي وفاضل الربيعي أن أصل اليهود كان في الجزيرة العربية ولم يكن في كنعان، وأعتمد هؤلاء في مقترحهم على الاشتقاق اللغوي لأسماء المواقع والأماكن الواردة في التوراة وما هو موجود على أرض الواقع في الوقت الحاضر. كما وضعها آحرون في شمال غربي سوريا الحالية. إذ أنه واعتماداً على ورود الاسم "بلستين" في نقش "لوفي" عثر عليه في معبد إله العاصفة في قلعة حلب قبل بضع سنوات، اقترح الأمريكي تيموثي هاريسون(Timothy Harrison) أن مملكة "بلستاين" كانت في أعالي نهر العاصي، وكانت عاصمتها موقع "تل تينات/طعينات" الحالي، وأن هذه المملكة سيطرت على مدينة حلب خلال القرن الحادي عشر قبل الميلاد (Harrison 2009; 2013: 76-77). خارطة تبين الممالك الحثية- اللوفيه في الأناضول وشمال غربي سوريا (بإذن من تيموثي هاريسون) خاتمة الكلام بخصوص الأرض الموعودة، اعتماداً على ما ذكر أعلاه فإننا لا نستطيع الجزم بحدود الأرض الموعودة جغرافياً حتى لو اعتمدنا النصوص التوراتية. فلا حدود كنعان ، ولا الأرض المقدسة، محددة بشكل دقيق. سكان فلسطين في العصر البرونزي المتأخر (حوالي 1550 - 1200 قبل الميلاد): تشكل فلسطين الجزء الجنوب الغربي لبلاد الشام، وهي لا تنفصل بجغرافيتها، أو تاريخها أو حتى سكانها عن بلاد الشام، فهي بهذا تعدُ جزءً من كل. وتشير الدلائل الأثرية المكتشفة في فلسطين أن الناس، بغض النظر عن جنسهم أو عرقهم، تواجدوا في هذه البلاد قبل نحو مليون ونصف المليون سنة بدلالة ما أكتشف من بقايا أثرية وانسانية في جبال الجليل والكرمل وغور الأردن (Garrod and Bate 1937 ). ولا تزال هذه البقعة من الأرض معمورة بسكانها حتى الوقت الحاضر دونما أي انقطاع أو فجوة سكانية. وقد شهدت فلسطين كغيرها من مناطق بلاد الشام الأخرى التحول الاقتصادي من الصيد والجمع والتجوال في طول البلاد وعرضها إلى الاستقرار في قرى زراعية كبيرة، عرف أهلها بناء البيوت وبناء التحصينات، وأفضل مثال على مجمتمعات الفلاحين الأوائل جاء من موقع تل السلطان في أريحا (Kenyon 1957 ). وحيث أنه تنقصنا الكتابة من عصور ما قبل التاريخ فإننا لا نستطيع الحكم أو القول من هم سكان فلسطين في تلك الفترات. لكننا نستردف ونقول أنه ونتيجة للموقع الجغرافي، وحيث أن فلسطين كانت ولا زالت تعدّ حلقة اتصال عالمي بين قارات آسيا، وافريقيا، وأوروبا، فقد سكنتها عناصر من جنسيات وأعراق مختلفة إلى جانب سكانها الأصليين. شهد الألف الرابع قبل الميلاد ظهور أنماطاً اقتصادية واجتماعية أدت إلى ظهور المجتمعات المتمدنة ، وبناء المدن خاصة مع بداية الألف الثالث قبل الميلاد، أي في حوالي 3000- 2900 قبل الميلاد، ومن الأمثلة على هذه المدن في فلسطين تل المتسلم في سهل مرج إبن عامر، وتل عراد على الأطراف الشمالية الشرقية لصحراء النقب. ومن المعلوم للباحثين الآثاريين أن معظم هذه المدن دمرت مع نهاية الألف الثالث قبل الميلاد لسبب ما، فتحول معظم سكانها إلى أنصاف بدو، أي يمارسون نوعاً بسيطاً من الزراعة إلى جانب الرعي وتربية الماشية. مع بداية الألف الثاني قبل الميلاد عادت المدن في جنوبي بلاد الشام إلى الظهور مرة أخرى، فسكن الناس المدن والقرى إلى جانب المجتمعات البدوية. وقد كشفت لنا الحفريات الأثرية التي جرت في مواقع متعددة من بلاد الشام، مثل، تل الحريري (ماري)، ورأس شمرة (أوغاريت) عن معلومات تحدد جنس سكان هذه المنطقة وطبيعة حياتهم. وبالفعل كان هناك ذكر للحضر الكنعانيين، والبدو الآموريين (العموريين) (كفافي 2011: 249- 255). ويوصف المجتمع الكنعاني بأنه متحضر عاش في مدن ومراكز حضارية، وكانت التجارة هي الأساس الذي ارتكز عليه الاقتصاد. كما كان المجتمع الكنعاني متعدد الطبقات ، حيث كان فيه الغني والفقير، والتاجر والعامل والفلاّح. وكانت للكنعانيين ديانتهم الخاصة بهم تجلت بتعدد الآلهة وتقديم الأضحيات لها، وأكد على هذا الأمر النصوص المكتوبة التي وجدت في موقع رأس شمرة بسوريا وتؤرخ لحوالي 1400 قبل الميلاد (Kenyon 1963; Miller 1981; Tubb 1998). تمتعت بلاد الشام خلال النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد (حوالي 2000 - 1550 قبل الميلاد) بنوع من الحرية السياسية، وساد فيها نظام يعرف باسم المدينة - الدولة (City-State) أي أن كل مدينة لها حاكم عليها وتحكم نفسها بنفسها. وبقي هذا النظام سائداً في فترة العصر البرونزي المتأخر (حوالي 1550 - 1200 قبل الميلاد)، أي المرحلة السابقة لتشكيل الدولة الوطنية(National State) مع بداية العصر الحديدي (حوالي 1200 قبل الميلاد). لكن هذه المدن، ونتيجة لطرد الهكسوس من مصر، وتأسيس الدولة الحديثة فيها، قام الفراعنة المصريون وعلى رأسهم الفرعون تحتموس الثالث (حوالي 1490 - 1436 قبل الميلاد) بإخضاع الجزء الواقع إلى الجنوب من مدينة حلب لسيطرتهم. وقد ترك هؤلاء الفراعنة قوائم بأسماء الأقوام والمدن التي هزموها وسيطروا عليها، ونذكر منهم: "النيجس Neges"، والحوريون، والشاسو، والكنعانيون، والعابيرو (Wilson 1969: 246-247). كما ساعدتنا تلك القوائم في التعرف على التوزيع الجغرافي لهذه الجماعات، فمثلاً سكن النيجس شمالي سوريا الحالية، والحوريون والكنعانيون في فلسطين، والشاسو سكان بوادي (جمع باديه) جنوبي بلاد الشام، وربما سيناء أيضاً. كما حددت تلك القوائم طبيعة عمل، والطبقة الاجتماعية لكل جنس من هؤلاء السكان، فكان هناك "الماريانو" وهم طبقة الأشراف ومحاربي العربات، والكنعانيون وهم التجار، أما العابيرو "Apiru/'Abiru فلم يشكلوا جنساً أو عرقاً واحداً، بل كانوا خليطاً من الأجناس ويعملون مرتزقة (Ahlström 1993:235). وحيث أن جنوبي بلاد الشام، خاصة فلسطين، وقعت تحت الحكم الفرعوني خلال العصر البرونزي المتأخر، فقد سكنت في عدد من المدن الفلسطينية مثل غزة وتل المتسلم وبيسان، مجموعة من الجاليات المصرية، وعين الفرعون في كل مدينة مندوباً سامياً مصرياً أسمته الوثائق الفرعونية اسم "رابسو"، وتعني هذه الكلمة "مفوض أو مفتش". كما ذكرنا أعلاه، اضافة للمجتمعات الحضرية (سكان المدن والقرى) انتشرت في بلاد الشام قبائل بدوية تنقلت خاصة بجنوبي بلاد الشام وسيناء أسمتهم الوثائق الفرعونية "شاسو"، ويعتقد بعض الباحثين (Ahlström 1993:276) أنهم هم "السوتيون" الذين ذكروا في الوثائق الأكادية وفي رسائل تل العمارنة. هذا عن السكان في فلسطين في المرحلة السابقة لتشكيل ما نعرفه باسم" الدولة اليهودية الفلسطينية الموحدة" إلى جانب عدد من الدول الأخرى مع بداية الألف الأول قبل الميلاد. لكن هل كانت هذه البلاد خالية من المدن الكبيرة، أو المراكز الحضارية؟ ترد الإجابة من خلال نتائج الحفريات الأثرية ألتي أجريت في عدد من المواقع الأثرية في فلسطين، مثل، تل وقاص، وبيسان، وتل المتسلم، وتل تعنك، وأريحا، وتل العجول، وغيرها الكثير. وثبت بالوجه القاطع أن البلاد كانت بسواحلها وجبالها وأغوارها ونقبها مأهولة بالناس وبالمواقع الحضرية. وكان لسكانها اتصالات مع المحيط القريب والبعيد. وثبت هذا من تشابه المادة الأثرية المكتشفة، فمثلاً عثر على أواني فخارية وغيرها مستوردة من قبرص وبلاد اليونان ومصر. وهذا يؤكد بشكل قاطع على أن فلسطين كانت عامرة بأهلها الكنعانيين قبل الخروج من مصر والدخول إلى فلسطين. وقد تحدثت الوثائق والكتابات ، خاصة الفرعونية عن المدن الكنعانية بأسمائها وأسماء ملوكها. ينقلنا هذا الكلام إلى الموضوع التالي وهو بما أن فلسطين كانت مليئة بالمراكز الحضارية، فكيف استطاع هذه المجتمعات البدوية -حسب رأي التوراة- الدخول إلى فلسطين والسيطرة على أجزاء منها، وتشكيل دولة فيها؟ وسنحاول أدناه أن نجيب على مجموعو من الأسئلة، وهي، هل دخل الاسرائيليين إلى فلسطين؟ ومن أين جاؤوا؟ ورأي الباحثين بهذا الأمر؟ شغلت الإجابة على سؤال كيفية دخول الاسرائيليين إلى أرض كنعان الباحثين منذ القرن التاسع عشر ، حين تأسست المدارس والمعاهد الأوروبية والأمريكية في النصف الثاني منه بهدف اثبات صحة ما جاء في التوراة، وحتى الوقت الحاضر. وحتى يستقيم الأمر له اتخذوا من البقايا الأثرية وسيلة، وربطوا بينها وبين الحدث التوراتي. وقد تطور هذا المنهج عبر السنوات من خلال وضع مجموعة من النظريات، لكنها على اطلاقها وبنظرنا لم تخلع عباءة التوراة. ونستعرض أدناه، وبشكل مختصر، مجموعة من هذه النظريات كان قد درسها وناقشها مجموعة من الباحثين قبلنا ومنهم غسان نجاجره (نجاجره 2011) . 1. النظرية التوراتية التقليدية (نظرية احتلال كنعان بالقوة): تعتمد هذه النظرية على السرد القصصي التوراتي، والتي تلتزم بما ورد في التوراة، بأن الاسرائيليين خرجوا من مصر بقيادة موسى وأخاه هرون، وأنهم تاهوا مدة أربعين سنة في الصحراء، لكنهم استطاعوا الدخول إلى أرض كنعان واحتلال مجموعة من مدنها بالقوة، أي الاحتلال العسكري خلال العصر الحديدي الأول (حوالي 1200 -1000 قبل الميلاد). وصاحب هذه النظرية هو الأمريكي وليم فوكسول أولبرايت (William Foxwell Albright) والذي قام في ثلاثينيات القرن الفاءت بالتنقيب في موقع "تل بيت مرسم" الواقع بالقرب من مدينة الخليل. وناقش أولبرايت موضوع كيفية احتلال الاسرائيليون لآرض كنعان في مقالة نشرها في عام 1935م، وعنوانها: Albright, W. F. 1935; Archaeology and the Date of the Hebrew Conquest of Palestine. Bulletin of the American Schools of Oriental Research 58: 10-18. رصد أولبرايت في هذه المقالة نتائج الحفريات ألتي أجريت في عدد من المواقع الفلسطينية المذكورة في النصوص التوراتية، والتي لها علاقة بالهجوم عليها من قبل الاسرائيليين، مثل مدن: أريحا، وبيتين (بيت إيل)، وتل الدوير (لاخيش)، وتل بيت مرسم، وتل المتسلم (مجدو). فعلى سبيل المثال أشار إلى أن الاحتلال الاسرائيلي لموقع تل بيت مرسم حدث في الفترة بين حوالي 1250 - 1200 قبل الميلاد حيث أظهرت نتائح الحفريات في الموقع طبقة أثرية مدمرة تؤرخ لهذه الفترة. وقابل هذه النتائج بما ورد من معلومات حول بني اسرائيل في سفري يشوع والخروج (Albright 1935: 10-16). بعد تأسيس دولة اسرائيل في عام 1948م ، واحتلال الضفة الغربية في عام 1967م أعاد الآثاريون الاسرائيليون التنقيب في عدد من المواقع المذكورة أعلاه، للتأكد من النتائج التي نشرها أولبرايت، خاصة التسلسل التاريخي للاستيطان الاسرائيلي فيها. خاصة وأن بعض النتائج التي نشرها أولبرايت لا تتوافق مائة بالمائة مع النص التوراتي (Albright 1939: 11-12)، كما أن البعض الآخر، مثل الألماني مارتن نوت (Martin Noth) لم يتفقوا وألبرايت على المنهج الذي اتبعه في استخدام نصوص العهد القديم للتأريخ، وتتبع الهجمات العسكرية الاسرائيلية على المدن الكنعانية (Noth 1948; 1958). ونضرب الآن مثالاً على التناقض الحاصل بين القصص التوراتية ونتائج الحفريات الأثرية من موقع التل، حيث بينت الحفريات الأثرية ألتي أجراها كل من جون غارستنج (John Garstang) في عام 1928 ميلادية، وجوديث ماركيوت-كراوزه (Judith Marquet- Krause) بين الأعوام 1933 و1935 ميلادية، وجوزيف كالاوي (Joseph Callaway) بين الأعوام 1964 و1970م، وعرّفها وليم أولبرايت (William F. Albright)على أنها موقع (عاي Ai) التوراتي، أن الموقع ازدهر كمدينة في الفترة التي تعرف باسم العصر البرونزي الثاني (بداية الألف الثالث قبل الميلاد)، هجر بعدها الموقع ولم يستوطن إلاّ في بداية العصر الحديدي (Callaway 1993). إذن أين مدينة العصر البرونزي المتأخر التي دمرها الاسرائيليون؟ على أية حال، وحتى يخرج أولبرايت من هذه الورطة نجده يشير في بحث آخر إلى تواجد جماعات من الاسرائيليين في كنعان حتى قبل دخول الاسرائيليين (Albright 1940: 276-278). وأما الأدهى والأمر في فشل نظرية الاحتلال بالقوة للمدن الكنعانية في فلسطين يتمثل في أنه لم يعثر في موقع تل السلطان/أريحا على أية بقايا للمدينة التي هاجمها يشوع ودمرها. وهنا يقترح أولبرايت أن طبقة دمار المدينة على يد يشوع اختفت لأسباب بيئية أدت إلى تجريفها، فلم يعثر عليها (Albright 1963: 27-28). تبع أولبرايت في نظريته التي تقول بأن الاسرائيليين دخلوا كنعان عنوة وبالقوة، لتتوائم والقصة التوراتية، مجموعة من الباحثين وعلى رأسهم جورج ايرنست رايت (Wright 1940)، ويغال يادين (Yadin 1982: 17-18). إذ يؤكد رايت على صحة الحدث التوراتي، ويرتب توالي انهيار وسقوط المدن الكنعانية بيد الاسرائيليين، زمنياً، على النحو الآتي: تل الدوير في عام 1230 ق.م.، تل المتسلم في عام 1100 ق.م. ومن بعدها بيسان، القدس، وتل الجزر حتى تنصيب داود ملكاً على اسرائيل واحتلاله باقي الأراضي الفلسطينية26) (Wright 1940:. كما يقترح رايت الذي نقب في تل بلاطه (شكيم)، أن الموقع لم يتعرض للهجوم لأنه كان مسكوناً عند دخول الاسرائييلين من قبل نسل يعقوب الذين لم يغادروا إلى مصر (Wright 1960: 446-471). وينكر عدد من الباحثين احتلال كنعان بالقوة من قبل القبائل الاسرائيلية، ومنهم أيضاً بعض الباحثين الاسرائيليين، مثل، يوهنان أهاروني (Y. Aharoni) الذي تركزت أبحاثه على منطقة النقب وذكر أنها كانت خالية من التحصينات العسكرية في زمن دخول الاسرائيليين حتى يتم تدميرها كما ورد في سفر يشوع (Aharoni 1976: 71-75). 