جامعة النجاح الوطنية كلية الدراسات العليا دعاء األنبياء في القرآن الكريم إعداد وداد طاهر محمد نصر إشراف خضر سوندك. د قدمت هذه األطروحة استكماال لمتطلبات درجة الماجستير في أصول الدين بكلية الدراسات .ينالعليا في جامعة النجاح الوطنية، في نابلس، فلسط م 2010 ت هداءاإل والنور الذي يهدي القلوب، فتستنير بهديه ... إلى معلّمنا األول "-صلى اهللا عليه وسلم–رسول اهللا " إلى َمْن غرس فيَّ حّب العلم فوفّى، ولطالما انتظر رؤية هذا اليوم "-رحمه اهللا–إلى روح والدي العزيز " الذي ال ينضب، والتي تحّملت معي نبع العطاء، وفيض الحنان... إلى َمْن برضاها تطيب الحياة .هموم الدارسة، فكانت ردءاً لي في كل ملّمة، وخير سلوة في كل محنة "إليك أمي الغالية" بسمة األمل في هذه الحياة، ... إلى الذين منحوني الثقة بالنفس .محمد، أحمد، محمود، إبراهيم: إخواني إلى شقيقات الروح وأفراحها، أخواتي وأخّص "زيزة رقية حفظها اهللالع" ، أساتذتي ومعلمّيإلى الذين نهلْت من علمهم .جزاهم اهللا عني، وعن كل طالب علم خير الجزاء ، أخواتي في اهللاإلى اللواتي ارتضين اإلسالم دينا وشْرعة ومنهاجاً، "ختام عارف عماوي"وأخّص أختي في اهللا أن يكون عمالً صالحاً في ميزان ورجاَءلهم، وفاًءالمتواضع، أهدي هذا الجهدإليهم جميعاً، .حسناتنا جميعا الباحثة ث شكر وتقدير الحمد هللا حمداً طيباً مباركاً يليق بجالله، الحمد هللا حمداً يوافي نعمه، ويكافئ فضله .ومزيده، أن أعانني على إتمام هذا العمل، الذي أرجو أن يكون ِعلماً ينتفع به ھَْل َجَزاُء [: وعمالً بقوله تعالىلفضل بفضلهم، وألهل العلم بجهدهم، اعترافاً منّي لذوي ا حمن{] اإِلْحَساِن إاِلَّ اإِلْحَسانُ ذا المقام، إال أن أتقدم بجزيل الشكر ، فإنه ال يسعني في ه}60:الرَّ وعظيم االمتنان، إلى كل من كانت له بصمة في إتمام هذا العمل، وإخراجه بهذه الصورة، :ذِّكروأخص بال أستاذ العقيدة والمذاهب المعاصرة في كلية الشريعة " خضر سوندك" الدكتورفضيلة بجامعة النجاح الوطنية، والذي أكرمني اهللا، بأن أنهل من معين علمه، وشّرفني بقبول اإلشراف على رسالتي، فلم يّدخر جهداً في تقديم التوجيه واإلرشاد، وقد كان لتوصياته وتوجيهاته الدور البارز في إثراء هذا العمل، وإخراجه بهذه الصورة، سائلة المولى، أن يثيبه على ما قّدم خيراً، .وأن ينفع طلبة العلم بِعلمه وأدبه خالد " الدكتورثم إّن واجب الوفاء بالجميل، يدفعني أن أتقدم بشكري الجزيل، إلى فضيلة بجامعة النجاح الوطنية، على تفضله أستاذ الحديث الشريف وعلومه في كلية الشريعة " علوان . بقبول رئاسة هذه الجلسة المباركة، فجزاه اهللا خيرا، وأدامه ذخرا لدين اهللا عودة "الدكتور فضيلة : والشكر موصول إلى أعضاء لجنة المناقشة، األستاذين الفاضلَين بجامعة النجاح أستاذ التفسير وعلومه، ورئيس قسم أصول الدين في كلية الشريعة ، "عبد اهللا ، أستاذ التفسير وعلومه في كلية القرآن والدراسات "إسماعيل نواهضة" الدكتورالوطنية، وفضيلة اإلسالمية بجامعة القدس، اللذْين تفضال بقبول مناقشة هذه الرسالة، وإن كان الشكر ال يفيهم . حقهم، فإن الجزاء من اهللا خير لهم وأبقى، فجزاهم اهللا عنّا كل خير حفظه اهللا، الذي " محمد السّيد" الدكتورأتقدم بخالص شكري ووافر تقديري إلى فضيلة و ما فتئ عن شحذ هممنا للُمضّي قُدما؛ لننهل من معين القرآن وعلومه، والصبر على العلم .وكأدائه، فأسأل اهللا تعالى أن يثيبه الخير كله، وأن يجعله خيرا مما أقول وأظن ج متنان إلى كلية الشريعة وقسم أصول الدين فيها وإلى القائمين على كما أتقدم بالشكر واال . مكتبة جامعة النجاح الوطنية . وإلى القائمين على مكتبة المسجد الكبير في مدينة جنين وإلى كل من أسدى إلّي بكلمة، أو أبدى بفكرة كانت من شأنها االرتقاء بمستوى هذا .نّي خير الجزاءالعمل وإثرائه، فجزاهم اهللا جميعاً ع ح إقرار : أنا الموقع أدناه، مقدم الرسالة التي تحمل العنوان في القرآن الكريم دعاء األنبياء أقر بأن ما اشتملت عليه هذه الرسالة إنما هي نتاج جهدي الخاص، باستثناء مـا تمـت لنيل أي درجة اإلشارة إليه حيثما ورد، وإن هذه الرسالة ككل، أو أي جزء منها لم يقدم من قبل .أو لقب علمي أو بحثي لدى أي مؤسسة تعليمية أو بحثية أخرى Declaration The work provided in this thesis, unless otherwise referenced, is the researcher's own work, and has not been submitted elsewhere for any other degree or qualification. Student's Name: وداد طاهر محمد نصر :اسم الطالب Signature: التوقيع:.................................................... Date: م) 10/8/2010( :التاريخ خ فهرس المحتويات الصفحة الموضوع الرقم تاإلهداء1 ثشكر وتقدير2 ح إقرار3 خفهرس المحتويات4 صالملخص5 1 مقدمة6 في القرآن الكريممفهوم الدعاء وأهميته:الفصل األول7 9 تعريف الدعاء:المبحث األول8 9 الدعاء في اللغة :المطلب األول9 12 الدعاء في االصطالح:المطلب الثاني10 15 النبي في اللغة:المطلب الثالث11 15 النبي في االصطالح:المطلب الرابع12 16 مفردات الدعاء ودالالتها في السياق القرآني:سالمطلب الخام13 16 العبادة :أوال14ً 17 النداء :ثانيا15ً 18 الذكر :ثالثا16ً 20 الصالة :رابعا17ً 20 االبتهال :خامسا18ً 21 االستغفار :سادسا19ً 22 االستعاذة :سابعا20ً 23 السؤال :ثامنا21ً 24 الشفاعة :تاسعا22ً 25 االستغاثة :عاشرا23ً 25 االستجارة :أحد عشر24 26 الجؤار :اثنا عشر25 28 أهمية الدعاء في القرآن الكريم:المبحث الثاني 26 د الصفحة الموضوع الرقم 28 مكانة الدعاء وفضله في القرآن الكريم :المطلب األول27 31 منهج القرآن الكريم في بيان أهمية الدعاء :المطلب الثاني28 31 ى تفّرد اهللا وحده بكشف الضّرالتنبيه عل :أوال29ً 33 الحث على الدعاء والنهي عن تركه :ثانيا30ً 34 بيان القواعد األساسية لكيفية الدعاء :ثالثا31ً 34 الدعاء حق خالص هللا ألنه يملك الضّر والنفع :القاعدة األولى32 36 إخفاء الدعاء وعدم االعتداء فيه :القاعدة الثانية33 37 التوسل إلى اهللا بأسمائه الحسنى والعمل الصالح :ثةالقاعدة الثال34 37 مدح أهل الدعاء، والثناء عليهم، والدعوة لمالزمتهم :رابعا35ً 39 تقديم نماذج للدعاء :خامسا36ً 41 أهمية الدعاء في حياة األنبياء:المبحث الثالث37 41 أهمية الدعاء بالنظر إلى حاجتهم للتعبد :المطلب األول38 43 بالنظر إلى مهمتهم ووظيفتهم في إبالغ الدعوة :لمطلب الثانيا39 46 بالنظر إلى حاجاتهم البشرية :المطلب الثالث40 ومراتب اإلجابة عليهودالالتهأنواع دعاء األنبياء:الفصل الثاني41 49 أنواع دعاء األنبياء:المبحث األول42 49 ع الدعاء، والترجيح بينهااجتهاد العلماء في بيان أنوا :المطلب األّول43 49 ما قاله اإلمام الزّجاج :أوال44ً 49 دعاء التوحيد والثناء على اهللا سبحانه -أ45 49 دعاء مسألة اهللا العفو والرحمة -ب46 49 دعاء مسألته من الدنيا -ج47 50 رأي اإلمام الرازي :ثانيا48ً 51 رأي اإلمام ابن القيم في أحد قوليه :ثالثا49ً 52 رأي ابن جرير الطبري :رابعا50ً 54 تالزم نوعي الدعاء مع األمثلة والسّر الفاصل بينهما :المطلب الثّاني51 54 تالزم نوعي الدعاء كما يقرره شيخ اإلسالم ابن تيمية :أوال52ً 56 تتضمن نوعي الدعاء نبوية أدعية :ثانيا53ً ذ الصفحة الموضوع الرقم 58 ماالسّر الفاصل بينه :ثالثا54ً 59 دعاء األنبياء انوع :المطلب الثالث55 59 دعاء العبادة والثناء عند األنبياء :أوال56ً 62 دعاء المسألة والطلب عند األنبياء :ثانيا57ً 65 دالالت دعاء األنبياء:المبحث الثاني58 65 الداللة على وجود اهللا :المطلب األّول59 65 يد الربوبيةداللة دعاء األنبياء على توح :أوال60ً 66 في مقام الخلق واإلحياء - أ61 67 في مقام الملك والتصرف في الكون - ب62 67 في مقام تفرد اهللا بالنفع والضّر - ج63 68 في مقام االستسالم هللا -د64 69 مقام تفرد اهللا بالرزقفي - هـ65 70 التوكل على اهللا واالستعانة بهفي مقام - و66 70 األلوهية توحيد األنبياء علىداللة دعاء :ثانيا67ً 72 تنزيه اهللا عن الشريك. أ68 72 تحقيق الدعاء بين الخوف والرجاء. ب69 73 اإلخالص في العبادة والشعائر. ج70 73 داللة دعاء األنبياء على توحيد األسماء والصفات: ثالثا71ً 74 أن ُيشبه بشيء من صفات المخلوقين - تعالى–تنزيه اهللا . أ72 75 إثبات األسماء والصفات التي أثبتها اهللا لنفسه أو أثبتها نبّيه .ب73 76 صفة العلم :أوال74ً 77 صفة القدرة :ثانيا75ً 78 صفة السمع والبصر :ثالثا76ً 79 قطع الطمع عن إدراك كيفية هذه الصفات: ج77 80 الداللة على دوام االفتقار إلى اهللا :المطلب الثّاني78 80 القرآني لالفتقار إلى اهللا األصل :أوال79ً 81 وجه داللة الدعاء على افتقار األنبياء :ثانيا80ً 83 أنواعها ومراتبهاوإجابة الدعاء:المبحث الثّالث81 ر الصفحة الموضوع الرقم 83 أنواع اإلجابة :األولالمطلب82 85 إجابة دعاء العبادة والثناء :أوال83ً 87 الطلبإجابة دعاء المسألة و :ثانيا84ً 90 مراتب اإلجابة :الثانيالمطلب85 93 تحقيق إجابة دعاء األنبياء :المرتبة األولى86 93 سرعة تحقيق إجابة الدعاء -أ87 100 تأخير اإلجابة إلى حين -ب88 104 عدم إجابة الدعاء :المرتبة الثانية89 صفات دعاء األنبياء:الفصل الثّالث90 109 ي الدعاءاإلخالص ف:المبحث األّول91 114 دعاء األنبياء مستجاب:المبحث الثّاني92 116 بشرية الدعاء:المبحث الثّالث93 116 العبادةدعاء في بشرية مالمح ال :المطلب األول94 118 مسألةالدعاء في بشرية مالمح ال :المطلب الثاني95 121 تعدد األساليب في الدعاء:المبحث الرابع96 121 وب لسان المقالأسل :المطلب األول97 121 ما كان بصيغة افعل :أوال98 122 ما كان بصيغة ال تفعل: ثانيا99 122 ما كان بصيغة جمعت ما بين الصيغتين: ثالثا100 122 أسلوب لسان الحال :المطلب الثاني101 123 وصف حال السائل :أوال102ً 124 وصف حال المسؤول :ثانيا103ً 124 المسؤولوصف حال السائل وحال :ثالثا104ً 126 اإلجهاد في الدعاء واإللحاح فيه:المبحث الخامس105 126 من خالل استغاثات األنبياء باهللا :المطلب األول106 128 من خالل طلبهم المغفرة والتوبة من الذنوب :المطلب الثاني107 128 من خالل تكرار لفظ الدعاء :المطلب الثالث108 ز الصفحة الموضوع الرقم 130 سار عليه األنبياء اًمنهج كون الدعاء :رابعالمطلب ال109 130 تكرير ِذكر ربوبية اهللا :المطلب الخامس110 131 علّو الهّمة في الدعاء:المبحث السادس111 132 ة في الدعاء الجزم بالمسألةمن علو الهّم :األولالمطلب112 134 التوكل على اهللا حصر ة في الدعاءومن علو الهّم :الثانيالمطلب113 134 ة في الدعاء اليقين في اإلجابةومن علو الهّم :الثالثالمطلب114 137 ة في الدعاء تعظيم المسألةومن علو الهّم :الرابعالمطلب115 137 طلبهم ألنفسهم المنازل المباركة والِذكر الحسن :أوال116ً 137 همة في طلب رؤية بعض أسرار الربوبية :ثانيا117ً 138 اقع الكافر بواقع مؤمنطلب تغيير الو :ثالثا118ً 139 البالغة في الدعاء:المبحث السابع119 140 البالغة في دعاء إبراهيم عليه السالم :المطلب األول120 142 البالغة في دعاء عيسى عليه السالم :المطلب الثاني121 143 البالغة في دعاء يعقوب عليه السالم :المطلب الثالث122 144 ي دعاء نوح عليه السالمالبالغة ف :المطلب الرابع123 144 البالغة في دعاء زكريا عليه السالم :المطلب الخامس124 145 البالغة في دعاء أيوب عليه السالم :المطلب السادس125 147 التوسل بأسماء اهللا الحسنى:المبحث الثامن126 آداب دعاء األنبياء:الفصل الّرابع127 151 عاءفي الد"أدب الكالم":المبحث األّول128 153 نسبة الخير هللا والشّر للنفس :المطلب األول129 153 الدعاء بالتلميح دون التصريح :المطلب الثاني130 154 دون أداة النداء" ربِّ"، "ربنا"، "اللهم"تصدير الدعاء بـ :المطلب الثالث131 154 تقديم طلب الدين على الدنيا، واالستغفار على االستيهاب :المطلب الرابع132 156 تقديم الثناء على اهللا قبل الشروع في الدعاء :ب الخامسالمطل133 156 دعاء اهللا بأسمائه الحسنى - أ134 157 تقديم التوحيد والتسبيح قبل الدعاء - ب135 س الصفحة الموضوع الرقم 158 الثناء عليه بِذكر صفاته سبحانهتقديم - ج136 158 تقديم الحمد والشكر على النعم والعطاء -د137 159 تقديم التوبة واإلقبال على اهللا بكُنه الهّمة - هـ138 160 خفض الصوت عند الدعاء :المطلب السادس139 162 التضرع والخشوع في الدعاء والرغبة والرهبة:المبحث الثاني140 165 إظهار االفتقار إلى اهللا:المبحث الثالث141 168 اإلسراع بالتوبة واإلقرار بالذنب:المبحث الرابع142 173 االستمرار في الدعاء وعدم اليأس:المبحث الخامس143 176 الدعاء للمؤمنين في ظهر الغيب واالستغفار لهم:المبحث السادس144 179 للدعاء ر األوقات واألحوال واألماكن الفاضلةتخّي:المبحث السابع145 179 ءلدعالر األوقات الفاضلة تخّي :المطلب األول146 180 ءلدعالاألحوال الفاضلة رتخّي :المطلب الثاني147 181 ءلدعالر األماكن الفاضلة تخّي :المطلب الثالث148 أبرز اآلثار المترتبة على دعاء األنبياء:الفصل الخامس149 184 آثار عقدية:المبحث األول150 184 ترسيخ مبدأ الوحدانية هللا :المطلب األول151 186 ةإثبات صدق النبوة بإقامة الحّج :المطلب الثاني152 188 زيادة اإليمان :المطلب الثالث153 190 العقيدة أساس العالقات بين العباد :المطلب الرابع154 192 إبراز بعض السنن الكونية :المطلب الخامس155 192 ُسنّة إهالك األمم المعاندة :أوال156ً 194 ة النصر والتمكين للفئة المؤمنةسنّ :ثانيا157ً 197 ل غفران الذنوبالدعاء سبي :المطلب السادس158 199 آثار نفسية:المبحث الثاني159 200 إصالح القلوب :المطلب األول160 201 الثقة باهللا وحسن الظن به :المطلب الثاني161 202 الشعور بمعّية اهللا :المطلب الثالث162 ش الصفحة الموضوع الرقم 204 الشعور بالطمأنينة القلبية :المطلب الرابع163 206 الثناء الحسن والذكر الخالد :المطلب الخامس164 209 آثار اجتماعية:المبحث الثالث165 209 رعاية األنبياء لألهل واالعتناء بهم :المطلب األول166 210 "الصالحة"من خالل الدعاء بطلب الذرية :أوال167ً 210 من خالل االستغفار والدعاء لهم :ثانيا168ً 212 ناصر في إقامة الدينمن خالل تحقيق مبدأ التعاون والت :ثالثا169ً 213 إحالل األمن واالستقرار في المجتمع :المطلب الثاني170 216 تربية األجيال بالقدوة :المطلب الثالث171 217 األنبياء أنموذج قدوة، في دوام اللجوء إلى اهللا :أوال172ً 218 األنبياء أنموذج قدوة في الصبر :ثانيا173ً 219 أنموذج لرمز العفة :ثالثا174ً 222 الخاتمة175 225 الفهارس العامة للبحث176 226فهرس اآليات177 245فهرس األحاديث178 246فهرس األعالم179 247فهرس المصادر والمراجع180 Bالملخص باللغة اإلنجليزية181 ص "دعاء األنبياء في القرآن الكريم" إعداد وداد طاهر محمد نصر إشراف خضر سوندك. د الُملخص راسة، في دعاء األنبياء، من خالل ما ورد عنهم من أدعية في القرآن تبحث هذه الد الكريم، وذلك ببيان مفهوم الدعاء وأهميته في حياة األنبياء، سواء أكان ذلك على مستوى تعبدهم به، أم على مستوى مسألتهم حوائج الدنيا، موضحة أنواعه لديهم، وصفاته التي حدد معالمها .نية التي تأدبوا بهاالقرآن، واآلداب الربا .وذلك في محاولة لبيان أثر دعائهم في ترسيخ مبدأ إفراد اهللا بالدعاء، وتفّرده باالستجابة وهادفة إلى توضيح منهج القرآن الكريم في التأصيل للعالقة بين العبد وخالقه، واتّباع .المسلك الصحيح في تحقيق الدعاء توصلت إلى تأصيل بعض القواعد المرتبطة ومن خالل تناول الدراسة لهذا الموضوع، :بالعقيدة ارتباطاً وثيقاً، بل والهدف الرئيس من إرسال الرسل، منها بالربوبية واأللوهية واألسماء - سبحانه–داللة دعاء األنبياء على وجود اهللا، وتفّرده - .والصفات .العبادداللة دعائهم على دوام االفتقار إلى اهللا، مع استغناء اهللا عن - :وإن من أهّم ما خلصت إليه الدراسة أن دعاء األنبياء يمثّل منهج حياة، لذا وجدنا آثاره في حياتهم بجوانبها المتعددة، الدنيوية منها واألخروية، فكان له أكبر األثر على الجانب العقدي، بتخلية القلب من كل ما سوى اهللا، كما .إصالح القلوب وحسن الظن باهللالمسنا أثر ذلك على الجانب النفسي، في ثم عبق أريجه على المجتمع بصورة عامة؛ ليتجسد منهج حياة متكامل يشمل الدنيا .واآلخرة، فكانوا القدوة الحسنة لألجيال من بعدهم 1 :مقدمة الحمد هللا الذي يعلم السّر وما يخفى، وال يعجزه شيء في األرض وال في السماء، وأشهد ] َغافِِر الذَّْنِب َوقَابِِل التَّْوِب َشِديِد الِعقَاِب ِذي الطَّْوِل اَل إِلَهَ إاِلَّ ھَُو إِلَْيِه الَمِصيرُ [، اهللاأن ال إله إال .المضطر إذا دعاه وكاشف السوء ، ومجيب}3:غافر{ :أعظم منّة َمّن اهللا بها علينا وبعد - صلى اهللا عليه وسلم–وأشهد أن نبينا محمدا اب اهللا يدرك تماما أن الرساالت السماوية جميعها جاءت بدعوة فإن الناظر في كت لَهَ إاِلَّ أَنَا َوَما أَْرَسْلنَا ِمْن قَْبلَِك ِمْن َرُسوٍل إاِلَّ نُوِحي إِلَْيِه أَنَّهُ اَل إِ [: قوله تعالىواحدة، استدالال من ى وحده، والتي هي الهدف ه الدعوة الخالدة هي عبادة اهللا تعال، هذ}25:األنبياء{ ]فَاْعبُُدونِ َواْدُعوهُ [: بإفراده بالعبادة والدعاء فقال - تعالى– لذا فقد أَمر اهللا ،اإلنساناألعظم من خلق وصرفه لغيره، نحو قول في الدعاءعن اإلشراك ىنه ، وقد}29:األعراف{] ُمْخلِِصيَن لَهُ الدِّينَ ِ فاََل تَْدعُ [: اهللا تعالى .}18:الجنّ {] وا َمَع هللاِ أََحًداَوأَنَّ الَمَساِجَد من خالل إفراده في التوجه -سبحانه-فالدعاء حلقة من الحلقات التي تبرز وحدانية اهللا .إليه؛ ألنه هو وحده من يملك النفع والضّر، وهو وحده من يملك االستجابة نها، ولّما كان اإلنسان ضعيفاً بطبعه، عاجزاً عن جلب الخير لنفسه، ودفع الضّر ع محتاجاً إلى اهللا مستعينا به، وجب عليه دوام التوجه إلى اهللا بالدعاء، وعدم تركه، وإن خير من . أقام أمر اهللا وحقق الدعاء، هم األنبياء وهم صفوة اهللا من خلقه ولقد قّص علينا القرآن الكريم، الرجاءات واالبتهاالت، التي وصلت األنبياء بخالقهم في ليكونوا أنموذجا، ُيتأسى به في دوام اللجوء إلى اهللا، لذا جاءت هذه كل حين وكل موقف؛ إللقاء الَضْوء على هذا الجانب المضيء من " دعاء األنبياء في القرآن الكريم"الدراسة بعنوان بالثناء عليه تعّبدا، ومسألته - سبحانه–حياتهم أثناء وصل نفوسهم بخالقهم، وفزعهم إلى اهللا والزموا ِذكره بالعشّي واإلبكار، فاستنارت قلوبهم - تعالى–ّدوا في طاعة اهللا لحوائجهم، وقد ج بِذكر اهللا، ونسأله تعالى أن ينير بالقرآن قلوبنا، ويلهمنا ِذكره آناء الليل وأطراف النهار، إنه .قريب مجيب 2 :الجهود والدراسات السابقة ، تعرضت لهذا الموضوع كان من الطبيعي أن تنظر هذه الدراسة إلى دراسات سابقة فتنتفع بها، وتُطّور على أساسها، غير أنّي لم أطّلع على مؤلَّف، ُيفرد هذا البحث، بصيغة التفسير الموضوعي، وبعد التنقيب عثرت على كتابين بصيغة التفسير التحليلي أحدهما للشيخ الشعراوي لمحمد " دعاء األنبياء"عنوان ، وثانيهما كتاب ب"دعاء األنبياء والصالحين"وهو كتاب بعنوان إسماعيل الجاويش، وفي كليهما، تم تحليل أدعية األنبياء بصيغة التفسير التحليلي بأسلوب قصصي، كما وردت في كتب التفسير، دون ترتيب للموضوع بصيغة دراسة موضوعية، غير إلى معاجم أن الدراستين، ساعدتا في تيسير الوقوف على شتات أدعية األنبياء، باإلضافة .موضوعات القرآن الكريم وفيما اطّلعت عليه بعد البحث حول موضوع الدراسة، في كتب التفسير القديمة والحديثة، إشارات مبعثرة، حيث ورد الدعاء، وعلى أساس ما كتبه المفسرون، انطلقت للوقوف د طريق على ما كتبه غير المفسرين حول هذا الموضوع، وقد ساعدت هذه الجهود في تمهي . البحث أمامي، وكشِف أبعاٍد مهمة للدعاء قد تناوله أهل العقيدة فيما " دعاء األنبياء"ومن الجدير بالذكر أن موضوع الدراسة يختص بإفراد اهللا بالدعاء، ودعائه بأسمائه الحسنى، كما تناولته كتب التزكية والسلوك، ومن :أبرز هذه الجهود .بن أبي العز الحنفيال / ـ شرح العقيدة الطحاوية1 ساعد هذا الكتاب في توضيح مفهوم التوحيد بأنواعه، والوقوف على حيثيات كل نوع منها، والنظر في مستلزماتها وقد ساعد هذا الكتاب كذلك في إمكانية الربط بين دعاء األنبياء، ة على توحيد اهللا وبين التوحيد بأنواعه؛ للخروج بنتيجة مفادها أن دعاء األنبياء له داللة واضح .سبحانه ، وهي رسالة ر العروسيضجيالن خل/ الدعاء ومنزلته من العقيدة اإلسالمية . 2 .علمية، نال بها الباحث درجة الماجستير بالجامعة اإلسالمية بالمدينة النبوية 3 وقد أفدت من هذه الدراسة، اإلطالع على ورود الدعاء في السياق القرآني، وداللة التوحيد بأنواعه، مع بيان أنواع الدعاء، غير أن الحديث حول موضوع الدعاء بقي الدعاء على .على العموم ولم يخصص في هذه الدراسة .البن تيمية/ كتاب مجموع الفتاوى . 3 وبعد البحث، فإني لم أجد في كتابات السابقين والالحقين، أشمل مما كتبه شيخ اإلسالم ، والتالزم بينها، والوقوف على دالالت أدعية بعض حول موضوع الدعاء، وبيان أنواعه .األنبياء .بن القيمال/ مدارج السالكين . 4 أن يتضح الكتابومن خالل هذا ،في كل ما ذهب إليهشيخه ابن تيميةَ ابن القيم وافق ] يَّاَك نَْستَِعينُ إِيَّاَك نَْعبُُد َوإِ [: يدور في دائرة معنى قوله تعالى ،في الحقيقة والنتيجة دعاء األنبياء ودعاء المسألة والطلب، " إِيَّاَك نَْعبُدُ : "قوله تعالى ه، إذ إن دعاء العبادة عندهم، يمثل} 5:الفاتحة{ ".إِيَّاَك نَْستَِعينُ : "قوله تعالى هيمثل من ناحية ،أما موضوع هذه الدراسة، فسيبحث في دعاء األنبياء في القران الكريم بجمع شتاته من أمات كتب ،هذا الموضوع يتمثل دوري كباحثة فيو ،التفسير الموضوعي رد دعاء األنبياء، ومن كتب العقيدة، واألخالق والسلوك، ومعاجم اللغة وغيرها؛ يالتفسير حيث إلبراز األسس التي أقام عليها األنبياء دعاءهم، مع بيان تالزمها، والسر الفاصل بينها، وبيان .توحيد بأنواعهداللة دعائهم على أصل ال وما ،وكذلك البحث في صفات دعاء األنبياء؛ لبيان حقيقة دعائهم القائم على اإلخالص متوسلين بأسماء اهللا الحسنى، وبأساليب متعددة؛ ،والبالغة، والحكمة اتصف به من علو الهمة، عند المثول بين وتناول األنبياء أدب الكالم - سبحانه –إلبراز األدب النبوي في تحقيق دعاء اهللا اهللا؛ وذلك للوقوف على أبرز اآلثار إلىمظهرين التضرع والخشوع واالفتقار ،يديه سبحانه التي نجد صداها عقيدة صلبة في نفوس األنبياء، كما نجد أثرها في تزكية نفوسهم والقيم التربوية .لتربي األجيال بالقدوة ،وإصالح أهم ما فيها أال وهو القلب، وإلظهار النماذج النبوية في الدعاء 4 :أهمية الدراسة .إن قيمة أي علم تقاس بأهميته، والهدف من تعلّمه، وبقدر حاجة العباد إليه التي من أجلها )1(هو العبادة - صلى اهللا عليه وسلم- عن رسول اهللا والدعاء كما صّح .}56:الذاريات{] ْعبُُدونِ َوَما َخلَْقُت الِجنَّ َواإِلْنَس إاِلَّ لِيَ [: فقالخلق اهللا الخلق المهّمة، التي ترتبط مباشرة بأمر العقيدة، فهو من أهم ما لذا كان الدعاء من القضايا .يربط العبد بخالقه وإنما اشتدت الحاجة إلى هذا العلم، أن موضوع الدعاء، سواء أكان دعاء عبادة أم دعاء ا القول، ال بّد لنا من الوقوف على الدعاء مسألة، ال بّد وأن يكون وفق منهج اهللا، وبناء على هذ .في القرآن الكريم، متمثال بدعاء األنبياء، ليبطل كل دعاء ُصرف لغير اهللا :كما تظهر أهمية موضوع البحث من حيث االعتبارات اآلتية مع اعترافي - - عز وجل–إني أحتسب البحث في هذا الموضوع، خدمة لكتاب اهللا : أوالً إال أنني أسهم في إلقاء الضوء على جانب من بحر علوم القرآن، ُيعّد - المقُّل أن جهدي فيه جهد عليه –، فالدعاء سبب للنجاة من كل كرب، فقد قال اهللا بحق يونس من أهم جوانب العبادة ، }فاتاالصَّ {] ) 144(ونَ لَلَبَِث فِي بَْطنِِه إِلَى يَْوِم يُْبَعثُ ) 143(فَلَْواَل أَنَّهُ َكاَن ِمَن الُمَسبِِّحينَ [: - السالم إيقاع العذاب في األمم، لعلهم يلجأون إلى اهللا ويتضرعون إليه كان سببا في ،أن ترك الدعاء كما ُعونَ [: قال تعالى اِء لََعلَّھُْم يَتََضرَّ رَّ فَلَْواَل ) 42(َولَقَْد أَْرَسْلنَا إِلَى أَُمٍم ِمْن قَْبلَِك فَأََخْذنَاھُْم بِالبَأَْساِء َوالضَّ ُعوا َولَِكْن قََسْت قُلُوبُھُمْ . }األنعام{)] 43(...إِْذ َجاَءھُْم بَأُْسنَا تََضرَّ إن طبيعة اإلنسان التي تتسم بالضعف واالفتقار إلى قوة تسندها، تجعل اإلنسان في : ثانياً .شعور دائم، وحاجة ماّسة إلى تلك القوة، باللجوء إليها، وطلب تثبيت الخطى على منهج اهللا دار ). 2(ط. بشار عواد معـروف : حققه). مج5(، سنن الترمذي): هـ279:ت(، أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي )1( هـذا حـديث : وقال ،5/386 .3372:لدعاء، الحديثم، كتاب الدعوات، باب ما جاء في فضل ا1998. الغرب اإلسالمي الموسوعة الحديثية مسـند اإلمـام ): هـ241:ت(ابن حنبل، أحمد بن حنبل وأخرجه أحمد في مسنده، . // حسن صحيح ـ 1419مؤسسـة الرسـالة، : بيروت). 1(ط. شعيب األرناؤوط وآخرون: تحقيق). مج50(، أحمد بن حنبل م، 1999-هـ .إسناده صحيح: ، قال شعيب األرناؤوط30/336، 18386: الحديث 5 إن ما يزيد من أهمية هذا النوع من الدراسة، ما حوته من قيم وآثار تربوية مترتبة :ثالثاً .على الصعيد النفسي، والعقدي، واالجتماعي في الكون، كإهالك الكافرين ونصر المؤمنين، -تعالى–فمن ذلك إبراز بعض سنن اهللا وشعور العبد بالقرب من اهللا –باشرة ومنها توثيق ُعرى المحبة بين العبد وربه، باللجوء إليه م .واطمئنانه بِذكره وتكوين القدوة الحسنة لألجيال المتعاقبة - عز وجل– ، علّها تسهم في ديمومة في الدعاء األنبياءمنهج جاءت هذه الدراسة لتؤصل :رابعاً .لغيرهدون وساطة توسالً بأسمائه الحسنى كما أمر، وعدم صرف الدعاء - سبحانه- اللجوء إليه :أسباب اختيار الدراسة لم يكن القرار بخوض غمار هذا الموضوع، وليد لحظته، فقد كتبته من قبل بحثا :أوالً وقد أشار علّي بإمكانية -حفظه اهللا– محسن الخالديلمادة التفسير الموضوعي بإشراف الدكتور .