2. نظرية التسرب السلمي: صاحب هذه النظرية هو الألماني ألبرشت ألت (Albrecht Alt) والذي ناقش قضية دخول بني اسرائيل وسكناهم في أرض كنعان في مقالة نشرها عام 1925 ميلادية (Alt 1925). وطالب ألت بضرورة الاعتماد على المصادر الفرعونية المكتوبة المؤرخة للفترة السابقة للخروج من مصر لأنها تتضمن معلومات كاملة حول ما كان يجري فيها في تلك الفترة. وأكد في بحثه على ضرورة أخذ التقسيمات الجغرافية لأرض كنعان بالاعتبار عند الحديث حول طبيعة وحياة سكان تلك المناطق وفي مساحة المقاطعات السياسية. ويرى أن الطبيعة الجغرافية وبيئة المنطقة أثرت على التوزيع السكاني في هذه البلاد وعلى انشاء وحدات سياسية واصلت اتباع نظام المدينة- الدولة الذي ساد في العصر البرونزي المتوسط (حوالي 2000 - 1550 ق.م.). لكنه اختلف في العصر البرونزي المتأخر (حوالي 1550-1200 ق.م.) في أن الفرعون المصري هو الذي كان يعين حكام المدن ، إضافة إلى وجود مندوب سامي مصري في المدن الكبرى. كذلك فقد تركزت دويلات المدن في فلسطين في المناطق الساحلية والسهلية، بينما قلت في المرتفعات الجبلية. ونتيجة لوعورة المناطق الجبلية صعب على الفراعنة السيطرة عليها عسكرياً، مما دفع إلى استقرار مجموعة من القبائل البدوية فيها بسبب توفر المراعي، وهذا الأمر أدى إلى أن تطلق كل قبيلة اسمها على المنطقة التي استوطنت فيها، وهذا ما يتماشى مع النص التوراتي، خاصة في أسفار القضاة ويشوع وصاموئيل. ويؤكد "آلت" (Alt 1925: 205 - 215) على أن هذه القبائل استمرت في الاستقرار في نفس المناطق خلال العصر الحديدي (حوالي 1200 - 596 ق.م)، لكن وبعد ن استقر بها المقام في بعض مناطق المرتفعات الجبلية أخذت تهاجم المراكز الحضارية الكنعانية ، مثل تل وقاص في سهل الحولة (Aharoni 1979: 191-192). لقيت نظرية التسرب السلمي ترحيباً من عدد من الباحثين من أمثال تيوفيل مييك (Theophil Meek) الذي جادل بأن كثيراً من المدن الكنعانية لم تدمر خلال دخول الاسرائيليين بقيادة يشوع، وأكد على عدم الأخذ بحرفية النص التوراتي (Meek 1936: 17-19). ووافق مارتن نوت (Martin Noth) هذا الرأي وأقترح أن التسرب السلمي تم بقيادة أكبر القبائل اليهودية التي تواجدت أنذاك في شرقي نهر الأردن، ثم دخلت وسكنت تدريجياً في المرتفعات الجلية الواقعة غربي النهر (Noth 1948: 51, 71-74; 1958: 53-68). وأيد هذه الأفكار والمقترحات العالم الأماني مانفريد فايبرت Manfred Weippert)) الذي قال أيضاً بأن القبائل اليهودية توحدت بعد دخولها أرض كنعان والاستقرار فيه، لكنه لم ينكر أنها هاجمت المدن الكنعانية رغبة منا في التوسع فخسرت بعضها وربحت البعض الآخر ا(Weippert 1971: 5-6) . وفي نقاشه لهذه المسألة ضحض فايبرت ، اعتماداً على نتائج الحفريات والمسوحات الأثرية الحديثة، ما جاء في نظرية نلسون غلوك بأن المنطقة الواقعة للجنوب من مدينة مادبا في الأردن كانت خالية من السكان المستقرين خلال الفترة بين 1900 - 1200 قبل الميلاد وأنها لم تعمر إلاّ مع بداية العصر الحديدي من قبل الاسرائيليين (Weippert 1982: 153-158). \ ملخص قول نظرية التسرب السلمي أن القبائل الاسرائيلية دخلت إلى المناطق الوعرة والخالية من السكان أولاً، وتعايشت مع الكنعانيين بشكل سلمي، لكن ولما استقر لها الأمر وقويت شوكتها أخذت تهاجم المدن الكنعانية في المناطق السهلية والساحلية. لكن الحال لم يستقم لها مع المدن الكنعانية الساحلية فلم تستطع السيطرة عليها، لذا بقيت محصورة في مناطق المرتفعات الجبلية. 3. نظرية الثورة الاجتماعية: صاحب هذه النظرية هو الأستاذ الدكتور جورج مندنهول (George Mendenhall)الذي عمل استاذاً في جامعة ميتشغان آن آربر(Michigan An Arbour) قبل وفاته. وتقوم هذه النظرية على علم الاجتماع، حيث درس مندنهول الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتغيرات المجتمعية التي حصلت في الفترة بين نهاية العصر البرونزي المتأخر وبداية العصر الحديدي (حوالي 1300 -1200 قبل الميلاد). وانتقد مندنهول نظريتي الاحتلال بالقوة والتسرب السلمي لربطهما بين التاريخ القديم والحديث (Mendenhall 1962: 66). وقال أن لا فرق كبير بين النظريتين لأنهما تقولان بأن بني اسرائيل دخلوا لأرض كنعان من خارجها، وأن الطابع البدوي القبلي هو الذي ساد بين القبائل الاسرائيلية، وأن الرابط بين هذه القبائل أنها تنحدر من عرق واحد، سلالة ابراهيم ثم اسحق ثم يعقوب، ونسبها هذا جعلها مختلفة عن السكان الكنعانيين، سكان البلاد الأصليين. وعلماً أنه لا يمانع بأن تماسك القبائل كان على أساس عرقي وأنها جاءت من خارج أرض كنعان، إلاّ أنه يرى أنها لم تكن بدوية بسبب طبيعة الحياة البدوية التي تعتمد التنقل ومن هنا تضعف الرابطة الاجتماعية بينها. وحول ظهور الاسرائيليين إلى الساحة بأرض كنعان ينفي حدوث أي هجوم شامل على أرض كنعان من قبل الاسرائيليين أدى إلى طرد أصحاب الأرض، وحدوث تغيير ديموغرافي كلّي فيها، ويجادل بأن ما حدث لم يخرج عن كونه ثورة للفلاحين في المدن ضد أوضاعهم المعيشية خلال نهاية العصر البرونزي المتأخر (حوالي 1200 قبل الميلاد). ومن المعلوم أن المدن الكنعانية كانت خلال هذه المرحلة في صراع دائم فيما بينها، بشهادة رسائل تل العمارنة،مما أدى إلى تراجع الطبقة الاجتماعية الدنيا. أدت هذه الصراعات إلى تدهور الأحوال المعيشية، فتوحدت من بينها مجموعة من القبائل، لكن ليس على أساس عرقي، بل ربط بينها دين واحد جديد، هو عبادة الإله "يهوه". أدى هذا بالتالي لظهور القبائل الاسرائيلية الرافضة لما كان سائداً من نظم سياسية واقتصادية واجتماعية، لأول مرة في التاريخ (Mendenhall 1962: 73-78). دفع هذا الأمر عدداً آخر من الناس للدخول في الدين الجديد، فزادت مع الزمن قوتهم، مما دفعهم لمهاجمة النظام السائد (دولة المدينة) فهاجموا بعض المدن الكنعانية للتحرر من الظلم الذي حاق به (Mendenhall 1962: 79, 83-84). ومن هنا نطرح سؤالاّ: إذا كان الرابط الذي جمع هذه القبائل هو الدين وليس العرق؟ فإذن كيف تتحدث المصادر التاريخية، سواء الرافدية أو الفرعونية، عن وجود عرقية جمعت هذه القبائل؟ يجيب مندنهول على هذا التساؤل بالقول أنه بعد التحرر من النظام السياسي الذي كان قائماً، ووحدة المصلحة المشتركة التي جمعت هذه القبائل، بدأت تظهر للوجود مع مرور الوقت العرقية التي ولّدت بين أفرادها الشعور بالتميز، وبالتالي العرقية. لكن مندنهول يستردف بأن الاسرائيليين أتباع الإله "يهوه" تشكلوا من عائلات متعددة ومختلفة، بل أن لهجاتهم مختلفة، لكن الذي جمعهم هو الإله الواحد ورفض النظام السياسي القائم على أن كل مدينة تحكم نفسها بنفسها (Mendenhall 1973: 27-29). ويضيف بأن نشوء دولة اسرائيل الموحدة كان نتاجاً لما حدث في بلدان الشرق الأدنى القديم من انهيار للاميراطوريات في وادي لنيل، والرافدين، والأناضول (Mendenhall 1976: 154). ,ان أصل القبائل الأثنتي عشر هو كنعاني بدليل أن لغتهم تنحدر من أصل سامي، وهو أصل اللغة الكنعانية واتباعهم نفس النمط الاقتصادي الذي ساد أرض كنعان. لقيت نظرية الثورة والتغير الاجتماعي قبولاً من قبل عدد من الباحثين، من أمثال، نورمان غوتوالد (Normann Gottwald) ونيلز ليمكه (Niels Leche)، إذ اعتبر الأول أن الاسرائيليين، الذين جمعتهم ديانة واحدة، "عبادة الإله يهوه" قد شكلوا تجمعاً قبلياً كبيراً في نفس الوقت الذي حصل فيه تدمير الامبراطوريات الكبرى في بلاد الشرق الأدنى القديم. لكن يضاف إلى هذا التجمع، انضمام جماعات صغيرة من طبقة "العبيد" خرجت من مصر إلى الأراضي الكنعانية في الفترة السابقة للثورة الاجتماعية، وهي التي شجعت الطبقة الدنيا في المجتمع الكنعاني على الثورة (Gottwald 1979: 210-214). وعدّ غوتوالد في بادئ الأمر أنه كان للبدو الرعاة (هم الذين يمارسون الزراعة إضافة لتربية المواشي ورعيها) دوراً كبيراً وأساسياً في هذه الثورة الاجتماعية، لكنه عاد وأضاف اليهم الفلاحين الكنعانيين الذين اضطروا ونتيجة لتزايد عددهم إلى التوسع الجغرافي مما أدى إلى تداخل علاقاتهم مع المجتمعات الرعوية، مما شجعهم على تشكيل نسيج اجتماعي متساوي يطالب بالحكم الذاتي (Gottwald 1983: 6-7; 1985: 38). أما الباحث "نيلز ليمكه" (Niels Lemche) فاعتمد في مصادره لدراسة الثورة الاجتماعية أولاً على ما ورد في النصوص المكتوبة، وما ورد في العهد القديم، وحدوث الهجرات البشرية مع بداية العصر الحديدي، وخرج بنتيجة مفادها أن أخبار دخول قبائل شبه بدوية أرض كنعان ضعيفة جداً في نصوص العهد القديم. وأضاف بأنه لا توجد هناك أي دلائل أثرية تدل على دخول عدد كبير من الناس إلى أرض كنعان من مناطق أخرى مع بداية العصر الحديدي (أي بداية القرن الثاني عشر قبل الميلاد)، كما أن المعلومات الواردة في العهد القديم حول هذا الموضوع قد كتبت في فترة متأخرة جداً عن حصول الخروج، وكان هذا في منتصف القرن الأول قبل الميلاد (Lemche 1985: 411-412). ويعدّ لمكه أن ما ورد من معلومات في العهد القديم ما هو إلاّ أساطير يجب عدم الاعتماد عليها، أو الرجوع إليها ، بل يجب أن تكون الآثار هي المصدر الأساسي عند كتابة تاريخ الاسرائيليين. يعزو لمكه سبب انهيار المدن الكنعانية مع نهاية العصر البرونزي المتأخر (حوالي 1200 قبل الميلاد) لعدة عوامل، هي: الحروب الخارجية والداخلية، انتشار الأمراض، التحولات المناخية، المشاكل الاجتماعية، وأخيراً استهلاك الموارد الطبيعية الكنعانية من قبل الفراعنة المصريين(Lemche 1985: 422-423). وبنظرنا أن أهم عامل بين هذه العوامل هو وقوع بلاد كنعان تحت السيطرة المصرية طيلة العصر البرونزي المتأخر (حوالي 155-1200 قل الميلاد)، ونشوب الصراعات الداخلية بين الوحدات السياسية الصغيرة (كنتونات)، مما أفسح الظهور لعناصر محلية منافسه لمجتمع المدينة بالتدخل والانقضاض على السلطة. ويعتقد لمكه أن هذه العناصر كانت هي "العابيرو" التي سكنت في المناطق الحدودية/الهامشية بين المدن الكنعانية أي في المرتفعات الجبلية خلال القرن الرابع عشر قبل الميلاد. ومع مرور الزمان استطاعت هذه المجموعات انشاء مستوطنات كبيرة لها مستغلة الموارد الطبيعية الموجودة في المنطقة التي تسكنها. وحتى تستطيع هذه المستوطنات في التوسع كان لا بد لها من احراق الغابات، واستصلاح الأراضي الناتجة بعدها ببناء سلاسل حجرية (Terraces) لمنع انجراف التربة، كما بنوا آباراً لجمع مياه الأمطار. ومع نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد انفصل عن المستوطنات الكبيرة مستوطنات أصغر مساحة في المناطق المجاورة لها. خلاصة رأي الباحث "لمكه" أن الاسرائيليين هم موجودون في البلاد أصلاً، ولم يأتوا من خارجها، وبرأيه أن ظهور دولة اسرائيل في كنعان هو معاصر لظهور الدول الإقليمية الأخرى، مثل، العمونيون، والمؤآبيون والأدوميون، لكنها وجدت في ظروف وأسباب مختلفة، أهمها، الثورة الاجتماعية. خارطة جنوبي بلاد الشام السياسية في العصر الحديدي الثاني (حوالي 1000- 586 ق.م.) حسب النص التوراتي ومن الباحثين الذين أدلوا أيضاً بدلوهم حول هذا الأمر، عالم الآثار الأمريكي وليم ديفر (William Dever) الذي أكد على ضرورة، أولاً:استخدام الآثار للتعرف على الأعراق والأجناس من خلال استمرارية أو انقطاع استخدام الأدوات والأواني والعمارة، وثانياً: قراءة الكتابات القديمة التي تدل على اشتراك مجموعة بشرية محددة بقيم وعادات وتقاليد ولغة تميزها عن غيرها من المجموعات المجاورة لها. وبناءعلى هذه المعطيات، يمكن التفريق بين المجتمعات الكنعانية والاسرائيليية في أرض كنعان (Dever 1993: 23-24; 1995: 200-213). إذ برأيه أن المادة الأثرية تبين الحقيقة الواقعة، بينما تعكس الكتابات الأيدلوجية الفكرية (الديانة) لهذه المجموعات البشرية. وبراينا أنه لا يجوز أن تستخدم المادة الأثرية المكتشفة لتحديد الأجناس أو الأعراق، خاصة في منطقة بلاد الشام، التي لم يسكنها على مدى العصور جنس بشري واحد، بل هي على الدوام خليط من الأجناس والأعراق البشرية. وبرأيه أن الاسرائيليين الأوائل هم من الكنعانيين الذين استوطنوا المناطق الهامشية في المرتفعات الجبلية، وأن الثورة التي قام بها هؤلاء (اللاجئون، العابيرو، الفلاحين، الرعاة) على مجتمع المدينة الكنعاني أساسها توافق وتكامل اقتصادي واجتماعي بين أفرادها من الفلاحين. لكن نظرية استخدام الفلاحين كعنصر أساسي في هذا التغير الاجتماعي وظهور "دولة الأمة" عوضاً عن النظام السياسي السابق "المدينة-الدولة"، وجد من يعارضه، مثل الاسرائيلي اسرائيل فنكلشتاين(Israel Finkelstein) الذي يرى أن العنصر المجتمعي الأساسي في حصول هذا التغيير هو المجتمعات الرعوية، كما نرى أدناه. 4. نظرية المجتمعات الرعوية في نشوء اسرائيل الفلسطينية: قام الباحث الاسرائيلي "اسرائيل فنكلشتاين" بعد احتلال اسرائيل للضفة الغربية في عام 1967ميلادية باجراء عدد من المسوحات والحفريات الأثرية فيها، وأهمها المسح الأثري في منطقة مدينة رام الله. واعتمد في منهجه البحثي في دراساته الميدانية منهجاً مختلفاً عن منهج الباحثين التوراتيين التقليديين. فإذا كان مؤسس المدرسة التوراتية "وليم أولبرايت" قد اعتمد الربط بين دراسة الفخار والطبقات في المواقع الأثرية منهجاً لاستخلاص تاريخها، وماهيتها؛ فإن فنكلشتاين اعتمد التعرف على أنماط السكنى أساساً في اشتقاق هذه المعلومات. ووضح هذا الأمر عندما نشر نتائج أعماله الميدانية عام 1988م بعنوان: The Archaeology of the Israelite Settlements. اعتمد "فنكلشتاين" في تفسير ظهور دولة اسرائيل الفلسطينية على وجود المجتمعات الرعوية التي تواجدت في مناطق التخوم الفاصلة بين الصحاري والمناطق الصالحة للزراعة.وفسّر هذا بالقول أن القبائل الرعوية كانت على تماس متواصل مع مجتمع المدينة ومكمل له من النواحي الاقتصادية والاجتماعية، فاصطبغت هذه العلاقة بطابع سلمي وليس عسكري. وللتعرف على كيفية هذا التعايش كان لا بد لفنكلشتاين من العودة للمصادر التاريخية المكتوبة، ودراسة المادة الأثرية المكتشفة، وأخيراً المقدرة على التمييز بين أنماط الاستيطان لمجتمع الرعاة عنه للمجتمعات المتحضرة. أما بخصوص المصادر المكتوبة، فمن المعروف أن المصدر المكتوب الوحيد لدراسة المجتمع الاسرائيلي خلال الفترة بين 1200 و1000 قبل الميلاد هو كتاب العهد القديم، إذ غابت المصادر الفرعونية والرافدية والمحلية عن ذكر كنعان والأحداث التاريخية التي جرت فيها خلال هذه الفترة. وبرأيه أن المعلومات الواردة في كتاب العهد القديم لا تفيد كثيراً من هذه الناحية لأنها كتبت في فترة متأخرة عن فترة موسى (عليه السلام)، أي الزمان الذي حدثت فيه الأحداث الفعلية لبني اسرائيل؛ لذا لا بد من الاعتماد على دراسة الآثار وطبيعة الاستقرار والسكنى في المواقع الأثرية (Finkelstein 1988: 336-337). وأفاد فنكلشتاين أن الآثار المؤرخة للعصر الحديدي الأول لا تختلف كثيراً في طبيعتها وتقنياتهاعن آثار نهاية العصر البرونزي المتأخر، على الرغم من دخول مجموعات بشرية جديدة لأرض كنعان،مثل، قبائل شعوب البحر. ويرى أن الاختلافات في أشكال وتقنيات الأدوات والأواني الأثرية تعتمد كثيراً على العوامل الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، في أكثر الحالات. لكنه يستردف، ويذكر، بأن المادة الأثرية المكتشفة في المراكز الحضارية الكنعانية تختلف في ماهيتها وأشكالهاعن تلك التي تخص الاسرائيليين الرعاة (Finkelstein 1988: 338). وحتى يصل "فنكلشاين" إلى مبتغاه، في فصل مناطق الاسرائيليين الرعاة عن تلك الكنعانية، كان لا بد له من إعادت هذه المستوطنات إلى فترات زمنية، أي تأريخ المواقع الأثرية في المناطق التي، برأيه، سكنتها تلك المجتمعات الرعوية. وليستقيم له الأمر بدأ بدراسة المستقرات البشرية بالمرحلة الثانية من العصر البرونزي المتوسط (حوالي 1800 -1650 قبل الميلاد)، وهي الفترة التي ظهر فيها سيدنا ابراهيم (عليه السلام) حسب رأي التوراة، مروراً بالعصر البرونزي المتأخر، وتدرج بالحديث حول طبيعة الاستيطان والمعيشة حتى نهاية العصر الحديدي الأول (حوالي 1200 - 1000 قبل الميلاد) (Finkelstein 1988: 339-340). استنتج فنكلشتاين بأن عدد المستقرات البشرية (المراكز الحضارية) الكنعانية أخذ بالتراجع منذ الفترات الأخيرة من العصر البرونزي المتوسط، ورفض فكرة أن يكون السبب في هذا مرجعه إلى احتلال الدولة الحديثة الفرعونية للمنطقة، بل اقترح التغير في النمط المعيشي خاصة التحول إلى نمط البداوة هو السبب في ذلك. إذ أن الناس ونتيجة للاستهلاك المتواصل للموارد الطبيعية ، وانتشار الأمراض والأوبئة، والاحتلال العسكري الفرعوني الذي فرض الضرائب الباهظة على الناس، وانعدام الأمان في تلك الأيام هي الأسباب التي دفعت الناس لهجران المراكز الحضارية والتحول إلى البداوة. وعزز قوله هذا باكتشاف آثار (معابد ومقابر) في مناطق منعزلة من جنوبي بلاد الشام، لكنها بنيت قريبة أو بعيدة عن المراكز الحضارية، وافترض أنها خصت مجتمعات غير مستقرة أو بدوية الطابع كانت على تواصل مع أهل المدن والقرى، وضرب لنا أمثلة مما اكتشف في تل الدوير في منطقة الخليل ومنطقة نابلس. وقدم لنا فتكلشتاين مثالاً على هذه المجتمعات من قبائل "الشاسو" البدوية التي سكنت جنوبي بلاد الشام وسينء خلال نهاية العصر البرونزي المتأخر (Finkelstein 1988: 341-345). ويعتقد فنكلشتاين أن الوضع الأمني في كنعان قد أصبح أكثر أماناً، وضعفت السيطرة الفرعونية على كنعان، وأصبحت سبل الحياة متوفرة بشكل أفضل خلال نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد مما فسح المجال أمام المجموعات البشرية للعودة والاستقرار في المراكز الحضارية (Finkelstein 1988: 345-346). ونوافق فنكلشتاين على رأية بتراجع السلطة المصرية على كنعان بعد انتهاء الأسرة التاسعة عشرة، وهذا مما أفسح المجال لجميع الناس في تلك المنطقة، سواء البدو أو الحضر، بالتقاط الأنفاس واستغلال الفراغ السياسي الذي حصل. كذلك يرى فنكلشتاين أن تغيراً مناخياً قد حصل مع نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد أدى إلى عدم توفر المراعي لرعي الحيوانات مما أجبر المجتمعات الرعوية على الزراعة، ومع مرور الزمان تحولوا إلى مزارعين مستقرين. خلاصة رأي فنكلشتاين، يرى أن الاسرائيليين كانوا في الأساس من جذور كنعانية، ولم يستبعد دخول مجموعة أخرى جاءت من مصر ودخلت من جنوب كنعان وانضمت إلى الأولى. وأن هؤلاء كانوا يعيشون في المناطق المناسبة للرعي المحاددة للمراكز الحضارية، ولكنهم كانوا على تواصل مع بعضهم بعضا، فأقاموا معها علاقات اقتصادية. لكن هؤلاء الرعاة أخذوا مع نهاية العصر البرونزي في الاستقرار، واحتاجوا لما يقارب من المائتي عام ليؤسسوا ما عرف باسم "دولة اسرائيل" . وبرأيه أنهم توزعوا في بادئ الأمر في مناطق نابلس ورام الله، والجليل الأسفل، والنقب، وانتشروا في بقية مناطق فلسطين في مراحل زمنية متأخرة. ونتيجة لزيادة السكان في مستقراتهم الأولى، وحاجتهم لمناطق زراعية أوسع، اضطروا إلى الصدام العسكري مع المدن والقرى الكنعانية. نتيجة لهذه الصراعات، والقتال مع شعوب البحر الذين استقروا في الجزء الجنوبي من السهل الساحلي الفلسطيني، اضطرت القبائل الاسرائيلية المتباعدة إلى الوحدة ، وتأسيس الدولة الموحدة في القرن العاشر قبل الميلاد (Finkelstein 1988: 350-351). ولقد أكد فنكلشتاين في سنوات لاحقة لنشره نظريته في عام 1988 ميلادية مع إضافة بعض الشروحات المستفيضة، أو التعديلات البسيطة ، مثل، أنه ومع مرور الزمان يصعب التفريق بينن المستقرات الحضارية والأخرى التي تخص المجتمعات الرعوية (Finkelstein 1992; 1994; 1995; 1996; 1997; 1998; 2007a; 2007b). ونود أن ننوه هنا إلى أن المدرسة التقليدية التوراتية برئاسة وليم فوكسويل أولبرايت كانت تبحث عن مواقع وآثار ورد ذكرها في التوراة لمجتمعات خرجت من مصر ودخلت إلى فلسطين عنوة. ومع نكبة فلسطين وتأسيس دولة الكيان الصهيوني في عام 1948 ميلادية تابع الآثاريون المتصهينون من أمثال يغال يادين السير على نفس المنهج، لكن مع ظهور جيل جديد من الآثارين الصهاينه، مثل اسرائيل فنكلشتاين (Israel Finkelstein) وآشر زلبرمان(Asher Silbermann)، الذين أكدوا على أن الاسرائيليين هم من الرعاة الكنعانيين سكنوا المناطق المجاورة للمراكز الحضارية الكنعانية، ومن هنا تجدهم الآن يبحثون في هذه المناطق عن آثار لهذه المجتمعات. لكنهم وبرأيي وعلى الرغم من زعمهم أنهم لم يعودوا تابعين للمدرسة التوراتية التقليدية التي أسسها أولبرايت، إلاّ أنهم بنظرنا لم يستطيعوا الخروج من تحت عباءة التوراة، من هنا نجدهم عادوا الآن للتنقيب في تل المتسلم، وتل وقاص ، وبيسان. 