علمه وأدبهتطويره عنوانا لألطروحة، فجزاه اهللا عنّي خير الجزاء، ونفع به وب آثرت البحث في هذا النوع من الدعاء، واتخاذه موضوعا لدراستي، ال سيما أن :ثانياً دعاء األنبياء، لم يحظ بدراسة مستقلة، وبصورة التفسير الموضوعي، حسب علمي واطالعي، ين وألن هذا النوع من التفسير، يكسب الباحث ملكة النظر في كتاب اهللا، والتدبر في آياته، وتكو .نظرة شاملة حول الموضوع، استنباطا من اآليات الكريمة .التأصيل لهذه العبادة، وهي دعاء اهللا كما يحب ويرضى، متمثال بدعاء األنبياء :ثالثاً لما كان الدعاء في القرآن الكريم، هو األنموذج الذي ارتضاه اهللا لعباده، فأمرهم :رابعاً عيرة، اخترت دعاء األنبياء خاّصة، ولم أختر دعاء المالئكة به، وبّين لهم كل ما يتعلق بهذه الش أو المؤمنين أو أهل الجنة؛ ألن دعاء األنبياء أكمل الدعاء وأشمله ألمور الدين والدنيا، إضافة إلى الكيفية التي تميز بها األنبياء في دعائهم، فضالً عن اآلداب الربانية التي تأدبوا بها، فالدعاء أنعم بها علينا، إذ دعانا أن ندعوه بما نشاء من خير وفضل، ليعطينا ويزيدنا من منّة من اهللا، .فضله وعطائه 6 :إشكالية الدراسة :تحاول هذه الدراسة اإلجابة على اآلتي ما المقصود بالدعاء وما هي مفرداته في السياق القرآني؟. 1 باده متمثلة تلك العالقة في ما مدى اهتمام القرآن الكريم بتأصيل العالقة بين اهللا وع. 2 الدعاء، ومكانته في حياة األنبياء؟ ما هي الكيفية التي ارتضاها اهللا لدعائه وما هي ضوابطه؟. 3 ما هي الدالالت المستنبطة من دعاء األنبياء؟. 4 ما هي أنواع الدعاء ومراتب اإلجابة عليه؟. 5 داب الربانية التي تخلقوا بها عند ما هي الصفات التي اتسم بها دعاء األنبياء؟ واآل. 6 دعائهم لربهم؟ ما هي اآلثار المترتبة على دعاء األنبياء؟. 7 من المشاكل التي أريد معالجتها، اإلعراض عن الدعاء، أو اإلحجام عنه، بحجة أن . 8 .اهللا ال يستجيب، وبيان أن اهللا قريب يجيب من دعاه :أهداف الدراسة :يتتلخص هذه األهداف باآلت .إبراز أهمية الدعاء ومكانته من العقيدة. 1 تحليل دعاء األنبياء؛ للوقوف على دالالته، كالداللة على وجود اهللا مع الحاجة الدائمة . 2 .إليه .الخروج بنماذج ألدعية ربانية، ألن أفضل ما يدعى به اهللا هو كالمه. 3 .دم تركهاتخاذ أنبياء اهللا قدوة لنا باالستمرار في الدعاء وع. 4 :منهجية الدراسة :سرت في عرض مادة البحث وصياغته وفق المنهج اآلتي 7 اتبعت المنهج االستقرائي، وذلك عن طريق استقراء اآليات القرآنية، التي تحمل في - .ثناياها أدعية األنبياء اعتمدت عند الكتابة، المنهج التحليلي، إذ رجعت إلى أّمات كتب التفسير، لفهم - .ص، آخذة بعين االعتبار، التفاسير الحديثة، للخروج بالدالالت واالستنباطاتالنصو 8 الفصل األول مفهوم الدعاء وأهميته :وفيه ثالثة مباحث تعريف الدعاء: المبحث األول أهمية الدعاء في القرآن الكريم: المبحث الثاني أهمية الدعاء في حياة األنبياء: المبحث الثالث 9 األول المبحث تعريف الدعاء الدعاء في اللغة: المطلب األول ، وعّرف صاحب لسـان )1("طلب الطالب للفعل من غيره"الدعاء مصدر لفعل دعا، وهو الرغبة إلى اهللا، يقال دعاه دعاًء ودعوى، وقد بين أصـل همـزة : العرب الدعاء في اللغة بأنه ألنه من دعوت، إال أّن الواو لما جاءت بعـد والدعاء واحد األدعية، وأصله ُدعاٌو،: الدعاء فقال ناداه، واالسم الدعوة، ودعوت فالنا أي صـحتُ : دعا الرجل دْعواً ودعاًء: األلف ُهمزتْ، ويقال .)2(به واستدعيته دعوت الشيء أدعـوه دعـاًء، أقـاموا "أّن أصل الدعاء مصدر من )3(كما ذكر الزبيدي .)4("كما تقول سمعت صوتاً تقول سمعتُ دعاًء: المصدر مقام االسم الدال والعين والحرف المعتل، أصٌل واحد، وهو أن تميـل ) دَعْو: (وأما ابن فارس فقال دعوت أدُعو دعاًء، ثم أشار ابن فارس إلى بعـض : الشيء إليك بصوت وكالم يكون منك، تقول : وداعية اللبن... بالكسر: بالفتح، والدِّعوة في النسب: والدعوة إلى الطعام: "المعاني للدعاء فقال ما يترك في الضرع ليدعو ما بعده وتداعت الحيطان، وذلك إذا سقط واحد وآخُر بعده، فكأنمـا .)5("األول دعا الثاني . دار الفكـر :بيـروت . بال ط وسنة نشـر . )مج4(، المخصص ):هـ458:ت(ابن سيده، أبو الحسن علي بن إسماعيل )1( .13/88، 4مج دار :بيروت). 1(ط. )مج15(، لسان العرب ):هـ711:ت(ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم : انظر )2( ـ 393:ت(الجوهري، إسـماعيل بـن حّمـاد، : وانظر// .258-14/257م، مادة دعا، 1990-هـ1410 .صادر ):هـ .دار العلـم للماليـين :بيـروت ). 1(ط .أحمد عبد الغفور عطـار : تحقيق .)مج6(، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية .6/2337م، مادة دعا، ، 1956-هـ1376 هـ، من مصنفاته تاج العروس 1145ولد سنة ،يني الزبيدي، المصري الحنفيهو السيد محمد، الشهير بمرتضى الحس )3( : هـ، انظـر 1205بالطاعون سنة في شرح القاموس، وإتحاف السادة المتقين بشرح أسرار إحياء علوم الدين، توفي شهيداً ، شيخات والمسلسـالت فهرس الفهارس واألثبات ومعجم المعاجم والم ):هـ1380:ت(الكتاني، عبد الحي بن عبد الكبير .529-1/526 ،م1982-هـ1402 .دار العربي اإلسالمي :بيروت). 2(ط .إحسان عباس: قيقتح .)مج3( إتحاف السادة المتقين بشـرح أسـرار إحيـاء ):هـ1205:ت(الزبيدي، محمد بن محمد الحسيني المشهور بمرتضى )4( .5/27، لتراث العربيدار إحياء ا :بيروت. ط وسنة نشر بال .)مج10(، علوم الدين عبـد السـالم : تحقيق .)مج6(، معجم مقاييس اللغة ):هـ395:ت(ابن فارس، أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا )5( =الرازي، محمد بن: وانظر// .280-2/279م، مادة دعو، 1999-هـ1420دار الجيل، :بيروت). 2(ط. محمد هارون 10 .يالحظ أن ابن فارس أرجع هذه المعاني إلى إمالة الشيء الرجـل )دعا يدعو َدْعوا ودعاًء وَدْعوى: "(معانَي ُأخر للدعاء فقال )1(وأضاف الكرمي ودعا زيٌد صاحبه ناداه وصاح ... ودعا عليه بالموت... ربه، ابتهل إليه وسأله، ودعا له بالخير ودعـا بالكتـاب، ... به، ودعا األب ابنه زيدا أو بزيٍد، سماه زيداً، ودعاه اهللا بمكروه أنزله فيه اَل َربِّ [: كـريم ودعاه إلى الشيء حثّه على قصده، ومنه في القرآن ال... طلب َجلْبه وإحضاره قَ ا يَْدُعونَنِي إِلَْيهِ ْجُن أََحبُّ إِلَيَّ ِممَّ .)2("}33:يوسف{] السِّ والمعنى كما أورده الكرمي، يأتي بمعنى السؤال، والنـداء، والتسـمية، والحـثّ علـى .الشيء، والسَّوق إليه اهللا وأضاف صاحب اللسان صيغاً غير تلك التي ذكرت، وذلك استدالال من كتاب رسول أي بدعوته، وهي )3("المة اإلْسايَعَ دِ وك بِ ُعأدْ : "الذي بعثه إلى هرقل قائالً -صلى اهللا عليه وسلم- مصـدر "، وهـو )4(كلمة الشهادة التي ُيدعى إليها أهل الملل الكافرة، وفي رواية بداعية اإلسالم .)5("بمعنى الدعوة كالعافية والعاقبة مكتبـة :بيروت ).م1995-هـ1415(ط. محمود خاطر: تحقيق، تار الصحاحمخ ):هـ666:ت(أبي بكر بن عبد القادر = .86:ص لبنان ناشرون، م، أبوه سعيد الكرمي رجل علم وفقه، 1908هو أديب إعالمي فلسطيني اسمه حسن سعيد الكرمي ولد في طولكرم سنة )1( الكرمـي، حسـن سـعيد : انظر. م2007عربي، والهادي إلى لغة العرب، توفي سنة-قاموس المنار إنجليزي: من أعماله ما بعد / 1، م1991-هـ1411 .دار لبنان للطباعة والنشر :بيروت). 1(ط .)مج4(، الهادي إلى لغة العرب ):م2007:ت( .www.wikipedia.org: سنة الوفاة على الموقع اإللكتروني: وانظر// .الغالف .2/39، الهادي إلى لغة العرب :الكرمي )2( : تحقيق). مج6(، الجامع الصحيح المختصر): هـ256:ت(أبو عبد اهللا محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي البخاري، )3( م، كتاب بدء الوحي، باب كيف كـان بـدء 1987-هـ1407. اليمامة-دار ابن كثير: بيروت). 3(ط. مصطفى ديب البغا كَ [الوحي إلى رسول اهللا وقول اهللا جل ذكره ا إِلَْي ا أَْوَحْينَ ِدهِ إِنَّ ْن بَْع يَن ِم وٍح َوالنَّبِيِّ ى نُ ا إِلَ ا أَْوَحْينَ //. 1/9، 7:، الحـديث ]َكَم . محمد فؤاد عبد البـاقي : تحقيق). مج4(، صحيح مسلم): هـ261:ت(مسلم، أبو الحسين بن الحجاج القشيري النيسابوري اب كتاب النبي صلى اهللا عليه وسلم إلـى ب-6دار إحياء التراث العربي، كتاب الجهاد والسير، :بيروت. بال ط وسنة نشر .3/1396، 1773: هرقل يدعوه إلى اإلسالم، الحديث باب كتاب النبي صلى اهللا عليه وسلم إلى هرقل يدعوه إلـى اإلسـالم، -6، كتاب الجهاد والسير، صحيح مسلم: مسلم )4( .3/1397، 1773: الحديث بن األثير، مجد الدين أبو السعادات المبارك بـن محمـد الجـزري ا: وانظر. // 14/258، لسان العرب :ابن منظور )5( . ىحمحمـود محمـد الطنـا و طاهر أحمـد الـزاوي : تحقيق .)مج5(، النهاية في غريب الحديث واألثر ):هـ606:ت( .2/122، العلميةالمكتبة :بيروت). م1979-هـ1399(ط 11 والدعوى تصلح أن : "قال) الدعوى(كلمة الدعاء وهو كما ذكر ابن منظور مصدراً آخر ل اللهم أشركنا في صالح دعاء المسـلمين أو دعـوى المسـلمين : تكون في معنى الدعاء لو قلت .)1("جاز الدعوى مشـتقة مـن الـدعاء وهـو : "أنها مشتقة من الدعاء فقال )2(وذكر الجرجاني .)5(في الكليات )4(وكذا قال أبو البقاء )3("الطلب .)6("وإنه بيِّن الدَّعاوة والدعوى" .)7("والدِّعاوة اسم من االدعاء" :نلحظ األمور اآلتية" دعا"من كل ما سبق وبعد تتبع مادة وهـي كمـا " دعـا "هناك أكثر من صيغة نّص علماء اللغة على أنها مصدر لفعل :أوالً ".َدْعٌو ودعاية وداعية ودعوى ودعاوة: "وردت في هذا البحث عند إنعام النظر نجد أن الدعوى واالدعاء بينهما تقارب فـي المعنـى، ويأتيـان :ثانياً وللدعوى فـي : "بالمعنى نفسه في بعض األحيان، هذا ما أشار إليه ابن جرير الطبري حيث قال .14/257، لسان العرب :ابن منظور )1( عرف بالسيد الشريف، مـن مؤلفاتـه محمد بن علي السيد الزين الحسيني الجرجاني الحنفي وُي هو أبو الحسن علي بن )2( الضوء الالمـع ألهـل ):هـ902:ت(السخاوي، شمس اهللا بن محمد بن عبد الرحمن : انظر// .)هـ816: ت(التعريفات .5/328، 3دار مكتبة الحياة، مج :بيروت .طبعة وسنة نشر بال .)مج6(، القرن التاسع دار الكتـاب :بيـروت ). 1(ط. يرإبراهيم األبيا: ، تحقيقالتعريفات ):هـ816:ت(الجرجاني، علي بن محمد بن علي )3( .139:صهـ، 1405 .العربي هـ، 1028هو أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي، صاحب الكليات، كان من قضاة األحناف، ولد سنة )4( األعالم قاموس تراجم ألشـهر الرجـال ):م1976:ت( الزركلي، خير الدين: انظر// .هـ1094:تولّي القضاء بالقدس، .2/38م، 1984 .دار العلم للماليين :بيروت). 6(ط .)مج8(، والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين ، لمصطلحات والفروق اللغويـة الكليات معجم في ا ):هـ1094:ت( أيوب بن موسى الحسيني الكفوي ،أبو البقاء: انظر )5( .446:م، ص1998-هـ1419 .مؤسسة الرسالة :بيروت). 2(ط. عدنان درويش ومحمد المصري: تحقيق : تحقيـق .)مـج 40(، تاج العروس من جواهر القـاموس ):هـ1205:ت(مرتضى الحسيني الواسطي مدالزبيدي، مح )6( .49-38/48 الهداية،دار . نشر ط وسنة بال. مجموعة من المحققين . نشـر ط وسـنة بـال . عبد السالم هارون :أشرف على طبعه). مج2(، المعجم الوسيط :مصطفى إبراهيم، وآخرون )7( .1/286المكتبة العلمية، :طهران 12 أحدهما الدعاء، واآلخر االدعاء للحق، ومن الدعوى التي معناهـا الـدعاء : كالم العرب وجهان .)1("] فََما َزالَْت تِْلَك َدْعَواھُمْ [: وتعالىقول اهللا تبارك وقد أكد الراغب األصفهاني المعنى الذي ذهب إليه ابن جرير، حيث استدل مـن قولـه نَا[: تعالى ، على أن الدعوى هي االدعـاء، ومـن }5:األعراف{] فََما َكاَن َدْعَواھُْم إِْذ َجاَءھُْم بَأُْس الَِمينَ َوآَِخُر َدْعَواھُمْ [: قوله تعالى ِ َربِّ الَع ُد ونس{] أَِن الَحْم ، على أن الـدعوى بمعنـى }10:ي )2(.الدعاء يأتيان في مجال الـدعوة، أي دعـوة األمـم " دعاية وداعية"ُيلحظ أن المصدرين :ثالثاً والملل إلى اإلسالم، وهذا ما أشار إليه غير واحد من العلماء، استدالال مـن كتـاب رسـول اهللا وعليه فإن الطلب في هذا المعنى يأتي من األدنـى إلـى . )3(إلى هرقل -اهللا عليه وسلمصلى – األدنى، أي من المخلوق إلى المخلوق، في حين أن الذي عليه مدار بحثنا هو الطلب من األدنـى .إلى األعلى أي من المخلوق إلى الخالق الدعاء في االصطالح: المطلب الثاني . للدعاء في االصطالح تعددت تعريفات العلماء .)4("الرغبة إلى اهللا والعبادة: "فإن أبا البقاء عّرفه بأنه معنى قائم بالنفس، : "وفي إتحاف السادة، أضاف الزبيدي أن حقيقة الدعاء في االصطالح وهو نوع من أنواع الكالم النفسي، وله صيغ تخصه في اإليجاب افعل، وفي النفي ال تفعل، وقد ـ 310:ت(الطبري، محمد بن جرير بن يزيد بن خالد )1( .)مـج 30(، جـامع البيـان عـن تأويـل آي القـرآن ):هـ .8/119. دار الفكر :بيروت). هـ1405(ط المفردات فـي غريـب ، )هـ502:ت(األصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب األصفهاني : انظر )2( .170:ص .دار المعرفة :بيروت. بال ط وسنة نشر. محمد سيد كيالني: ، تحقيقالقرآن .2/122، النهاية :ابن األثير: وانظر. // 14/258، لسان العربابن منظور، : انظر )3( .447:، صالكليات :أبو البقاء) 4( 13 ينَا [: له تعالىاجتمعا في قو ْذنَا إِْن نَِس ة...َربَّنَا اَل تَُؤاِخ ) الرغبة إلـى اهللا : "(، وأضاف بأنه)1( "]اآلي ًعا َوُخْفيَةً [: فيما عنده من الخير، واالبتهال إليه بالسؤال، ومنه قوله تعالى .)2("]اْدُعوا َربَُّكْم تََضرُّ استدعاء العبد ربـه العنايـةَ، "، أنه "شأن الدعاء"فعّرف الدعاء في كتابه )3(أما الخطّابي واستمداده إياه بالمعونة، وحقيقته إظهار االفتقار إليه والبراءة من الحول والقوة التي لـه، وهـو .)4("ِسَمة العبودية، واستشعار الذلة البشرية، وفيه معنى الثناء على اهللا اهللا يا رحمن يا رحيم، وما قول القائل يا: "فقد عّبر عن معنى الدعاء بأنه )5(أما الحليمي .)6("أشبه ذلك . )7("كالم إنشائي دال على الطلب مع خضوع ويسمى سؤاالً"كما أن الدعاء .)8("قول َيطلب به اإلنسان إثباتَ حقٍّ على الغير"وعرفه الجرجاني بأنه لةأما دعاء المسأ )1("طلب األدنى من األعلى تحصيَل الشيء"بأنه )9(وعرفه ابن الجوزي .5/27، إتحاف السادة :الزبيدي) 1( .28/46، تاج العروس :الزبيدي )2( هـ، مـن تصـانيفه 388:ث لغوي، فقيه، أديب، تاب البستي أبو سليمان، محّدد بن محمد بن إبراهيم بن الخطّْمَحهو )3( األتابكي، جمال الدين أبو المحاسن : انظر . //لحديث، شرح البخاريمعالم السنن في شرح كتاب السنن ألبي داود، غريب ا محمد حسـين شـمس : هقدم ل .)مج16(، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ):هـ874:ت(ري بردي غْيوسف بن تَ .4/201م، 1992-هـ1413 .دار الكتب العلمية :بيروت). 1(ط .الدين ). 3(ط. أحمـد يوسـف الـدقاق : ، تحقيقشأن الدعاء): هـ388:ت(مد بن إبراهيم الخطّابي، أبو سليمان َحْمد بن مح) 4( .4م، ص1992-هـ1412. دار الثقافة العربية: دمشق الحليمي هو الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم الجرجاني أبو عبد اهللا فقيه شافعي، صار إماما معظما في الحديث في )5( ابن خلكان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمـد : انظر// .هـ403:اإليمان، ت المنهاج في شعب: ما وراء النهر، له دار صادر، :بيروت .بال ط وسنة نشر. إحسان عباس: تحقيق .)مج8(، وفيات األعيان وأنباء أبناء الزمان ):هـ681:ت( 2/137. .حلمي محمد فودة: تحقيق .)مج3(، يمانالمنهاج في شعب اإل ):هـ403:ت(الحليمي، أبو عبد اهللا الحسين بن الحسن )6( .1/522م، 1979-هـ1399 .دار الفكر). 1(ط أحمـد : وضع حواشـيه .)مج4(، كشاف اصطالحات الفنون ):هـ1158:ت(التهانوي، محمد علي بن علي بن محمد ) 7( .2/142م، 1998-هـ1418 .دار الكتب العلمية: بيروت). 1(ط .جسحسن ب .139:ص، التعريفاتالجرجاني، ) 8( هـ، له تصـانيف 597:هـ، وتوفي سنة508:هو عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد اهللا البكري، ولد سنة )9( علي : تحقيق، طبقات المفسرين ):هـ911:ت(السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر : انظر . //في التفسير والحديث والفقه .1/61، هـ1396 .مكتبة وهبة :القاهرة). 1(ط. محمد عمر 14 .)3("طلب ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره أو دفعه: ")2(كما يرى ابن القيم :بعد استعراض تعريفات العلماء لمصطلح الدعاء نلحظ أمرين اثنين أن كل واحد من العلماء قد تناول جانبا معينا من الدعاء، تناغمت جميعها لتصب في . 1 .معنى شامل للدعاء عاء من حيث هو رغبة ودافع للـدعاء، ومعنـى قـائم بـالنفس، فالزبيدي عّبر عن الد الكـالم (وهذا هو الجانب النفسي للكالم، وهو ركن مهم لحصول ما قصده الزبيدي ثانية وهـو ، وأما اآلخرون فقد أشاروا إلى الجانب اللفظي من الكالم، وأنه قول، وطلب، )اللفظي المدعو به .لجانب النفسيوسؤال، وهذا الجانب يتحصل بوجود ا كما ُيلحظ في تعريف العلماء للدعاء إبراز الجانب التعبدي به فهو ابتهـال ورغبـة، . 2 واستمداد عون، وإظهار افتقار وذلة بشرية، وبراءة من الحول والقوة إال باهللا، وفيه معنى الثناء دعاء : "في اإلجمال على اهللا، فكأنما قّسم العلماء من خالل تعريفاتهم، الدعاء إلى نوعين رئيسين ".دعاء سؤال وطلب"و" عبادة وثناء :العالقة بين المعنى في اللغة واالصطالح ، نزهة األعين النواظر في علـم الوجـوه والنظـائر ):هـ597:ت(ابن الجوزي، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن ) 1( .292:، صم1984-هـ1404 .مؤسسة الرسالة :بيروت). 1(ط. د عبد الكريم كاظم الراضيمحم: تحقيق هـ، قرأ 691:الدين ابن قيم الجوزية الحنبلي، ولد سنة هو محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي شمس )2( الفقه على ابن تيمية وكذلك األصول، كان جريئا كثير العبادة، الزم ابن تيمية إلى أن مات، من أهم مؤلفاته التفسير القـيم الـدرر ):هـ852:ت(العسقالني، أحمد بن علي بن محمد الشهير بابن حجر : انظر . //هـ751:وبدائع الفوائد، توفي سنة .41-3/40معلومات نشر، بال .)مج4(، الكامنة في أعيان المائة الثامنة هشام عبـد العزيـز عطـا : تحقيق .)مج4(، بدائع الفوائد، )هـ751:ت(رعي زابن القيم، محمد بن أبي بكر أيوب ال )3( .3/513م، 1996-هـ1416 .مكتبة نزار مصطفى الباز :مكة المكرمة). 1(ط. وآخرون 15 أما العالقة بين المعنى في اللغة واالصطالح، فإن مدلول الـدعاء فـي االصـطالح ال يختلف عن معناه في اللغة، إذ إن المعنى في اللغة هو الرغبة والطلب والنداء والعبـادة وهـذا 16 معنى نفسه، متحقق في االصطالح، فالداعي يرغب فيما عند اهللا مـن الخيـر، ويبتهـل إليـه ال .)1(بالسؤال، ويطلب ما ينفعه ودفع ما يضّره، فيقول يا اهللا يا رحمن يا رحيم النبي في اللغة: المطلب الثالث اَءلُونَ [: في اللغة مشتق من النبأ، بمعنى الخبر، قـال تعـالى النبي مَّ يَتََس إِ ) 1(َع ِن النَّبَ َع .}النَّبأ{) ] 2(الَعِظيمِ وهو مشتق من النَّْبَوة والنَّباوة، وهي االرتفاع عن األرض، أي أنه أشرف علـى سـائر .)2(الخلق .فالنبي يخبر عما يوحى إليه، وهو في الوقت نفسه أشرف الخلق وأرفعهم منزلة ْت [: ر، أي أّن اهللا أخبره وأوحى إليـه ألنه ُمخَْبٌر ُمخْبِر، فهو ُمخَب: وإنما سمي النبي" قَالَ رُ يُم الَخبِي أَنَِي الَعلِ : ، وهو ُمخبِر عن اهللا تعالى أمـره، ووحيـه }3:التَّحريم{] َمْن أَْنبَأََك ھََذا قَاَل نَبَّ ِحيمُ [ .)3("}51:الحجر{] يمَ َونَبِّْئھُْم َعْن َضْيِف إِْبَراھِ [، }49:الحجر{] نَبِّْئ ِعبَاِدي أَنِّي أَنَا الَغفُوُر الرَّ النبي في االصطالح : المطلب الرابع َمـْن : "، وعرفه الجرجاني بأنـه )4("َمن نبأه اهللا بخبر السماء"أما في االصطالح، فالنبي .)5("ُأوحَي إليه بَملك، أو ُألهَِم في قلبه، أو نُّبه بالرؤيا الصالحة واالصطالح، فإننا نستطيع أن نستنتج وبعد بيان معنى كل من الدعاء واألنبياء، في اللغة بأنه ما ورد عـن دعاء األنبياء في القرآن الكريمتعريفاً شامال للمعنى الذي يدور البحث حوله األنبياء من ثناء على اهللا، وابتهال إليه، ورغبة فيما عنده، بإظهار االفتقار، واستمداد العون بِِسَمة .العبودية، لجلب الخير وكشف الّضّر :الريـاض ). 1(ط .)مج2(، الدعاء ومنزلته من العقيدة اإلسالمية :العروسي أبو عبد الرحمن جيالن بن خضر: انظر )1( .49-1/48، م1996-هـ1417 .مكتبة الرشد .163-1/162، لسان العرب :ابن منظور: انظر) 2( ـ 1410. مكتبـة دار النفـائس -فالحمكتبة ال: الكويت). 4(ط، الرسل والرساالت :األشقر، عمر سليمان عبد اهللا) 3( -هـ .13:م، ص1989 .167:صھـ، 1391 .المكتب اإلسالمي: بيروت ).4(ط ،شرح العقيدة الطحاوية): ھـ792ت(ابن أبي العز : الحنفي )4( .307:ص، التعريفات :الجرجاني )5( 17 مفردات الدعاء ودالالتها في السياق القرآني: الخامسلمطلب ا يخلص إلى أن لفظ الدعاء يحمل في " الدعاء"الناظر في كتاب اهللا، والمتتبع لورود لفظ .َر معنىَعشَطياته اثني وبعد النظر في هذه األلفاظ، تم اختيار بعض المواضع على سبيل المثـال ال الحصـر؛ .وباهللا التوفيق. هد القرآنية، على تلك األلفاظلبيان داللة تلك الشوا :العبادة: أوالً اَدتِي [: وذلك في قوله تعالى ْن ِعبَ تَْكبُِروَن َع ِذيَن يَْس ْم إِنَّ الَّ تَِجْب لَُك ونِي أَْس ُم اْدُع اَل َربُُّك َوقَ .}60:غافر{] َسيَْدُخلُوَن َجھَنََّم َداِخِرينَ . مذلل: ريق معّبد، أيالتذليل، من قولهم ط :أصل العبادة والعبادة والخضوع والتذلل واالستكانة قرائب بالمعاني، حيث كل خضوع لـيس فوقـه .)1(خضوع فهو عبادة، والعبادة نوع من الخضوع ال يستحقه إال المنعم بأعلى أجناس النعم بمعنى العبادة، فجاءت مقترنة مـع -عز وجل-لقد ورد ذكر الدعاء في آيات كتاب اهللا ضها في اآلية نفسها في بعض المواضع، مما يدل على أنها تؤدي المعنى نفسه، ومثال ذلـك بع يَْدُخلُوَن [: -عز وجل-قول اهللا اَدتِي َس ْن ِعبَ تَْكبُِروَن َع ِذيَن يَْس َوقَاَل َربُُّكُم اْدُعونِي أَْستَِجْب لَُكْم إِنَّ الَّ .}60:غافر{] َجھَنََّم َداِخِرينَ . )3(أن آخر اآلية دل على أن المراد بالدعاء العبادة )2(ذكر ابن حجر كما ورد تعاقب الدعاء والعبادة في آيات الكتاب العزيز في شواهد كثيرة كما في قولـه نَا[: تعالى .)4(، يعني أنعبد من دون اهللا}71:األنعام{] قُْل أَنَْدُعو ِمْن ُدوِن هللاِ َما اَل يَْنفَُعنَا َواَل يَُضرُّ .13/96، 4، مجالمخصص :ابن سيده: انظر )1( مصري المولد والوفاة، شافعي، يعرف بابن حجر، محـدث ومـؤرخ، سقالني، علي بن محمد الكناني العهو أحمد بن )2( أديب وشاعر، من تصانيفه فتح الباري بشرح صحيح البخـاري، اإلصـابة فـي تمييـز الصـحابة، والـدرر الكامنـة، .2/36، 1، مجالضوء الالمع :السخاوي: انظر. // هـ852:توفي عبد العزيـز : تحقيق .)مج15(، فتح الباري بشرح صحيح البخاري ):هـ852:ت(علي العسقالني نابن حجر، أحمد ب )3( .11/107 .دار الحديث :القاهرة ).م2004-هـ1424(ط. بن عبد اهللا بن باز . حـاتم صـالح الضـامن : تحقيق ،في القرآن الكريم الوجوه والنظائر ):هـ150:ت(، مقاتل بن سليمان البلخي: انظر )4( .115:م، ص2006-هـ1427. د للثقافة والتراثمركز ُجمعة الماج: دبي). 1(ط 18 : عملت متصرفات العبادة ضمن الموضوع نفسه كما جـاء فـي قولـه تعـالى وقد است ھُْم َواَل يَْنفَُعھُمْ [ ْن ُدوِن [: ، وقوله تعالى}18:يونس{] َويَْعبُُدوَن ِمْن ُدوِن هللاِ َما اَل يَُضرُّ قُْل أَتَْعبُُدوَن ِم ا ا َواَل نَْفًع ّرً دة{] هللاِ َما اَل يَْملُِك لَُكْم َض د تعاقب ذكر كل من العبادة والدعاء في إطار ، فق}76:المائ .)1(الحديث عن جهالة المشركين في التوجه لغير اهللا في العبادة مع أبيـه آزر، -عليه السالم–ومن هذا القبيل أيضا، ما حكاه القرآن عن قصة إبراهيم ِزلُ [: في سورة مـريم -عليه السالم–فيقول اهللا تعالى على لسان إبراهيم ْن َوأَْعتَ ْدُعوَن ِم ا تَ ُكْم َوَم قِيًّا ي َش ُدَعاِء َربِّ وَن بِ ى أاَلَّ أَُك ي َعَس ْن ُدوِن هللاِ ) 48(ُدوِن هللاِ َوأَْدُعو َربِّ ُدوَن ِم ا يَْعبُ َزلَھُْم َوَم ا اْعتَ فَلَمَّ .}مريم{) ] 49(َوھَْبنَا لَهُ إِْسَحاَق َويَْعقُوَب َوُكاّلً َجَعْلنَا نَبِيًّا أخبر قومه، -عليه السالم–أن إبراهيم : اآلية الكريمة األولى، تروي لنا يظهر جليا، أن : أنه سيعتزلهم وما يدعون من دون اهللا وسيجعل الدعاء هللا وحده، وأما اآليـة الكريمـة الثانيـة قد اعتزل قومه وما يعبدون من دون اهللا، فانظر كيف وضـع -عليه السالم–فتقرر أن إبراهيم )2(!ان الدعاء؟القرآن العبادة مك :النداء: ثانياً َواِرثِينَ [: وذلك في قوله تعـالى ُر ال َت َخْي ْرًدا َوأَْن َذْرنِي فَ هُ َربِّ اَل تَ اَدى َربَّ ا إِْذ نَ ] َوَزَكِريَّ .}89:األنبياء{ .)3("مصدر ناديت، والنداء االسم، وهو الصياح"والنداء ظهوره، وقد يقال للصوت المجرد وإياه النداء هو رفع الصوت و"وقد ذكر أبو البقاء أّن .)4()"إاِلَّ ُدَعاًء َونَِداءً : (ُعني بقوله لقد جاء النداء بمعنى الدعاء في شواهد قرآنية كثيرة، ومن هذه الشواهد ما جـاء علـى .}89:األنبياء{] َوَزَكِريَّا إِْذ نَاَدى َربَّهُ َربِّ اَل تََذْرنِي فَْرًدا[: -عليه السالم–لسان زكريا .1/67، الدعاء :العروسي: انظر )1( ـ 1398 .دار اللـواء للنشـر والتوزيـع :الرياض). 4(، طصراع بين الحق والباطل :محمد، سعد صادق: انظر )2( -هـ .84:م، ص1987 .1/133، 1، مجالمخصص :ابن سيده )3( .907:، صالكليات: أبو البقاء )4( 19 ةً [: في حين قال في آية أخرى ةً طَيِّبَ يَّ ُدْنَك ُذرِّ ْن لَ ي ِم ھُنَالَِك َدَعا َزَكِريَّا َربَّهُ قَاَل َربِّ ھَْب لِ َعاءِ .}38:آل عمران{] إِنََّك َسِميُع الدُّ ، تارة بلفظ دعا، وتـارة أخـرى بلفـظ -عليه السالم–فاآليتان تحدثتا عن دعاء زكريا : الدعاء كالنداء، بل قد يستعمل كل واحد منهما موضع اآلخـر، قـال تعـالى ، فثبت أن )1(نادى .)2(}171:البقرة{] َوَمثَُل الَِّذيَن َكفَُروا َكَمثَِل الَِّذي يَْنِعُق بَِما اَل يَْسَمُع إاِلَّ ُدَعاًء َونَِداءً [ إال والمعنى ومثل داعيهم إلى اإليمان في أنهم ال يسـمعون مـن الـدعاء : "قال النسفي جرس النغمة، ودوّي الصوت، في غير إلقاء أذهان وال استبصار، كمثل الناعق بالبهائم، التي ال تسمع إال دعاء الناعق ونداءه الذي هو تصويت بها وزجر لها، وال تفقه شيئا آخـر كمـا يفهـم .)3("التصويت: العقالء، والنعيق :الذكر: ثالثا .