5. نظرية المفاهيم والأفكار المتعددة: وإضافة لهذه النظريات، خرجت الأمريكية آن كلبريو بنظرية جمعت جميع ما سبق من أفكار ومفاهيم، وأطلقت عليها اسم (The Mixed Multitude Theory). وشملت هذه النظرية القصص التوراتية من حيث الخروج من مصر والدخول إلى أرض كنعان، والاجتماع على إله واحد وفكر واحد، وتشابه في المادة الأثرية والإثنولوجيا، وطبيعة الحياة الرعوية التي تقوم على المفهوم القبلي بوجود مجموعات بشرية ترتبط مع بعضها بعضا عن طريق القرابة والنسب لكنها تسمح لعناصر بشرية اخرى قليلة العدد بالتواجد بينها والانتساب إليها (Killebrew 2005). وجدنا بعد دراسة هذه النظريات مجتمعة أنها لا تبعد كثيراً عن بعضها بعضا، فهي تختلف فقط فيما إذا كان الاسرائيليون الأوائل من أبناء المنطقة أم لا؟ لكنها تتفق جميعها على أن طبيعة هؤلاء القوم هي البداوة ورعي الماشية. و يدعم هذا الأمر ما ورد في الكتب السماوية ومنها القرآن الكريم (سورة القصص). إذ تذكر التوراة أن سيدنا موسى عليه السلام هرب من مصر إلى منطقة "مدين" الواقعة في جنوبي بلاد الشام وتمتد إلى شمال-غربي الجزيرة العربية، خوفاً على نفسه من الفرعون، إذ ورد في سورة الأعراف الآية 85 ما يلي: "وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ". واستقر به المقام عند نبي الله "شعيب" الذي زوجه واحدة من بناته المدعوة "العصفورة أو صفورية"" وهي التي نصحت أباها أن يستأجره لأنه "قوي أمين" حسبما ورد في القرآن الكريم:  قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ  [5](سورة القصص، الآية 26).  قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ   [5](سورة القصص،الآية 27). وبعد أن مكث موسى عدداً من السنين في مدين غالبه الحنين إلى مصر، فقرر العودة إليها مع زوجته وأهله الذين كانوا معه في مدين. ويورد القرآن الكريم ما حدث له في طريق العودة، وعلى النحو الآتي: إذ ضل الطريق إلى مصر، لكن وبعد أن وصل جبل الطور بسيناء، هداه الله تعالى إلى الطريق الصحيح " إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى  [7] (سورة طه، الآية 10) أي: من يدله على الطريق إلى مصر . فلما أتى موسى النار من جانب الشجرة المباركة، سمع نداء:  إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى  وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى  [8] سورة طه، الآيتين 12-13. فأوحى الله له ما أوحى، وكلّفه أن يحمل الرسالة إلى الطاغي فرعون، وأعطاه الله الآيات، وطلب موسى من ربه أن يرسل معه أخاه هارون، ليكون له ردءاً، وأثنى موسى على أخيه بين يدي ربه بأنه أفصح منه لساناً، وأضاف موسى و قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ  وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ  [9] سورة القصص، الآيتين 33-34. فقال له الله عز وجل:  قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ   35. وبعد أن عاد موسى إلى مصر من "مدين" أخذ معه زوجته إلى هناك. لكن وبعد أن صعب عليه وأهله العيش خرج منها ومعه أقاربه مع نهاية القرن الثالث عشر قل الميلاد (أي في حوالي 1200 قبل الميلاد) عائداً إلى أهل زوجته في مدين. ونعتقد أن العدد الذي ذكرته التوراة مبالغ جداً فيه، وأن العدد لم يتجاوز بعض المئات من الناس على الرغم من الرقم الذي ذكرته الوراة (600 ألف شخص): 35" وفعل بنو إسرائيل بحسب قول موسى. طلبوا من المصريين أمتعة فضة وأمتعة ذهب وثيابا 36 وأعطى الرب نعمة للشعب في عيون المصريين حتى أعاروهم. فسلبوا المصريين 37 فارتحل بنو إسرائيل من رعمسيس إلى سكوت، نحو ست مئة ألف ماش من الرجال عدا الأولاد 38 وصعد معهم لفيف كثير أيضا مع غنم وبقر، مواش وافرة جدا" (الخروج 12: 35-38) ويؤكد القرآن الكريم على أن الذين اتبعوا ديانة موسى هم نفر من قومه، أي يعني عدداً قليلاً، ولا يمكن أن يكون قد وصل عددهم أكثر من نصف مليون شخص ما ورد أعلاه. إذ ورد في سورة يونس الآية 83 مايلي: "فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ" عاد موسى إلى"مدين" ومعه أقاربه، لكنه رجع بدين جديد موحد، أخذ ينشر تعاليمه بين القبائل البدوية ، ومنهم قبيلة "الشاسو" التي ذكرتها المصادر الفرعونية، والتي كانت تسكن جنوبي بلاد الشام وشمال غربي الجزيرة العربية. وكانت هذه الأقوام بغض النظر عن جنسها أو نسبها تشكل حلقة وصل بين مصر وبلاد الشام والجزيرة العربية، وعلى تواصل من خلال التجارة وغيرها. لكن اختلفت هذه القبائل عن محيطها بدينها، فهي تتبع دين موحد، آمنت به اثنتا عشرة قبيلة من القبائل البدوية الموجودة في هذه المنطقة المتوسطة. وتعايشت مع محيطها في الفترة السابقة لتحطيم الامبراطوريا الفرعونية والحثية والكاشية في حوالي 1200 قبل الميلاد. أدى هذا التحول السياسي، وتراجع الاحتلال الفرعوني والحثي عن بلاد الشام ، بشكل خاص، إلى ظهور دويلات وثنية متعددة مستقلة، منها الدول الآرامية، والعمونية، والمؤآبية، والأدومية، وشعوب البحر. أدى هذا الأمر بأن تشعر القبائل البدوية التي آمنت بالدين الموسوي الموحد أن تشعر أنها في خطر من ظهور هذه الوحدات السياسية، فدعت إلى الوحدة فيما بينها، وبحثت لها عن مستقر آمن. وحيث أنها لا تستطيع مقابلة الدول القوية في المنطقة، قررت الذهاب إلى المنطقة الأضعف عسكرياً، وكانت كنعان بمدنها المتحاربة مع بعضها بعضا. فتسللت إليها سلماً، حتى استقام لها الأمر. وبعد أن قويت شوكتها سيطرت على مساحة صغيرة من أرض كنعان، ولمدة قصيرة جداً (حوالي سبعين عاماً). إذن نعتقد أن العامل الديني، وعدم وجود وطن قومي ثابت على مدى الدهور، وضعف دويلات المدن الكنعانية في فلسطين هو الذي أدى إلى استلام هذه القبائل العربية اليهودية إلى أرض كنعان. الخاتمة: تشكل أرض كنعان، وهي جزء من البلاد العربية في شرقي آسيا، حلقة وصل بين مجموعة من الأمم التي تسكن آسيا وافريقيا وأوروبا، وعليه فهي مدخل ومخرج لمجموعة من البشر عبر العصور، من القديم وحتى الوقت الحاضر. وحيث أن الأمر هكذا فقد أثر وتأثر سكانها بمجموعة من الثقافات والأديان عبر العصور، خاصة إذا ما علمنا أنها المكان الذي آوى الرسالات