}41:األحزاب{] ِذيَن آََمنُوا اْذُكُروا هللاَ ِذْكًرا َكثِيًرايَا أَيُّھَا الَّ [: ومن ذلك قوله تعالى .)4("والذكر أيضا الشيء يجري على اللسان... الحفظ للشيء"إن الذكر وقد ورد إطالق الذكر على الدعاء والتسبيح، والشكر، والطاعة، والشرف، وعليه فـإن هَ : "-اهللا عليه وسلم صلى–الذكر من الدعاء، وذلك استدالال من قول رسول اهللا ْكِر اَل إِلَ أَْفَضُل الذِّ ِ َّ ِ َعاِء اْلَحْمُد .)5("إال هللا َوأَْفَضُل الدُّ فالنبي الكريم عد حمد اهللا من أفضل الدعاء، وفي هذا الجانب علل المباركفوري سـبب لهما فإْن حمد هذا األمر بقوله أن الدعاء عبارة عن ذكر اهللا، وأن يطلب منه الحاجة، والحمد يشم .طلب المزيد، وهو رأس الشكر: اهللا، يحمده على نعمته، والحمد على النعمة .522:، صالمنهاج :ليميالح )1( .170:، صالمفردات :األصفهاني )2( .)مـج 2(، تفسير النسفي المسمى مدارك التنزيل وحقائق التأويل ):هـ710:ت( د بن محمودالنسفي، عبد اهللا بن أحم )3( .1/88، 1مج، دار الفكر. بال ط وسنة نشر .1/313، الوسيطالمعجم : مصطفى: وانظر. // 4/308، لسان العرب: ابن منظور )4( باب ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة، -9، كتاب الدعوات عن رسول اهللا صلى اهللا عليه وسلم، سنن الترمذي: الترمذي )5( .هذا حديث حسن غريب ال نعرفه إال من حديث موسى بن إبراهيم: قال الترمذي. 5/462، 3383:الحديث 20 ثم أضاف المباركفوري أن الحمد هللا يمكن أن يكون من باب التلميح باإلشارة إلى قولـه َراطَ الُمْستَقِيمَ [: تعالى .)1(]اْھِدنَا الصِّ ذكر وذلك من باب أن الـدعاء هـو وقد ذهب ابن تيمية كذلك، إلى اعتبار الدعاء من ال .ذكر للمدعو سبحانه يتضمن الطلب والثناء على اهللا بأوصافه وأسمائه وقد علل ذلك كون الحمد يتضمن الحب والثناء، والحب أعلى أنواع الطلب، إذ إن الحامد طالب للمحبوب، فهو أحق أن يسمى داعيا من السائل الطالب، فالحمد والثناء متضـمن ألعظـم .)2(لبالط أما الّزجاج فقد بين كيفية تسمية الذكر والثناء دعاء، منطلقا من أن النداء مـن معـاني يـا اهللا ويـا رب ويـا حـي : الدعاء، واإلنسان يصدر فـي الـذكر والثنـاء بالنـداء بقولـه . )3(فكذلك سمي دعاء رب، بـل إن وبناء على ما سبق، فإن الذكر من العبادة، وبالتالي فهو إلى دعاء العبادة أق .مفهومه ومفهوم دعاء العبادة متساويان .)4("إن كل واحد من الدعاء والذكر يتضمن اآلخر ويدخل فيه: "قال ابن تيمية ةً [: ويستدل ابن تيمية على ذلك من قولـه تعـالى ًعا َوِخيفَ رُّ َك تََض ي نَْفِس َك فِ ْر َربَّ ] َواْذُك : هللا في نفسه، وفي آية الـدعاء قـال تعـالى ، حيث أمر تعالى نبيه أن يذكر ا}205:األعراف{ ةً [ ًعا َوُخْفيَ رُّ ْم تََض ، فذكر التضرع فيهما معا وهو التذلل واالنكسـار }55:األعراف{] اْدُعوا َربَُّك .)5(وهو روح الذكر والدعاء تحفـة األحـوذي بشـرح جـامع ):هـ1353:ت( لرحمن بن عبد الرحيمالمباركفوري، أبو العال محمد عبد ا: انظر )1( .9/229، دار الكتب العلمية :بيروت. بال ط وسنة نشر .)مج10(، الترمذي عبد الـرحمن بـن : جمع وترتيب .)مج35(، مجموع الفتاوى ):هـ728:ت( انيابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم الحّر )2( .15/19 معلومات نشر، بال. محمد بن قاسم العاصمي النجدي عبد الجليل عبده : شرح وتحقيق). مج5(، معاني القرآن وإعرابه): هـ311:ت(الزّجاج، أبو إسحق إبراهيم بن السَّرِْي )3( .1/255م، 1988-هـ1408. عالم الكتب). 1(ط. شلبي .15/19، مجموع الفتاوى: ابن تيمية )4( .المرجع السابق نفسه والصفحة نفسها: انظر )5( 21 :الصالة: رابعاً .}103:وبةالت{] َوَصلِّ َعلَْيِھْم إِنَّ َصاَلتََك َسَكٌن لَھُمْ [ :ومن ذلك قوله تعالى .)1(الصالة الدعاء وهو أصل معانيها . )2(صليت عليه أي دعوت له وزكيت: ويقال َي ": وقد ورد لفظ الصالة بمعنى الدعاء في حديث رسول اهللا صلى اهللا عليه وسلم إذا ُدِع .)3("أحدكم فَْليُِجْب فَإِْن كان َصائًِما فَْليَُصلِّ َوإِْن كان ُمْفِطًرا فَْليَْطَعمْ فليدع ألهل الطعام بالمغفرة والبركـة، : ، أي"فليصل"النووي في معنى قول النبي ذكر مْ [: مؤكدا قوله كون الصالة هي الدعاء، مستدال بقوله تعـالى َكٌن لَھُ اَلتََك َس ْيِھْم إِنَّ َص لِّ َعلَ ] َوَص .)4(}103:التوبة{ س المـؤمنين إليـه أي ادع لهم واستغفر لهم، ألن دعاء النبي تسكن نفـو : قال اآللوسي .)5(وتطمئن قلوبهم به إن الصالة بالمعنى العام تتضـمن : "أما عن النسبة بين الصالة والدعاء فيقول ابن تيمية أي قصـده والتوجـه إليـه، -وهو دعاء اهللا-وهذا المعنى ... كل ما كان ذكرا هللا أو دعاء له موجودة في جميع موارد اسم المتضمن ذكره على وجه الخشوع والخضوع، هو حقيقة الصالة ال .)6("الصالة :االبتهال: خامساً .}61:آل عمران{] ثُمَّ نَْبتَِھْل فَنَْجَعْل لَْعنَةَ هللاِ َعلَى الَكاِذبِينَ [: ومن ذلك قوله تعالى .1/154، مختار الصحاح: الرازي: وانظر. // 38/437، تاج العروس: الزبيدي: انظر )1( .285:، صالمفردات: األصفهاني )2( .2/1054، 1431: ، باب األمر بإجابة الداعي إلى دعوة، الحديثكتاب النكاحصحيح مسلم، : مسلم )3( ). 2(ط. مـج 18 ،شـرح النـووي صحيح مسلم ب ):هـ676:ت(النووي، أبو زكريا يحيى بن شرف بن مرّي : انظر )4( .9/236هـ، 1392. دار إحياء التراث العربي: بيروت روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع ): هـ1270:ت(اآللوسي، أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود : انظر )5( .11/14، دار إحياء التراث العربي: بيروت. ، بال ط وسنة نشر)مج30(، المثاني .14/215، مجموع الفتاوى: ابن تيمية )6( 22 االجتهاد في الدعاء وإخالصه، وهو التضرع، ويطلق التبهـل علـى العنـاء : واالبتهال .)1(بالطلب اهلة في كتاب اهللا، في سورة آل عمران، ردا على من عاند الحق من وقد ورد ذكر المب حيث طلب الحق سبحانه من النبـي -عليه السالم–وفد نصارى نجران، وادعائهم إلهية عيسى أن يطلب منهم القدوم للمباهلة، وإحضار أبنائهم ونسائهم معهم، وكـذلك -صلى اهللا عليه وسلم– ِل آََدَم [: الكاذبين، وذلك في قوله تعـالى النبي، ثم يدعون اهللا أن يلعن َد هللاِ َكَمثَ َل ِعيَسى ِعْن إِنَّ َمثَ ِرينَ ) 59(َخلَقَهُ ِمْن تَُراٍب ثُمَّ قَاَل لَهُ ُكْن فَيَُكونُ ِه ) 60(الَحقُّ ِمْن َربَِّك فاََل تَُكْن ِمَن الُمْمتَ َك فِي ْن َحاجَّ فََم ِم َن الِعْل اَءَك ِم ا َج ِد َم ْن بَْع مَّ ِم ُكْم ثُ نَا َوأَْنفَُس اَءُكْم َوأَْنفَُس اَءنَا َونَِس اَءُكْم َونَِس ا َوأَْبنَ ْدُع أَْبنَاَءنَ الَْوا نَ ْل تََع فَقُ اِذبِينَ ى الَك ران{) ]61(نَْبتَِھْل فَنَْجَعْل لَْعنَةَ هللاِ َعلَ ، ومن هنا فإن االبتهال هو الدعاء، ويقول }آل عم .)3(عمل في كل دعاء يجتهد فيه، وإن لم يكن لعنةإن االبتهال است: )2(ابن ُجزّي من خالل ما سبق يتبين أن االبتهال خاص بالدعاء المبالغ بأدائه، والذي يجتهد اإلنسـان .في تحقيقه، ويكون من صفته اإلخالص :االستغفار: سادساً ْم إِْن تَ [: ومن ذلك قوله تعالى َر اْستَْغفِْر لَھُْم أَْو اَل تَْستَْغفِْر لَھُ ْن يَْغفِ ةً فَلَ رَّ ْبِعيَن َم ْم َس تَْغفِْر لَھُ ْس .}80:التوبة{] هللاُ لَھُمْ واستغفر اهللا مـن ذنبـه ... غفر اهللا ذنوبه أي سترها: "االستغفار مصدر استغفر، يقال .)4("ولذنبه بمعنى، فغفر له ذنبه مغفرة وغفرا وغفرانا .11/72، لسان العرب: ابن منظور: انظر )1( وسيلة المسلم في تهـذيب صـحيح :ف في فنون العلم منهاهو أبو القاسم محمد بن أحمد بن ُجَزّي الكلبي الغرناطي، ألّ )2( واقعـة طريـف ول إلى علم األصول، توفي شهيدا فيمسلم، والقوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية، وتقريب الوص ط وسـنة ، بال شجرة النور الزكية في طبقات المالكية ):هـ1360:ت( مخلوف، محمد بن محمد: انظر . //هـ741:سنة .213:دار الفكر، ص. نشر ـ ):هـ741:ت(الكلبي الغرناطيمحمد ، محمد بن أحمد بن ابن ُجزّي: انظر )3( ). 4(، ط)مـج 4(، لالتسهيل لعلوم التنزي .1/109، م1983-هـ1403 .دار الكتاب العربي :بيروت .26-5/25، لسان العرب: ابن منظور )4( 23 طلب من اهللا أن يتجاوز عـن ذنوبـه يظهر لنا أن االستغفار من الدعاء، ألن المستغفر ي يطلب من قومه -عليه السالم–ويسترها، فهو بذلك يطلب دفع الشر عن نفسه، فهذا نبي اهللا نوح .}10:نوح{] فَقُْلُت اْستَْغفُِروا َربَُّكْم إِنَّهُ َكاَن َغفَّاًرا[: طلب المغفرة لذنوبهم، فيقول لهم يتعبد بها اإلنسان لخالقه، فهو خـاص بـأمور كما أن االستغفار من أنواع الدعاء، التي العبادة، وبذلك فإن الدعاء يعم طلب الخير ودفع الشر، واالستغفار يختص بدفع الشر، وهو طلب .مغفرة الذنوب :االستعاذة: سابعاً ُح [: ومن ذلـك قولـه تعـالى هُ اَل يُْفلِ َواَي إِنَّ َن َمْث ي أَْحَس هُ َربِّ اَذ هللاِ إِنَّ اَل َمَع الُِمونَ قَ ] الظَّ .}23:يوسف{ .)1("عاذ به يعوذ عوذا وعياذا ومعاذا، الذ به، ولجأ إليه واعتصم"واالستعاذة من .)2(واالستعاذة هي االلتجاء إلى اهللا تعالى، وااللتصاق بجانبه، من شر كل ذي شر يفهم من ذلك أن االستعاذة تكون من شيء مكروه؛ لدفع ضره، فهي من الـدعاء بـدفع . روه، كما أن فيها التجاًء واعتصاما وافتقارا إلى اهللالمك لفظ عاذ وما تصرف منها، يدل على التحرز والتحصن والنجاة، وحقيقة : "يقول ابن القيم .)3("معناها الهروب من شيء تخافه، إلى من يعصمك منه ـ -عليه السالم–وقد ورد الدعاء بلفظ االستعاذة على لسان يوسف ى مرتين، فـي األول التجأ فيها إلى ربه مفتقرا إليه؛ ليعصمه من زلل المعصية، وذلهـا، هروبـا مـن االغـراءات واستعاذ ، }23:يوسف{] قَاَل َمَعاَذ هللاِ إِنَّهُ َربِّي أَْحَسَن َمْثَواَي إِنَّهُ اَل يُْفلُِح الظَّالُِمونَ [: المستمرة، فقال ن يأخذ أحدهم مكان أخيهم الذي سرق، فاستعاذ باهللا ثانية من أن يكون ظالما، حين راوده إخوته أ .}79:يوسف{] قَاَل َمَعاَذ هللاِ أَْن نَأُْخَذ إاِلَّ َمْن َوَجْدنَا َمتَاَعنَا ِعْنَدهُ إِنَّا إًِذا لَظَالُِمونَ [: باهللا قائال .3/498، المرجع السابق )1( ـ 1401(ط .)مـج 4(، تفسير القرآن العظيم ):هـ774:ت(ابن كثير، إسماعيل بن عمر الدمشقي )2( دار :بيـروت ). هـ .1/16، الفكر .2/426، الفوائد بدائع: ابن القيم )3( 24 نبيه بهذا النوع من الدعاء، يرشده بأن يستعيذ من أمور يقع منها -سبحانه–وقد أمر اهللا قِ [: رر على الناس، فأمره بالمعوذتين، قال تعـالى الض َربِّ الفَلَ وُذ بِ ْل أَُع ق{] قُ وقولـه . }1:الفل .}1:الناس{] قُْل أَُعوُذ بَِربِّ النَّاسِ [: تعالى يمٌ [: وكذلك في قوله تعـالى ِميٌع َعلِ هُ َس ِ إِنَّ ا تَِعْذ بِ ْزٌغ فَاْس ْيطَاِن نَ َن الشَّ َك ِم ا يَْنَزَغنَّ ]َوإِمَّ يَاِطينِ [: ، وقوله تعالى}200:األعراف{ َزاِت الشَّ ْن ھََم َك ِم وُذ بِ ْل َربِّ أَُع َك َربِّ ) 97(َوقُ وُذ بِ َوأَُع .}المؤمنون{) ] 98(أَْن يَْحُضُرونِ إذن االستعاذة بالنسبة للدعاء، هي خاصة بنوع وهو طلب دفع المكاره، أما الدعاء ففيـه .دفع المكاره وجلب المساّر :السؤال: ثامناً .}36:طه{] قَْد أُوتِيَت ُسْؤلََك يَا ُموَسى[: ومن ذلك قوله تعالى .)1("الِطلْبة: آتاه ِطلبته ومرغوبه، والسؤل"والمعنى أي ــالى ــول اهللا تع ــه ق أْنٍ [: ومن ي َش َو فِ ْوٍم ھُ لَّ يَ َماَواِت َواألَْرِض ُك ي السَّ ْن فِ أَلُهُ َم ] يَْس حمن{ .}29:الرَّ قصود بالسؤال في هذه الشواهد القرآنية، هو ما كان من الـدعاء بمعنـى إن المعنى الم .)2("طلب الطالب للفعل من غيره"الطلب، والذي أشار إليه ابن سيده .}16:الفرقان{] َكاَن َعلَى َربَِّك َوْعًدا َمْسئُواًل [: ونستدل ذلك من قوله تعالى .)3("وقع جوابا لسؤال نشأ مما قبله"يقول اآللوسي إنه الوعد المحقق بأن ُيسأل وُيطلب كمـا فـي "ويوضح الشوكاني هذا الوعد المسؤول بأنه ْم [: إن المالئكة تسأل لهم الجنـة، كقولـه : ، وقيل]َربَّنَا َوآَتِنَا َما َوَعْدتَنَا َعلَى ُرُسلِكَ [: قوله َوأَْدِخْلھُ .)4("]َجنَّاِت َعْدٍن الَّتِي َوَعْدتَھُمْ . بال ط وسـنة نشـر ). مج20(، الجامع ألحكام القرآن): هـ671:ت(القرطبي، أبو عبد اهللا محمد بن أحمد األنصاري ) 1( .11/195دار الشعب، : القاهرة .13/88، 4، مجالمخصص: ابن سيده )2( .18/246، روح المعاني: اآللوسي )3( .4/65 ،دار الفكر :بيروت. بال ط وسنة نشر .)مج5(، فتح القدير ):هـ1255:ت(الشوكاني، محمد بن علي بن محمد )4( 25 د بالدعاء بمعنى السؤال هو ما كان فيه معنى الطلب والذي أشار إليه إذن المعنى المقصو ابن سيده، وإذا أمعنا الفكر بهذا الطلب بالنسبة للدعاء فإنه ال يكون إال لجلب المنفعـة، فالنسـبة .بينهما العموم والخصوص :الشفاعة: تاسعاً .}255:البقرة{] بِإِْذنِهِ َمْن َذا الَِّذي يَْشفَُع ِعْنَدهُ إاِلَّ [: ومن ذلك قوله تعالى واستشفعه طلب منه الشفاعة، أي قال لـه ... طلب: شفع لي يشفع شفاعة، وتشفع"يقال .)1("كن لي شافعا فَْع [: وقد ورد لفظ الشفاعة في كتاب اهللا في مواضع عدة نذكر منها قوله تعـالى ْن يَْش َم .}85:النساء{] يَْشفَْع َشفَاَعةً َسيِّئَةً يَُكْن لَهُ ِكْفٌل ِمْنھَا َشفَاَعةً َحَسنَةً يَُكْن لَهُ نَِصيٌب ِمْنھَا َوَمنْ .)2(يقصد بالشفاعة الحسنة الدعاء للمسلمين، والسيئة الدعاء عليهم: قال القرطبي كما أكد أبو السعود من أنه يندرج في الشفاعة الدعاء للمسلم، حيث إن الدعاء شفاعة إلى .)3(اهللا سبحانه هِ [: عالىأما قوله ت رة{] َمْن َذا الَِّذي يَْشفَُع ِعْنَدهُ إاِلَّ بِإِْذنِ –، فقـد أثبـت الحـق }255:البق في هذه اآلية الكريمة أن الشفاعة ال تكون ألحد إال بإذن اهللا، فالشفاعة كلها لـه، لكنـه -سبحانه يشفع فيـه، سبحانه إذا أراد أن يرحم من يشاء من عباده، أذن لمن أراد أن يكرمه من عباده أن .)4(وال يبتدئ الشافع قبل اإلذن أما النسبة بين الشفاعة والدعاء فإن الذي يظهر أن الشفاعة دعـاء مخصـوص بطلـب التجاوز عن الجرائم، فالنسبة بينهما العموم والخصوص، فكل شفاعة دعاء، وليس كـل دعـاء .)5(شفاعة؛ ألنها خاصة بطلب التجاوز والدعاء عام .8/184، لسان العرب: ابن منظور )1( .5/295، الجامع ألحكام القرآن: القرطبي: انظر )2( ط الب .)مج9(، إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ):هـ982:ت( العمادي محمد بن محمد ،أبو السعود: انظر )3( .2/210، دار إحياء التراث العربي :بيروت. وسنة نشر ابـن : تحقيـق ، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كالم المنّان ):هـ1376:ت( السعدي، عبد الرحمن بن ناصر: انظر )4( .1/110 ،مؤسسة الرسالة :بيروت ).م2000-هـ1421(ط. عثيمين .1/96، الدعاء: العروسي: انظر )5( 26 :ثةاالستغا: عاشراً ِة [: ومن ذلك قوله تعـالى َن الَماَلئَِك أَْلٍف ِم ُكْم بِ دُّ ي ُمِم ْم أَنِّ تََجاَب لَُك ْم فَاْس تَِغيثُوَن َربَُّك إِْذ تَْس .}9:األنفال{] ُمْرِدفِينَ .)1("أجاب اهللا دعاءه وغُواثه وغَواثه: "يقال مة، والعون على طلب الغوث وهو التخليص من الشدة والنق"إن االستغاثة : يقول الزبيدي .)2("الفكاك من الشدائد أن هذا النوع من الدعاء يندرج تحـت الطلـب : والذي يبدو من أن اإلغاثة طلب الغوث ْم [: والسؤال، فقد طلب نبي اهللا الغوث والنصر من اهللا تعالى، ولجأ إليه فقـال تَِغيثُوَن َربَُّك إِْذ تَْس ُكْم بِ .}9:األنفال{] أَْلٍف ِمَن الَماَلئَِكِة ُمْرِدفِينَ فَاْستََجاَب لَُكْم أَنِّي ُمِمدُّ أنهم لما علموا أنه ال بد مـن القتـال "يوضح الزمخشري معنى استغاثة النبي وأصحابه .)3("طفقوا يدعون اهللا أن المسـتغيث ينـادي : "أما عن النسبة بين االستغاثة والدعاء فيوضحها ابن تيمية قائال .)4("مدعو والمغيثبالغوث، والداعي ينادي بال يفهم من كالم ابن تيمية أن الدعاء أعم من االستغاثة، وإنما يكون المستغيث فـي حـال .مخصوص، وهو وقت الشدة والكرب، أما الدعاء فيكون بالشدة والرخاء :االستجارة: أحد عشر ْن أَِج[: ومن ذلـك قولـه تعـالى ٌد َولَ َن هللاِ أََح ي ِم ْن يُِجيَرنِ ي لَ ْل إِنِّ ًداقُ ِه ُمْلتََح ْن ُدونِ ] َد ِم .}22:الجنّ { .)5("جار واستجار، طلب أن يجار، أو سأله أن يجيره"االستجارة من .1/202، مختار الصحاح: الرازي )1( .5/314، تاج العروس: الزبيدي )2( الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون األقاويل فـي ):هـ538:ت(الزمخشري، أبو القاسم، محمود بن عمر الخوارزمي )3( .2/190 ،دار إحياء التراث العربي :بيروت. بال ط وسنة نشر. عبد الرزاق المهدي: قتحقي .)مج4(، وجوه التأويل .1/111، مجموع الفتاوى: ابن تيمية )4( .10/486، تاج العروس: الزبيدي )5( 27 .)1("وأجاره اهللا من العذاب، أنقذه" ى [: وقد ورد ذكر االستجارة في قوله تعالى أَِجْرهُ َحتَّ تََجاَرَك فَ ِرِكيَن اْس َن الُمْش ٌد ِم َوإِْن أََح .}6:التوبة{] هللاِ ثُمَّ أَْبلِْغهُ َمأَْمنَهُ يَْسَمَع َكاَلمَ ومن أجاره اهللا لم يوصل إليه، وهو سبحانه وتعالى يجير وال يجار عليه، أي يعيذ، وقال ، والمعنـى }22:الجنّ {] قُْل إِنِّي لَْن يُِجيَرنِي ِمَن هللاِ أََحٌد َولَْن أَِجَد ِمْن ُدونِِه ُمْلتََحًدا[: اهللا تعالى لنبيه .)2(نه ال أحد أستجير به، ينقذني من عذاب اهللاأ والذي يظهر مما سبق أن االستجارة نوع من الدعاء خاص بدفع المكاره ودفع الضـر، .وبالتالي فإن النسبة بينها وبين الدعاء، العموم والخصوص :الجؤار: عشر ااثن ــالى ــول اهللا تع ــك ق ــن ذل َرفِيِھْم بِ [: وم ْذنَا ُمْت ى إَِذا أََخ أَُرونَ َحتَّ ْم يَْج َذاِب إَِذا ھُ ] الَع .}64:المؤمنون{ وجأر الرجل ... جأر يجأر جأرا، وجؤارا، رفع صوته مع تضرع واستغاثة"فالجؤار من .)3("إلى اهللا عز وجل، إذا تضرع بالدعاء ى [: وقد ورد لفظ الجؤار بمعنى الدعاء في كتاب اهللا بشواهد قرآنية منها قوله تعالى َحتَّ َن [: ، وقوله تعالى}64:المؤمنون{] ْذنَا ُمْتَرفِيِھْم بِالَعَذاِب إَِذا ھُْم يَْجأَُرونَ إَِذا أَخَ ٍة فَِم ْن نِْعَم ْم ِم َوَما بُِك رُّ فَإِلَْيِه تَْجأَُرونَ ُكُم الضُّ .}53:النحل{] هللاِ ثُمَّ إَِذا َمسَّ .)4("ترفعون أصواتكم باالستغاثة والتضرع"قال ابن ُجزّي أي يظهر أن الجؤار دعاء يصاحبه رفع صوت مع استغاثة، وبالتـالي يخـرج منـه والذي الدعاء الخفي، لينحصر الجؤار بنوع خاص من الدعاء، وهو ما يصاحبه رفع الصوت، فالدعاء .عام والجؤار خاص .1/49، مختار الصحاح: الرازي )1( .1/891، تيسير الكريم الرحمن: السعدي: انظر )2( .10/346، تاج العروس: الزبيدي: وانظر// .4/112، لسان العرب: ابن منظور )3( .5/120، إرشاد العقل السليم: أبو السعود: وانظر// .2/155، يلالتسهيل لعلوم التنز: ابن ُجزّي )4( 28 وبعد بيان معنى الدعاء في اللغة واالصطالح وتتبع معانيه في السياق القرآني، يتضـح د، والذي يعنينا في هذه الدراسة، ما ورد من أدعية لألنبياء بمعنى الرغبة إلى اهللا أّن معانيه تتعد .واالبتهال واللجوء إليه؛ لجلب الخير ودفع الضر، وما كان بمعنى العبادة وبِسَمة العبودية هللا سائلة المولى أن نخرج بأنموذج للدعاء يشمل حياتنا في كل مجاالتهـا، وعلـى أسـس .-عليهم أفضل الصالة وأتم التسليم-ن بالرسل قرآنية، متأّسي 29 المبحث الثاني أهمية الدعاء في القرآن الكريم تبّين فضل الـدعاء -صلى اهللا عليه وسلم–جاءت النصوص في كتاب اهللا وسنّة رسوله وتنّوه بمكانته، وترغّب فيه، وتحثّ عليه، وقد تنوعت دالالت هذه النصـوص المبينـة لفضـل :موضحة للمنهج القرآني في تحقيقه، وذلك على النحو اآلتيالدعاء، وال مكانة الدعاء وفضله في القرآن الكريم: المطلب األول الدعاء من أجّل العبادات، وأعظم الطاعات، نجد له منزلة عظيمة، ومكانة علّية، رفيعـة افتـتح القـرآن يدرك اهتمام الحق بهذه العبادة، فقد -عز وجل–الشأن، فالناظر في كتاب اهللا بالدعاء والثناء في فاتحة الكتاب، واختتم أيضا بالدعاء في سورة الناس، وما ذلك إال ألهميتـه، ولضرورة أخذه منهج حياة، فإّن فيه حقيقة االفتقار إلى اهللا، ودوام الحاجـة إليـه، مـع أن اهللا ا أَيُّھَ[: غني عن دعوات العباد، فيقول تعالى -تعالى ِذكُره- َو يَ ى هللاِ َوهللاُ ھُ َراُء إِلَ تُُم الفُقَ اُس أَْن ا النَّ اطر{] الَغنِيُّ الَحِميدُ ، ومع ذلك فإن اهللا تعالى، يحّب سـماع صـوت الـداعين، ويفـرح }15:ف بتوبتهم؛ ألن في الدعاء تأصيال للعالقة بين العبد وخالقه، هذه العالقة القائمة على حسن الظـّن من مقتضى العبودية الخالصـة، أْن ُيحسـن "، وإنه )1("هم مقامات العبوديةالدعاء أ"بالخالق، فإّن إلى أنه منّا -سبحانه–، لذلك أرشدنا اهللا )2("العبد ظنه بالخالق العظيم، وأنه يجيب دعاءه إذا دعاه اِدي عَ [: قريب، وأمرنا أن نتوجه إليه مباشرة دونما وساطة، وحينما نريد، فقال أَلََك ِعبَ ي َوإَِذا َس نِّ .}186:البقرة{] فَإِنِّي قَِريٌب أُِجيُب َدْعَوةَ الدَّاِع إَِذا َدَعاِن فَْليَْستَِجيبُوا لِي َوْليُْؤِمنُوا بِي لََعلَّھُْم يَْرُشُدونَ تُلحظ هنا حكمة جليلة تضمنتها هذه اآلية الكريمة، تلك أن سنّة القرآن َجَرتْ، حيث ورد " فـإني قريـب "، إال في هذا الموضع، فقد تركها، وجاء بلفـظ )قُْل(لفظ السؤال، جاء عقبه لفظ .مباشرة؛ لتوحي بالقرب والعناية والحفظ من اهللا تعالى :بيروت ).1(ط .)مج16(، التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب ):هـ606:ت( الرازي، فخر الدين محمد بن عمر التميمي )1( .5/84 ،م2000-هـ1421 .دار الكتب العلمية ـ 1406 .المكتـب اإلسـالمي :بيروت). 1(، طكام واألخبارالمختار في المواعظ واألح :الرافعي، قاسم الشماعي )2( -هـ .481:، صم1986 30 ِن [: وشواهد السؤال واإلجابة كثيرة في القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى أَلُونََك َع َويَْس ي وُح ِمْن أَْمِر َربِّ وِح قُِل الرُّ فُھَا [: له تعالى، وقو}85:اإلسراء{] الرُّ ْل يَْنِس اِل فَقُ ِن الِجبَ أَلُونََك َع َويَْس فًا ي نَْس ه{] َربِّ ــالى}105:ط ــه تع رٌ [: ، وقول ٌم َكبِي ا إِْث ْل فِيِھَم ِر قُ ِر َوالَمْيِس ِن الَخْم أَلُونََك َع ] يَْس ِ َوا[: ، وقوله تعالى}219:البقرة{ ُسولِ يَْسأَلُونََك َعِن األَْنفَاِل قُِل األَْنفَاُل ال{] لرَّ ، وغيرها }1:األنف ، وفي صورة واحدة فقط جاء الجواب دون هـذا "قل"من األسئلة التي جاءت اإلجابة عليها بلفظ ".فقل إني قريب: "ولم يقل" َوإَِذا َسأَلََك ِعبَاِدي َعنِّي فَإِنِّي قَِريٌب : "اللفظ وهو اللة على تعظيم حـال الـدعاء، إنما هو للد" قل"ذكر العلماء أن سبب هذا الحذف لكلمة )1(:وذلك من وجوه عبدي أنت إنما تحتاج إلى الواسطة في غير وقـت : يقول -سبحانه وتعالى–كأنه :أولها .الدعاء، أما في مقام الدعاء، فال واسطة بيني وبينك ي : "إضافة العبد بياء التشريف :ثانيها اِدي َعنِّ ـ " َوإَِذا َسأَلََك ِعبَ د لـه، يدل علـى أن العب .يدل على أّن الرّب للعبد" فَإِنِّي قَِريبٌ : "وقوله .لم يقل العبد مني قريب، بل قال أنا منه قريب :ثالثها الداعي إذا كان خاطره مشغوال بغير اهللا، فإنه ال يكون داعيا، أمـا إذا أخلـص :رابعها فال جرم حصل القرب، الدعاء واستغرق في معرفة اهللا، امتنع أن يبقى بينه وبين األحد واسطة، وبذلك فالدعاء يفيد القرب من اهللا فكان الدعاء أفضل العبادات، والقرب كما فسره الرازي بمعنى : أن اهللا تعالى يسمع دعاءهم ويرى تضرعهم، أو هو العلم والحفظ، ومن هذا الوجه قال تعـالى )2(.}16:ق{] ُن أَْقَرُب إِلَْيِه ِمْن َحْبِل الَوِريدِ َونَحْ [: ، وقال}4:الحديد{] َوھَُو َمَعُكْم أَْيَن َما ُكْنتُمْ [ صـلى اهللا عليـه –هذا عن أهمية الدعاء في كتاب اهللا، أّما عنه في حديث رسـول اهللا قد تعبدنا في الدعاء، فقد سماه فـي -تعالى–أن اهللا -صلى اهللا عليه وسلم–فقد أكّد نبينا -وسلم ، كما جـاء )3(أن يحصر العبادة في الدعاء -هللا عليه وسلمصلى ا–القرآن عبادة، مما دعا النبي : -وسـلم صلى اهللا عليه –قال رسول اهللا : قال -رضي اهللا عنه–في حديث النعمان بن بشير .5/28، إتحاف السادة :الزبيدي: وانظر. // 5/84، مفاتيح الغيب :الرازي: انظر )1( .5/82، مفاتيح الغيب :الرازي: انظر )2( .229:، صبال معلومات نشر، المؤمنون كما وصفهم اهللا في القرآن :عمير، أبو طه محمد محمود مصطفى: انظر )3( 31 اَدةُ " َو اْلِعبَ َعاُء ھُ دُّ رأ، ال م ق نْ [ :ث تَْكبُِروَن َع ِذيَن يَْس ْم إِنَّ الَّ تَِجْب لَُك ونِي أَْس ُم اْدُع اَل َربُُّك اَدتِي َوقَ ِعبَ .)1("}60:غافر{] َسيَْدُخلُوَن َجھَنََّم َداِخِرينَ -صـلى اهللا عليـه وسـلم –ففي الحديث داللة واضحة على أهمية الدعاء، ومعنى قوله هو العبادة الحقيقية التي ُيستأهل أن تسمى عبادة؛ لداللته علـى اإلقبـال : "الدعاء هو العبادة، أي ، بحيث ال يرجو، وال يخاف إال إياه، قائما بوجـوب العبوديـة، على اهللا، واإلعراض عما سواه .)2("معترفا بحق الربوبية ، "هـو "كما ُيلحظ في الحديث حصر الدعاء في العبادة، وذلك من خالل ضمير الفصـل وهذا يدل على أن الدعاء معظم العبادة، أو أنه العبـادة، سـواء " العبادة"والخبر المعرف بالالم م ُيستَجب؛ ألن في الدعاء إظهارا للعجز واالحتياج في النفس واالعتراف بـأّن اهللا ُأستجيب أم ل قادر على إجابته كريم، وال احتياج له إلى شيء، حتى يمنع عن عبادة شـيء، وهـذه -تعالى– .)3(األشياء كلها هي العبادة ها العبد فيما هـو العروة الوثقى التي يتعلق ب"ومما يدل على أهمية الدعاء ومكانته ، أنه ألن العبد في حال تضرعه إلى اهللا، يكون مستأنسا برعايته، ومطمئنا إلـى ... بسبيله من أعمال أن فضل الدعاء عند اهللا تعالى يسـبق كـل -صلى اهللا عليه وسلم–معونته، ولقد بّين لنا النبي ْيَس : "قـال -صلى اهللا عليه وسـلم –أن رسول اهللا -رضي اهللا عنه–فضل، فعن أبي هريرة لَ َعاءِ ِ تََعالَى ِمْن الدُّ )5(".)4(َشْيٌء أَْكَرَم َعلَى هللاَّ .4:سبق تخريجه، ص )1( ، )مـج 14(، عون المعبود بشرح سنن أبـي داود ):هـ1322قبل : ت(أبو الطيب، محمد شمس الحق آبادي، العظيم )2( .4/247، م1995 .