السماوية الثلاث، اليهودية، والمسيحية، والاسلامية. كذلك تعرضت هذه البلاد خلال العصور القديمة للاحتلال الفرعوني والرافدي والفارسي واليوناني والرومي وما تبعهم، وهي حتى الآن تعاني. وللأسف لم تحظى هذه البلاد خلال العصور السابقة للإسلام بأي نوع من الوحدة السياسية، وحتى لم تكن لها عاصمة مركزية واحدة، فكل مدينة شكلت دولة لنفسها، وحاربت ما حولها من مدن، وهذا مما جعلها لقمة سائغة على الدوام. لكن وعلى الرغم من هذا، بقيت منارة فكر واشعاع ديني، ومن هنا لعب الدين دوراً كبيراً في حياة الناس، ومنهجم الحياتي. لهذا الأمر نرى، أن الدين الموسوي الموحد كان السبب الأساس الذي جمع القبائل التي اتبعته للبحث عن وطن لها. يظهر لنا أن من آمن برسالة موسى عليه السلام كانت مجموعة من القبائل البدوية التي سكنت جنوبي بلاد الشام وسيناء، وهؤلاء هم م، أطلقت عليهم المصادر المصرية باسم "شاسو"، وسكان "مدين". وإذا المجتمعات البدوية متنقلة ولا تترك آثاراً معمارية خلفها. لكن ما يعرف باسم الفخار المديني تم العثور عليه في مواقع العصر الحديدي في مواقع في النقب في فلسطين، وربما في فينان في الأردن في تيماء في شمال غربي المملكة العربية السعودية (Kafafi 2014). وهذا يدلل على التواصل الذي كان موجوداً بين الناس في هذه المناطق خلال تلك المرحلة. وبرأينا، أن الاحتلال الأجنبي، وهذا ما جرى لبلاد كنعان من احتلال فرعوني خلال العصر البرونزي المتأخر (حوالي 1550 - 1200 قبل الميلاد) يؤثر على توزيع الناس وطبيعة حياتهم. ونعتقد أن هذا الأمر، إضافة لتغير الخارطة السياسية في حوالي 1200 قبل الميلاد خاصة نهاية الامبراطورية الفرعونية، أفسح المجال أمام ظهور وحدات سياسية جديدة جمعت بعضها صلة النسب والقرابة، مثل، الآراميون، والعمونيون، والمؤآبيون، والأدموميون؛ وجمعت البعض الآخر، وهم الاسرائيليون، الدين. لكن ومع تقلب الأحوال على المجتمع نجد أنه يتحول ويتبدل حسب الزمان والمكان، فتأثر أولاً بالعناصر الثقافية والدينية الكنعانية، وبعد السبي البابلي بالرافدية. حملت الحركة الصهيونية العالمية منذ انشائها التوراة بيد، معلنة حقها في أرض كنعان، وقالت هذا وعد إلهي على العالم أن يساعدها في تنفيذه، لكن ماذا فعلنا نحن العرب بالمقابل. لقد أصبحنا نتشنج عندما نسمع كلمة "يهود"، لكن من ينكر أن أتباع موسى وداود وسليمان هم عرب ومن أهل هذه الأرض. أليس من الأولى لنا أن نقول أن دين وتراث اليهود الأوائل ، وحتى الدولة الاسرائيلية الموحدة التي ظهرت في الفترة بين حوالي 1000 - 923 قبل الميلاد، ودولتي "السامرة" و "يهوذا" هي لنا وليس للصهاينة، وهذه الدويلات قامت فقط على أجزاء من فلسطين الجغرافية، وليس على كامل ترابها. باعتقادي أن علينا الآن أن لا نخسر موسى وداود وسليمان، فهم أبناؤنا، ولا الديانة اليهودية التي قامت على أرضنا، نحن أحق بها من الصهاينة الذين جاؤوا من روسيا وأوروبا وأمريكا. لقد اتبع صهاينة هذه الأيام مناهج متعددة لتفسير الوعد الإلهي، ولتحقيق مآربهم، لكن العرب، وللأسف، اكتفوا بالرفض، والشجب، ولم يسعوا إلى متابعة ما يكتب حول هذه القضية. إلى متى يا رب...نبقى مقلّدين نردد كالببغاوت ما يقوله الآخرون... لماذا لا نكون مبدعين؟ ولا أعلم لماذا يفرح الناس عندما يقولون دون أساس أن هناك تراث حضاري كنعاني وآخر اسرائيلي، ويصرون أن الأول أقدم من الثاني، لذا لا حق لصهاينة في فلسطين الحالية. لا يا سادة لا يوجد لا تراث كنعاني ولا اسرائيلي، بل ما هو موجود هو تراث فلسطيني، له تاريخ متصل منذ أقدم العصور وحتى الحاضر، نشأ فوق الأرض الفلسطينية. المراجع: القرآن الكريم. الكتاب المقدس ابراهيم، معاويه 2010؛ دراسات في آثار فلسطين. عمّان: جامعة فيلادلفيا. بغدادي، رشاد محمود 1996؛ حول الأرض المقدسة عند اليهود. الاسكندرية: دار المعرفة. الغول، عمر 2016؛ مصطلحا "كنعان" و "الكنعانيين" في الميزان التاريخي. الحنونه 7: 11-16. كفافي، زيدان 2011؛ بلاد الشام في العصور القديمة. من عصور ما قبل التاريخ ختى الاسكندر المقدوني. عمّان: دار الشروق للنشر والتوزيع. نجاجره، غسان سعيد 2011؛ طبيعة وأنماط الاستيطان في المرتفعات الجبلية الفلسطينية في العصر الحديدي الأول 1200 - 1000 قبل الميلاد. رسالة ماجستير غير منشورة قدمت لاستكمال الحصول على درجة الماجستير من قسم الآثار، جامعة اليرموك. Aharoni, Yonan 1976; Nothing Early and Nothing Late: Re-Writing Israel's Conquest. Biblical Archaeologist 39/2: 55-76. Aharoni, Yonan 1979; The Land of the Bible: A Historical Geography. Revised and Enlarged. Translated by A. F. Rainey. Philadelphia: Westminister. Ahlström, G. W. 1993; The History of Ancient Palestine from the Palaeolithic Period to Alexander's Conquest. Journal for the Study of the Old Testament. Supplement Series 146. Sheffield: Sheffield Academic. Albright, W. F. 1935; Archaeology and the Date of the Hebrew Conquest of Palestine. Bulletin of the American Schools of Oriental Research 58: 10-18. Albright, William Foxwell 1939; The Israelite Conquest of Canaan in the Light of Archaeology. Bulletin of the American Schools of Oriental Research 74: 11-23. Albright, William Foxwell 1963; The Biblical Period from Abraham to Ezra. New York: Harper and Row. Astour, M.C. 1965; The Origins of the Terms "Canaan", "Phoenician" and "Purple". Journal of the Near Eastern Studies 24: 346-350. Callaway, Joseph 1993; "Ai". Pp. 39-45 in Ephraim Stern (ed.), The New Encyclopedia of Archaeological Excavations in the Holy Land. Simon and Schuster. Dever, William 1993; Cultural Continuity, Ethnicity, in the Archaeological Record and the Question of the Israelite Origins. Eretz Israel 24-: 22-23. Dever, William 1995; Ceramics, Ethnicity and the Question of the Israel's Origin. Biblical Archaeologists 58: 200-213. Dothan, T. and Dothan, M. 1992; People of the Sea. The Search for the Philistine. New York: Macmillan Publishing Company. Finkelstein, Israel 1988; The Archaeology of the Israelite Settlement. Jerusalem: Israel Exploration Society. Finkelstein, Israel 1992; Pastoralism in the Highlands of Canaan in the Tird and Second Millennia B.C.E. Pp. 133- 142 in O. Bar-Yosef and A. Khazanov (eds.), Pastoralism in the Levant: Archaeological Materials in Anthropological