دار الكتب العلمية :بيروت ).2(ط .9/220، تحفة األحوذي: المباركفوري: انظر )3( هـذا : ، وقال5/385، 3370: ، كتاب الدعوات، باب ما جاء في فضل الدعاء، الحديثالترمذي سننأخرجه الترمذي، )4( ). مـج 4(، المسـتدرك علـى الصـحيحين ):هـ405:ت(اهللا وأخرجه الحاكم، أبو عبد اهللا محمد بن عبد //حديث غريب اب الدعاء والتكبير والتهليل م، كت1990-هـ1411. دار الكتب العلمية: بيروت). 1(ط. مصطفى عبد القادر عطا: تحقيق .هذا حديث صحيح اإلسناد ولم يخرجاه: ، وقال1/666، 1801:والتسبيح والذكر، الحديث .21-20:، صدار مكتبة األندلس: بنغازي. ، بال ط وسنة نشرجوامع الدعاء ):م2010:ت(محمد السيد طنطاوي، )5( 32 ففي هذه األحاديث داللة على فضل الدعاء ورفعة مكانته من العبادة، وأنه روحها ولّبها )1(:وأفضلها وقد علل أهل العلم ذلك من وجوه .ة إليه سبحانهأن الدعاء فيه التضرع إلى اهللا وإظهار الضعف والحاج :منها أن العبادة كلما كان القلب فيها أخشع، والفكر فيها حاضرا، فهي أفضل وأكمـل، :ومنها .فإن حاجة العبد تدفعه إلى الخشوع وحضور القلب .أن الدعاء مالزم للتوكل واالستعانة باهللا: ومنها منهج القرآن الكريم في بيان أهمية الدعاء: المطلب الثاني رآن الكريم بأسلوبه الفريد، تأصيل العالقة بين الحق والخلق؛ كي يكون منهجا بّين لنا الق منطلقا من فطرة الناس التي فطر الناس عليها، وشـعورهم الـدائم -سبحانه-ربانيا وفق إرادته بالحاجة إليه، معّرفا لهم بقدرته المطلقة، لذا جاءت النصوص القرآنية واضـعةً ضـوابطَ لهـذا .هة على فضله، مرغّبة فيه؛ لتصحح مسارهالَمْعلَم، منّو :د اهللا وحده بكشف الضّرالتنبيه على تفّر: أوالً الناس جميعا، مؤمنهم وكافرهم، حين ينزل البالء، تجدهم يذكرون اهللا ويفزعون إليـه، حتى فرعون فإنه حين أدركه الغرق قال آمنت، وهكذا الناس تُْدنيهم الشدائد مـن اهللا وتقـربهم .)2(منه واإلنسان بطبيعته معرض للبالء في كل حين، وإنه بذلك يحتاج إلى قوة يتوجـه إليهـا، ويلوذ بها، فتسنده لكشف ما ألّم به، فاللجوء إلى اهللا وقت الشدائد أمر فطري في النفس، فالفطرة ْن بَنِ[: تستصرخ بارئها؛ ألنها توقن وتشعر بوحدانيتـه، قـال تعـالى َك ِم َذ َربُّ ْن َوإِْذ أََخ ي آََدَم ِم يَّتَھُْم َوأَْشھََدھُْم َعلَى أَْنفُِسِھْم أَلَْسُت بَِربُِّكْم قَالُوا بَلَى َشِھْدنَا أَْن تَقُولُوا يَوْ ْن ظُھُوِرِھْم ُذرِّ ا َع َم القِيَاَمِة إِنَّا ُكنَّ ، دار ابـن عفـان -دار ابن القيم. ، بال ط وسنة نشرعية واألذكارفقه األد :البدر، عبد الرزاق بن عبد المحسن: انظر )1( .13:ص .4/145، نشر بال معلومات، )مج16( ،التفسير القرآني للقرآن: الخطيب، عبد الكريم: انظر )2( 33 افِلِينَ َذا َغ مـا ، لقد تمكنت دالئل الربوبية من أنفسهم، وركب في عقـولهم }172:األعراف{] ھَ .)1(يدعوهم إلى اإلقرار بها، واإلشهاد بها على أنفسهم والمتأمل في حديث القرآن عن الطبائع البشرية، يراه قد بّين أن الناس أكثر ما يكونـون اتجاها إلى اهللا، وضراعة إليه، عندما تحيطهم المكارِه، وتنزل بهم الضـّراء، والقـرآن الكـريم ًدا أَْو [: كيم فيقوليصور لنا هذه الطبيعة بأسلوبه الح ِه أَْو قَاِع ا لَِجْنبِ رُّ َدَعانَ اَن الضُّ سَّ اإِلْنَس َوإَِذا َم ِرفِيَن َم َن لِْلُمْس َذلَِك ُزيِّ هُ َك رٍّ َمسَّ ى ُض ْدُعنَا إِلَ هُ َمرَّ َكأَْن لَْم يَ ا َكَشْفنَا َعْنهُ ُضرَّ ونَ قَائًِما فَلَمَّ انُوا يَْعَملُ ] ا َك ةً [: يضا، ويقول أ)2(}12:يونس{ َوإَِذا َمسَّ النَّاَس ُضرٌّ َدَعْوا َربَّھُْم ُمنِيبِيَن إِلَْيِه ثُمَّ إَِذا أََذاقَھُْم ِمْنهُ َرْحَم وم{] إَِذا فَِريٌق ِمْنھُْم بَِربِِّھْم يُْشِرُكونَ .}33:الرُّ عتاب في ضمنه نهي لمن يدعو اهللا عند الضـّر، "ذهب ابن ُجزّي هذه اآليات تشير إلى . )3("ل عنه عند العافيةويغف وتشير إلى أن هذا اإلنسان في حال االضطرار يدعو اهللا وحده، وإذا أسبغ عليه الُمـنعم، . )4(إذا فريق منهم في حال االختيار، يشركون باهللا ويعبدون معه غيره هُ ُمنِ [: وقد بّين هذا في مواضع ُأخر كقولـه ا َربَّ رٌّ َدَع اَن ُض سَّ اإِلْنَس مَّ إَِذا َوإَِذا َم ِه ثُ ا إِلَْي يبً لَهُ نِْعَمةً ِمْنهُ نَِسَي َما َكاَن يَْدُعو إِلَْيِه ِمْن قَْبلُ مر{] َخوَّ .}8:الزُّ هو وحده القادر على كشف الضـر -تعالى–ويستمر القرآن بتذكير هذا الغافل، أن اهللا . الذي يصيبه كتاب اهللا، منهـا قولـه فضال عن الشواهد التي ذكرناها، فإن هناك شواهد غيرها في ِديرٌ [: تعالى ْيٍء قَ لِّ َش ى ُك َو َعلَ ٍر فَھُ َك بَِخْي َو َوإِْن يَْمَسْس هُ إاِلَّ ھُ َف لَ اَل َكاِش رٍّ فَ ] َوإِْن يَْمَسْسَك هللاُ بُِض اعَ [: ، ويقول سبحانه}17:األنعام{ ْتُكُم السَّ ْدُعوَن إِْن قُْل أََرأَْيتَُكْم إِْن أَتَاُكْم َعَذاُب هللاِ أَْو أَتَ َر هللاِ تَ ةُ أََغْي تفسير البيضـاوي المسـمى أنـوار ):هـ791:ت( البيضاوي، أبو سعيد عبد اهللا بن عمر بن محمد الشيرازي: انظر )1( المكتبـة :القاهرة .ط وسنة نشر بال. اديمجدي فتحي السيد وياسر سليمان أبو ش: حققه .)مج2(، زيل وأسرار التأويلالتن .1/466، التوفيقية . ، بـال ط وسـنة نشـر فهم اإلسالم في ظالل األصول العشرين لإلمام حسـن البنـا :معة أمينعبد العزيز، ُج: انظر )2( .252-251:، صدار الدعوة :اإلسكندرية .2/90، التسهيل لعلوم التنزيل: ابن ُجزّي )3( .3/435، تفسير القرآن العظيم: ابن كثير: انظر )4( 34 اِدقِينَ تُْم َص ِرُكونَ ) 40(ُكْن ا تُْش ْوَن َم اَء َوتَْنَس ِه إِْن َش ْدُعوَن إِلَْي ا تَ ُف َم ْدُعوَن فَيَْكِش اهُ تَ ْل إِيَّ ) ] 41(بَ ام{ ، فهم حين يأتي العذاب ال يدعون حينئذ إال اهللا، وال يدعون آلهتهم، وهذا دليـل علـى }األنع . )1(شركهم واالحتجاج عليهم، وإثبات التوحيدإبطال أنه ما من نعمة تصيب اإلنسان من رزق أو صحة جسم أو غيرها، -تعالى–ثم يبين اهللا أَُرونَ [: فمن اهللا وحده، فيقول ِه تَْج رُّ فَإِلَْي ُكُم الضُّ مَّ إَِذا َمسَّ َن هللاِ ثُ ٍة فَِم ْن نِْعَم ْم ِم ا بُِك مَّ إَِذا ) 53(َوَم ثُ ِرُكونَ َكشَ رَّ َعْنُكْم إَِذا فَِريٌق ِمْنُكْم بَِربِِّھْم يُْش يستثني من -تعالى–، إال أن اهللا }النحل{) ] 54(َف الضُّ ْتهُ [: هذه الصفات الذميمة عباده المؤمنين بقوله في سورة هود اَء َمسَّ رَّ َد َض اَء بَْع اهُ نَْعَم ئِْن أََذْقنَ َولَ يِّئَا َب السَّ ولَنَّ َذھَ ورٌ لَيَقُ ِرٌح فَُخ هُ لَفَ ي إِنَّ ْم ) 10(ُت َعنِّ َك لَھُ الَِحاِت أُولَئِ وا الصَّ بَُروا َوَعِملُ ِذيَن َص إاِلَّ الَّ .}ھود{) ] 11(َمْغفَِرةٌ َوأَْجٌر َكبِيرٌ :على الدعاء والنهي عن تركه الحثّ: ثانياً العزيـز الدعاء أساس العبودية وروحها، وهو عنوان التذلل هللا واالنكسار بـين يـدي : نذكر منها قوله تعالى )2(القهار، لهذا حثّ اهللا عباده على الدعاء في آي كثيرة من القرآن الكريم ِذيَن [: ، ويقـول أيضـا }32:النساء{] َواْسأَلُوا هللاَ ِمْن فَْضلِِه إِنَّ هللاَ َكاَن بُِكلِّ َشْيٍء َعلِيًما[ ا الَّ ا أَيُّھَ يَ .}35:المائدة{] ُغوا إِلَْيِه الَوِسيلَةَ َوَجاِھُدوا فِي َسبِيلِِه لََعلَُّكْم تُْفلُِحونَ آََمنُوا اتَّقُوا هللاَ َواْبتَ : ضمنها لمن دعاه، فقال تعـالى -يقينا–إّن َمن ُيلهم الدعاء، ُيكرمه اهللا باإلجابة، ألن اهللا عاءه ويحقـق رجـاءه وعد من دعاه أن يجيب د"، فاهللا تعالى }60:غافر{] اْدُعونِي أَْستَِجْب لَُكمْ [ أنه ندب عباده إلى دعائه، وتكفل لهم : وكرمه -تبارك وتعالى-وهذا من فضله ... ويعطيه ُسؤله دَّاِع [: وأشعرهم بالمحبة والعناية والقرب؛ ترغيبا لهم فقال )3("باإلجابة َوةَ ال ُب َدْع ٌب أُِجي إِنِّي قَِري فَ .}186:البقرة{] إَِذا َدَعانِ .2/9، التسهيل لعلوم التنزيل :ابن ُجزّي: انظر )1( .8:، صفقه األدعية :البدر: انظر )2( .26:، صالمرجع السابق )3( 35 : ترك الدعاء، وذّم قوما تركـوا الـدعاء فوصـف حـالهم بقولـه وقد نهى القرآن عن .)1("عن رفعها في الدعاء إلى اهللا تعالى"، أي }67:التوبة{] َويَْقبُِضوَن أَْيِديَھُمْ [ ُعوا [: -عز وجل-بل إّن ترك الدعاء يغضب الجبار فيقول رَّ نَا تََض اَءھُْم بَأُْس ْواَل إِْذ َج فَلَ .}43:األنعام{] ھُْم َوَزيََّن لَھُُم الشَّْيطَاُن َما َكانُوا يَْعَملُونَ َولَِكْن قََسْت قُلُوبُ يَْدُخلُوَن [: ترك الدعاء استكبارا فقال -تعالى-وعّد اهللا اَدتِي َس ْن ِعبَ تَْكبُِروَن َع إِنَّ الَِّذيَن يَْس .}60:غافر{] َجھَنََّم َداِخِرينَ ظهر من مظاهر خضوعه لـه، وإقـراره فعلى العبد أن يدعو ربه في أمره كله، فهو م" .)2("بحاجته إليه، واعترافه بقدرته على تحقيق مآربه :بيان القواعد األساسية لكيفية الدعاء: ثالثاً نظرا لمنزلة الدعاء من العقيدة، لزم أن تُحدد معالمه، وتوضع ضوابطه، بالكيفية التـي .عيرة من الدينيحبها اهللا، وقد وردت نصوص قرآنية تبين أصول هذه الش :والنفع الدعاء حق خالص هللا ألنه يملك الضّر :القاعدة األولى هو وحده الذي يكشف الضـّر، ويعطـي السـائلين، ويجيـب -سبحانه-إذا كان الحق وحده أحق بالدعاء؛ كونـه مالكـا للضـّر -سبحانه-الداعين، وال يخيب رجاء من دعاه، فهو بإخالص الدعاء، فإّن َمْن يتفّرد باإلجابة، يسـتحق أْن يتفـرد والنفع، لذا نجد آيات كثيرة تأمرنا وا [: بالدعاء والسؤال والطلب، وصرف الشواغل عنه، قـال تعـالى ِط َوأَقِيُم ي بِالقِْس َر َربِّ ْل أََم قُ يَن َكَما بََدأَُكْم تَُعوُدونَ . }29:األعراف{] ُوُجوھَُكْم ِعْنَد ُكلِّ َمْسِجٍد َواْدُعوهُ ُمْخلِِصيَن لَهُ الدِّ تشير هذه اآلية إلى ضرورة إعطاء الشيء حقه، وإيفائه شروطه، خاصة عنـد توجهنـا إلى اهللا، فال بد من صحة النّية، وحضور القلب، وصرف الشواغل، وأن ندعوه وحده مخلصـين :بيـروت ). 3(ط .)مـج 9(، زاد المسير في علم التفسير ):هـ597:ت( ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي بن محمد )1( ،الرسـالة القشـيرية ، )هـ465:ت(القشيري، أبو القاسم عبد الكريم : وانظر// .3/467هـ، 1404، المكتب اإلسالمي .2/526. دار الكتب الحديثة :عابدين. بال ط وسنة نشر. حمد ومحمود بن الشريفعبد الحليم م: تحقيق ).مج2( الهيئة العامة لشؤون المطابع :القاهرة). م1977-هـ1397(، طأقباس من نور الحق :ر، مصطفى محمد الحديدييطال )2( .1/124، األميرية 36 .)1(له الدين، ال تشوب دعاءنا أدنى شائبة من الشرك، بالتوجه إلى غيره افُِرونَ [: آخـر ويقول سبحانه في موضـع ِرهَ الَك ْو َك يَن َولَ دِّ هُ ال يَن لَ اْدُعوا هللاَ ُمْخلِِص ] فَ الَِمينَ [: ، ويقول}14:غافر{ ِ َربِّ الَع ُد يَن الَحْم دِّ هُ ال يَن لَ اْدُعوهُ ُمْخلِِص َو فَ هَ إاِلَّ ھُ يُّ اَل إِلَ َو الَح ] ھُ .}65:غافر{ ساق لنا كلمة التوحيـد متبوعـة بحمـد اهللا ففي هاتين اآليتين أمرنا اهللا باإلخالص، ثم .-تعالى- وإلى جانب تلك الشواهد القرآنية الدالّة على إخالص الدعاء، تواترت األدلة، وتضافرت النصوص؛ للتحذير من صرف الدعاء لغير اهللا، والنهي عن ذلك، وذّم فاعله بأشد أنواع الـذّم، ِذيَن [: غـافر وال أدّل على ذلك من قوله تعالى في سـورة ْم إِنَّ الَّ تَِجْب لَُك ونِي أَْس ُم اْدُع اَل َربُُّك َوقَ .}60:غافر{] يَْستَْكبُِروَن َعْن ِعبَاَدتِي َسيَْدُخلُوَن َجھَنََّم َداِخِرينَ كما ُيفهم -تعالى–ففي هذا النص القرآني تهديد شديد ووعيد، لمن استكبر عن دعاء اهللا واإلحسان إليهم، حيث إنه توعد َمـْن تـرك طلـب -سبحانه–اده في الوقت نفسه، لطف اهللا بعب .)2(الخير منه، واستدفاع الشر به بهذا الوعيد ال دعاء عبادة "، أي }18:الجنّ {] فاََل تَْدُعوا َمَع هللاِ أََحًدا[: وفي شاهد آخر يقول اهللا تعالى على اإلخالص هللا، والخضوع وال دعاء مسألة، فإن المساجد التي هي أعظم مجال للعبادة، مبنية .)3("لعظمته، واالستكانة لعزته ْيٍء [: كما يقول في موضع آخر لَهُ َدْعَوةُ الَحقِّ َوالَِّذيَن يَْدُعوَن ِمْن ُدونِِه اَل يَْستَِجيبُوَن لَھُْم بَِش .}14:الرعد{] ُدَعاُء الَكافِِريَن إاِلَّ فِي َضاَللٍ إاِلَّ َكبَاِسِط َكفَّْيِه إِلَى الَماِء لِيَْبلَُغ فَاهُ َوَما ھَُو بِبَالِِغِه َوَما كاستجابة الماء، لمـن بسـط -َمن يدعون ِمن دون اهللا–فالواحد األحد، يصّور استجابة كفيه إليه؛ ليطلب منه أن يبلغ فاه، فالماء جماد، ال يشعر بحاجته وبعطشه، وال يقدر أن يجيـب دار :بيروت). 2(ط .)مج12(، تفسير القرآن الحكيم الشهير بتفسير المنار ):هـ1354:ت(رضا، محمد رشيد : انظر )1( .8/375بال سنة نشر، . دار الفكر -معرفةال .4/498، فتح القدير :الشوكاني: انظر )2( .1/891، تيسير الكريم الرحمن: السعدي )3( 37 .)1(يحس بدعائهم، وال يقدر على نفعهمدعاءه فيبلغ فاه، كذلك ما يدعونه، ال ي [: وأما في قولـه تعـالى ٍة فِ اَل َذرَّ وَن ِمْثقَ ْن ُدوِن هللاِ اَل يَْملُِك تُْم ِم ِذيَن َزَعْم وا الَّ ِل اْدُع قُ َماَواِت َواَل فِي األَْرِض .