Perspectives. Madison, Wisconsin: Prehistory. Finkelstein, Israel 1994; The Emergence of Israel: A Phase in the Cyclic History of Canaan in the Third and Second Millennia B.C.E. pp. 150-178 in Israel Finkelstein and Nadav Na'aman (eds.), From Nomadism to Monarchy: Archaeological and Historical Aspects of Early Israel. Jerusalem: Israel Exploration Society. Finkelstein, Israel 1995; The Great Transformation: The 'Conquest' of the Highlands Frontiers and the Rise of Territorial States. Pp. 349-365 in Thomas Levy (ed.), The Archaeology of Society in the Holy Land. London: Leicester. Finkelstein, Israel 1996; Ethnicity and Origin of the Iron I Settlers in the Highland of Canaan: Can the Real Israel Stand Up? Biblical Archaeologist 4/59: 198-212. Finkelstein, Israel 1997; Pots and People Revisited: Ethnic Boundaries in Iron I. Pp. 216-237 in Neil Silberman and Dan Small (eds.), The Archaeology of Israel: Constructing the Past, Interpreting the Present. Sheffield: Sheffield. Finkelstein, Israel 1998; Bible Archaeology or Archaeology of Palestine in the Iron Age? A Reminder. Levant 30: 167-174. Finkelstein, Israel 2007a; Patriarchs, Exodus, Conquest: Fact or Fiction? Pp. 41-55 in Israel Finkelstein and Amihai Mazar (eds.), The Quest for the Historical Israel: Debating Archaeologyand the History of Israel. Atlanta: Society of Biblical Literature. Finkelstein, Israel 2007b; When and How Did the Israelite Emerge? Pp. 73-83 in Israel Finkelstein and Amihai Mazar (eds.), The Quest for the Historical Israel: Debating Archaeologyand the History of Israel. Atlanta: Society of Biblical Literature. Finkelstein, Israel and Silberman, Neil 2001; The Bible Unearthed: Archaeology's New Vision of Israel and the Origin of Its Sacred Texts. New York: The Free Press. Garrod, Dorothea and Bate, D. M. 1937; The Stone Age of Mount Carmel. Oxford. Gottwald, Normann 1979; The Tribes of Yahwa: A Sociology of the Religion of the Liberated Israel 1250- 1050 B.C.E. New York: Orbis Books. Gottwald, Normann 1983; Two Models for the Origins of Ancient Israel: Social Revolution or Frontier Development. Pp. 5-24 in H. B. Huffmom, F.A. Spina and A. R. W. Green (eds.), The Quest for the Kingdom of God: Studies in Honor of George Mendenhall. Winona Lake, Indiana: Eisenbrauns. Gottwald, Normann 1985; The Israelite as a Social Revolutionary Movement. Pp. 34-46 in Biblical Archaeology Today: Proceedings of the International Congress on Biblical Archaeology, Jerusalem, April 1984. Jerusalem: Israel Exploration Society. Gray, J. 1965; The Legacy of Canaan. 2nd Edition. Vetus Testamentum Supplement 5. Leiden. Hacket, J. A. 1997; Canaan. Pp. 408-409 in Eric M. Meyers (ed.), The Oxford Encyclopedia of Archaeology in the Near East, Volume I. New York: Oxford University Press. Harrison, Timothy 2009; New-Hittites in the "Land of Palestin". Renewed Investigation at Tell Ta'yinat on the Plain of Antioch. Near Eastern Archaeology 72.4: 174-189. Harrison, Timothy 2013; Tayinat in the Early Iron Age. Pp. 61-88 in K. Aslıhan YENER (ed.), LATE BRONZE-IRON AGE RELATIONS BETWEEN SYRIA AND ANATOLIA. Proceedings of a Symposium held at the Research Center of Anatolian Studies, Koç University, Istanbul May 31–June 1, 2010. Leuven: Peeters. Kafafi, Zeidan 2014; New Insights on the Copper Mines of Wadi Faynan/Jordan. Palestine Exploration Quarterly 146//4: 263-280. Kenyon, Kathleen 1957; Digging Up Jericho. London: Kenyon, Kathleen 1963; Amorites and Canaanites. London: Schweich Lectures. Lemche, N. P. 1985; Early Israel: Anthropological and Historical Studies on the Israelite Society before the Monarchy. Leiden: E. J. Brill. Lemche, N. P. 1991; The Canaanites and Their Land. The Tradition of the Canaanites. Journal of the Study of the Old Testament Supplement Series 110. Sheffield: JSOT Pres. Meek, Theophile 1936; The Israelite Conquest of Ephraim. Bulletin of the American Schools of Oriental Research 61: 17-19. Mendenhall, George 1962; The Hebrew Conquest of Palestine. Biblical Archaeologist 25/3: 66-87. Mendenhall, George 1973; The Tenth Generation: The Origins of the Biblical Tradition. Baltimore: John Hopkins University. Miller, P. D. Jr. 1981; Ugarit and the History of Religion. Journal of the Northwest Semitic Languages 9. 119:128. Noth, Martin 1948; Überlieferungsgeschichte des Pentateuch. (trans. by B. Anderson 1972). Prentice-Hall. Noth, Martin 1958; The History of Israel. New York: Harper and Row. Tubb, Johnathan 1998; Peoples of the Past. London: The British Museum Press. Weippert, Manfred 1971; The Settlements of the Israelites Tribes in Palestine. Translated by J. Martin. London: SCM Press. Weippert, Manfred 1982; Remarks on the History of Settlement in Southern Jordan during the Early Iron Age. Pp. 153-162 in Adnan Hadidi (ed.), Studies in the History and Archaeology of Jordan I. Amman: The Department of Antiquities of Jordan. Wilson, J. A. 1969; Egyptian Myths, Tales and Mortuary Texts. Pp. 3-37 in James Pritchard (ed.), Ancient Near Eastern Texts Related to the Old Testament. Princeton: Princeton University Press. Wright, George Ernest 1940; Epic of the Conquest. Biblical Archaeologist 3/3: 25-40. Wright, George Ernest 1960; Biblical Archaeology: Albridged ed. Philadelphia: Westminster. 2 image2.jpeg image3.png image1.emf Early Iron Age Syro-Hittite States Emerge from Hittite Empire Collapse Microsoft_Office_PowerPoint_Slide1.sldx Early Iron Age Syro-Hittite States Emerge from Hittite Empire Collapse image1.jpeg /docProps/thumbnail.jpeg