}22:سبأ{] السَّ مـن دون اهللا؛ الذين زعمـتم ادعواإن فيه خطابا للنبي الكريم بأن يقول للمشركين، أن .)2(ثم يبّين أنهم ال يملكون شيئا -على سبيل التهكم–ليكشفوا عنكم الضّر يريد أنهم على هذه الصـفة مـن العجـز : "يقول الزمخشري في كونهم ال يملكون شيئا .)3(والبعد عن أحوال الربوبية، فكيف يصح أن ُيْدَعوا كما ُيدعى، وُيْرَجْوا كما ُيرجى؟ لناس جميعا متحديا لهم، ومبّينا عجزهم في أبسط األمور، ومحذرا لهـم ثم يخاطب اهللا ا ٌل [: من دعوة أربابٍ من دون اهللا، ومن ذلك قوله تعالى في سورة الحج ِرَب َمثَ اُس ُض ا النَّ ا أَيُّھَ يَ ْيئًا اَل فَاْستَِمُعوا لَهُ إِنَّ الَِّذيَن تَْدُعوَن ِمْن ُدوِن هللاِ لَْن يَْخلُقُوا ُذبَابًا َولَِو بَاُب َش ذُّ لُْبھُُم ال هُ َوإِْن يَْس اْجتََمُعوا لَ .}73:الحج{] يَْستَْنقُِذوهُ ِمْنهُ َضُعَف الطَّالُِب َوالَمْطلُوبُ :إخفاء الدعاء وعدم االعتداء فيه: القاعدة الثانية من رحمة اهللا بعباده، أنه رسم لهم درب الهداية؛ ليسلكوه فينالوا رضاه، ومن ذلك أنـه ةً [: قد بّين لنا الهيئة التي يحّبها حال دعائه، فقال مرشدا لنا -سبحانه- ًعا َوُخْفيَ رُّ ْم تََض وا َربَُّك اْدُع ِدينَ بُّ الُمْعتَ هُ اَل يُِح :، عند التدبر لهذه اآلية، نستدل منها على أدبين اثنين هما}55:األعراف{] إِنَّ )4( إن عدم الجهر بالدعاء هو تعليم ألدب دعاء :إخفاء الدعاء وإسراره وعدم الجهر به -1 اهللا وعبادته، فالمشركون ليسوا متهيئين لمثل هذا الخطاب لكنه تقريب للمؤمنين مـن خـالقهم، ةَ هللاِ [: وإدناء لهم، وتنبيه على رضى اهللا عنهم ومحبته، وشاهده قوله تعالى فيمـا بعـد إِنَّ َرْحَم .}56:فاألعرا{] قَِريٌب ِمَن الُمْحِسنِينَ .2/245، 1مج، مدارك التنزيل :النسفي: انظر )1( .25/220، مفاتيح الغيب :الرازي: انظر )2( .3/588 ،الكشاف :الزمخشري )3( ، الـدار التونسـية :تونس). م1984(، ط)مج30(، رالتحرير والتنوي ):هـ1393:ت( ابن عاشور، محمد الطاهر: انظر )4( 8/171. 38 ِدينَ : (ونستدلّه من قوله: عدم االعتداء بالدعاء -2 ، بأن ال ندعو إال اهللا )إِنَّهُ اَل يُِحبُّ الُمْعتَ .وال نتوجه لغيره، وال نرفع صوتنا أثناء الدعاء إلى غير ذلك من صور االعتداء مـر بل إن هناك معنى آخر تحمله هذه اآلية في طياتها، فهي تأتي في موقع التعليل لأل -سـبحانه –بالدعاء، إشارة إلى أنه َأْمُر تكريم للمسلمين، يتضمن رضى اهللا عنهم، ولكن الحـق سلك بتعليل ذلك طريق إثبات الشيء بإبطال ضده، تنبيها على قصد األمـرين، وإيجـازا فـي .الكالم :التوسل إلى اهللا بأسمائه الحسنى والعمل الصالح: القاعدة الثالثة َماُء [: اهدة على هذه القاعدة الجليلة، من ذلك قوله تعـالى تعددت النصوص الش ِ األَْس َو َمائِهِ ي أَْس ُدوَن فِ وا هللاَ أَِو [: ، وقوله}180:األعراف{] الُحْسنَى فَاْدُعوهُ بِھَا َوَذُروا الَِّذيَن يُْلِح ِل اْدُع قُ ْحَمَن أَيًّا َما تَْدُعوا فَلَهُ األَْسَماُء الُحسْ .}110:اإلسراء{] نَىاْدُعوا الرَّ ِحيمِ [: ومن أمثلـة هـذا النـوع فاتحـة الكتـاب رَّ ْحَمِن ال رَّ ِم هللاِ ال ِ َربِّ ) 1(بِْس ُد الَحْم الَِمينَ ِحيمِ ) 2(الَع رَّ ْحَمِن ال رَّ دِّينِ ) 3(ال ْوِم ال ِك يَ تَِعينُ ) 4(َمالِ اَك نَْس ُد َوإِيَّ اَك نَْعبُ َراطَ ) 5(إِيَّ ِدنَا الصِّ اْھ تَقِ ، ففيها توسل إلى اهللا تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته وتوسل بالعبودية هللا }الفاتحة{ ])6(يمَ الُمْس .)1(والطاعة وأما التوسل باألعمال الصالحة، كأن يتوسل إلى اهللا باإليمان والطاعة لرسوله ومحبتـه اغْ [: ودليل ذلك قولـه تعـالى ا فَ ا آََمنَّ ا إِنَّنَ وَن َربَّنَ ِذيَن يَقُولُ ارِ الَّ َذاَب النَّ ا َع ا َوقِنَ ا ُذنُوبَنَ آل {] فِْر لَنَ اْغفِْر [: ، وقوله تعالى}16:عمران ا فَ ا َربَّنَ َربُِّكْم فَآََمنَّ وا بِ اِن أَْن آَِمنُ يَم َربَّنَا إِنَّنَا َسِمْعنَا ُمنَاِديًا يُنَاِدي لإِْلِ .)2(}193:آل عمران{] َع األَْبَرارِ لَنَا ُذنُوبَنَا َوَكفِّْر َعنَّا َسيِّئَاتِنَا َوتََوفَّنَا مَ :والدعوة لمالزمتهم ،مدح أهل الدعاء، والثناء عليهم: رابعاً ، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين ):هـ751:ت(ابن القيم، محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي : انظر )1( فقه :رالبد: وانظر// .1/23، م1973-هـ1393 .دار الكتاب العربي :بيروت). 2(ط. محمد حامد الفقي: حقيقت .)مج3( .85-84:، صاألدعية .85:، صفقه األدعية :البدر: انظر )2( 39 أثنى اهللا على عباده الذين استجابوا لندائه العلوي، واتخذوا من دعائه ملجأ لهم في ساعة افَى ُجنُ[: مادحا لهـم -تعالى-العسرة ووقت الضيق، إذ وجدهم حيث أمرهم، فقال ِن تَتََج وبُھُْم َع ا َرَزْقنَاھُْم يُْنفِقُونَ .}16:السجدة{] الَمَضاِجِع يَْدُعوَن َربَّھُْم َخْوفًا َوطََمًعا َوِممَّ مالزمة هؤالء المؤمنين وعدم طردهم فقال -صلى اهللا عليه وسلم–وقد أمر نبيه الكريم ْم بِ [: في سورة األنعـام ْدُعوَن َربَّھُ ِذيَن يَ ُرِد الَّ ْن َواَل تَْط َك ِم ا َعلَْي هُ َم ُدوَن َوْجھَ يِّ يُِري َداِة َوالَعِش الَغ .}52:األنعام{] ِحَسابِِھْم ِمْن َشْيٍء َوَما ِمْن ِحَسابَِك َعلَْيِھْم ِمْن َشْيٍء فَتَْطُرَدھُْم فَتَُكوَن ِمَن الظَّالِِمينَ َيْعُد عيناه أن يصبر نفسه مع هؤالء وأالّ -عليه السالم–أمر نبيه -سبحانه–بل إن الحق َداِة [: عنهم لتنصرف لغيرهم من السادة الكفـرة فقـال ْم بِالَغ ْدُعوَن َربَّھُ ِذيَن يَ َع الَّ َك َم بِْر نَْفَس َواْص ْن أَْغفَ ْع َم ْنيَا َواَل تُِط دُّ اِة ال ةَ الَحيَ ُد ِزينَ ْنھُْم تُِري اَك َع ُد َعْينَ هُ َواَل تَْع ُدوَن َوْجھَ يِّ يُِري ا َوالَعِش ْن ْلنَ هُ َع قَْلبَ .}28:الكھف{] ِذْكِرنَا َواتَّبََع ھََواهُ َوَكاَن أَْمُرهُ فُُرطًا في اآليـة " تَْعُد"للزمخشري في الكشاف ملحوظة لطيفة، حول االستخدام المعجز للفظة ْنھُمْ [: الكريمة اَك َع ُد َعْينَ عـدا جاءني القوم: عداه، إذا جاوزه، ومنه قولهم: يقال: ، فيقول]َواَل تَْع نََبتْ عنه عينُه، وَعلَـتْ عنـه : َعَدا بمعنى نََبا وَعال، في قولك )1(زيدا، وإنما ُعدَِّي بَعْن لتضمين عينُه، إذا اقتحمته ولم تْعلق به، ثم يعلل الزمخشري الغرض في هذا التضـمين والعـدول عـن يه إعطاء مجموع معنيـين، الغرض ف: قائال) ال تَْعُل عيناك عنهم(أو ) وال تَْعُدُهم عيناك: (القول .)2(وذلك أقوى من إعطاء معنى فذ ْنھُمْ (و ) وال تعدهم عيناك: (ووجه البالغة بين النصين اَك َع ُد َعْينَ يكشـف عنـه ) َواَل تَْع نجد التعبير األول يدل على النهي عن إهمـالهم : قائال) من أسرار حروف الجر"(صاحب كتاب فإنه يفيد النهي عـن تـركهم إلـى -الذي آثره القرآن-لثاني واإلقالل من شأنهم، أما التعبير ا غيرهم، وصرف نظره واهتمامه بقوم سواهم، حرصاً منه على كسبهم واستمالتهم بإظهار الـوّد لهم، واإلقبال عليهم على حساب هؤالء؛ تحقيقا لما يهدف إليه َعِلّية القوم من المشـركين، مـن المنـاوي، محمـد عبـد الـرؤوف : انظـر //.جعلته محتويـا عليـه، فتضـمنه : ضمنّت الشيء كذا: التضمين، يقال )1( دار الفكـر :بيـروت، دمشـق ). 1(ط. دايـة محمد رضوان ال: ، تحقيقالتوقيف على مهمات التعاريف ):هـ1031:ت( .475:ص ،هـ1410 .دار الفكر -صرالمعا .671-2/670، الكشاف :الزمخشري: انظر )2( 40 َواَل [: جلوس إليه، كما عّبر عنه القرآن في موضـع آخـر طردهم وإبعادهم؛ حتى يتسنّى لهم ال يِّ َداِة َوالَعِش ْم بِالَغ ام{] تَْطُرِد الَِّذيَن يَْدُعوَن َربَّھُ ، فالتعبير بالطرد هو الذي أّدى بقوله هنا }52:األنع ْنھُمْ [ اَك َع ُد َعْينَ يا إلى سواهم، ال تتجاوز هؤالء النفر من قومك، وتتركهم ماض: فكأنه قال ]َواَل تَْع .)1()تعدهم(وهو ما ال يفهم من الفعل المعدى بنفسه :تقديم نماذج للدعاء: خامساً سطّر القرآن العظيم بين ثناياه، دعوات خالدات؛ لتكون نبراسا يستضاء بها في سـاعات الشدة والرخاء على السواء، ليس هذا فحسب، بل إن القرآن الكريم الخالد افتُـتح بإحـدى هـذه التي تعتبر دعاء المؤمن وديدنه صباح مساء وفـي " فاتحة الكتاب"صابيح النورانية، أال وهي الم .كل صالة، هذا األنموذج اشتمل على أّمات المطالب العلّية وكأن اهللا ُيعلّم عباده في فاتحة الكتاب كيفية سؤاله، حين أمرهم أن يقدموا بين يديه حمده وديتهم وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم، توسـل إليـه والثناء عليه وتمجيده، ثم ذكر عب تَقِيمَ [: بأسمائه وصفاته، وتوسل إليه بعبوديته، قبل سؤال اهللا الهداية َراطَ الُمْس ِدنَا الصِّ ، قـّدم ]اْھ .)2(الحمد هللا ودعاءه بأسمائه وصفاته ل إلـى اهللا تنبيه على حاجـة اإلنسـان إلـى التضـرع واالبتهـا "فكأن هذا الدعاء فيه .)3(وهو روح العبودية، وتنبيه على أن أهم حاجاته، الهداية إلى الصراط -تعالى- ولقد ساق لنا القرآن الكريم أمثلة كثيرة متنوعة لألخيار من عباد اهللا، الذين رفعوا أكُـفّ مثاال واحدا فاستجاب لهم دعاءهم؛ ألنهم أخلصوا القول والعمل، نسوق -سبحانه–الضراعة إليه وَب إِْذ [: فيقول -عليه السالم–وهو ما قّصه علينا القرآن الكريم في سورة األنبياء عن أيوب َوأَيُّ اِحِمينَ رَّ ُم ال َت أَْرَح رُّ َوأَْن نَِي الضُّ اهُ ) 83(نَاَدى َربَّهُ أَنِّي َمسَّ رٍّ َوآَتَْينَ ْن ُض ِه ِم ا بِ ْفنَا َم هُ فََكَش تََجْبنَا لَ فَاْس ِدينَ أَْھلَ َرى لِْلَعابِ اء{) ] 84(هُ َوِمْثلَھُْم َمَعھُْم َرْحَمةً ِمْن ِعْنِدنَا َوِذْك عليه –، لقد أجاب اهللا أليوب }األنبي ـ 1408مكتبة وهبـة، :القاهرة). 1(، طمن أسرار حروف الجر في الذكر الحكيم :الخضري، محمد أمين: انظر )1( -هـ .303:، صم1989 .1/23، مدارج السالكين :ابن القيم: انظر )2( . دار إحيـاء العلـوم : لبنان). 1(ط. محمد رشيد رضا القباني: تحقيق جواهر القرآن: )هـ505:ت(الغزالي، أبو حامد )3( .1/69م، 1985-هـ1405 41 دعوته فكشف عنه ما نزل به من ضّر ونصب، ذلك؛ ألنه كان كما يحب اهللا ويرضى، -السالم ابٌ إِنَّا َوَجْدنَاهُ َصابًِرا [: فقال اهللا مادحا ومثنيا عليه .)1(}44:ص{] نِْعَم الَعْبُد إِنَّهُ أَوَّ ومكانته، وحاجـة اإلنسـان وبعد استعراض هذه الشواهد القرآنية يتبّين لنا أهمية الدعاء يحب أن ُيسأل ليجيب، ويعتبر اإلعراض عن سؤاله استكبارا ومعصية، وقـد -تعالى-إليه، فاهللا يوقظ قلوبنا فتحيا بـذكرِه؟ أم راَن عليهـا صـدأ أعّد لمن استكبر عذابا، فهل هذا النداء الرباني نسأل اهللا السالمة لقلوبنا من الغفلة وأن يجعل الدعاء من خصـائص ! المعاصي فهي غافلة الهية .أّمتنا، إنه سميع مجيب .95-94:، صجوامع الدعاء :طنطاوي: انظر )1( 42 المبحث الثالث أهمية الدعاء في حياة األنبياء ، إال فسه في مأزق أو ضيقال يكاد يجد نفطري، فاإلنسان أمرالدعاء في حياة اإلنسان واألنبياء كانوا على علم بأهمية اللجوء إلى اهللا، ليس فقط وقت الضيق، ، )1(وسارع إلى دعاء اهللا إنما كانت حياتهم نسقا واضحا في ديمومة اللجوء إليه سبحانه، وقد شملت دعواتهم شؤون الحياة .المختلفة ة دعـائهم ن لنا مدى أهميليتبّي ؛األنبياء من خالل تدبرنا آليات دعاء هالمسهذه األمور ن أنهم بشر يخضـعون للظـروف في ، وتكمن هذه األهمية وحاجاتهم الفطرية ،في حياتهم الدعوية .التي يتعرض لها البشر، إال أن ابتالء األنبياء أشد وأعظمها، ذاِت :رئيسةوبعد التدبر يظهر لنا أن حاجة األنبياء للدعاء قد تبلورت ضمن ثالثة محاور .على صعيد عالقتهم مع خالقهم وتتمثل في تعبدهم بالدعاء :أحدها .تهم في تبليغ دين اهللا، وتتمثل بأداء مهمعلى صعيد عالقتهم مع المخلوقين :ثانيها على صعيد عالقتهم مع أنفسهم، وتتمثل في احتياجاتهم البشرية ومقتضيات تلـك :ثالثها .الطبيعة :لى النحو اآلتيهذه المحاور ع نتُوقد بّي أهمية الدعاء بالنظر إلى حاجتهم للتعبد: المطلب األول .)2("إظهار التذلل"العبودية تعني و ، وقويت صلته به ،باهللا تهكلما عظمت معرف"والدعاء أساس العبودية، ولهذا فإن العبد تحقيقا للدعاء، أعظم الناس كان أنبياء اهللا ولهذا، ه أعظم، وانكساره بين يديه أشّدكان دعاؤه ل وذكر جملة من ،في القرآن الكريم بذلك وقد أثنى اهللا عليهم ...وقياما به في أحوالهم كلها .5/125 دار إحياء الكتب العربية،). م1962-هـ1381(، ط)مج12( ،التفسير الحديث: محمد عزة ،دروزة: انظر )1( .319:، صرداتالمف: األصفهاني) 2( 43 إِنَّھُْم َكانُوا يَُساِرُعوَن فِي [ :وصفهمأحوال متعددة ومناسبات متنوعة، وقال تعالى في في أدعيتهم .)1("}90:األنبياء{] نَا َخاِشِعينَ الَخْيَراِت َويَْدُعونَنَا َرَغبًا َوَرھَبًا َوَكانُوا لَ ودعوا اهللا راغبين فيما عنده من الخير، خائفين من ،فاألنبياء سارعوا في عمل الخيرات . عذابه، خاشعين فق األنبياء لتحقيق العبودية في أنفسهم، فكانوا األكثر رقّيا في الكمال اإلنساني، ولقد ُو حياتهم، انطالقة جادة في تحقيق العبودية، تمثلت في فكانت ،وقد حازوا السبق في هذا الميدان ، وذلك بعد أن )2(ظهرت في شوقهم الدائم إلى اهللاوشخصياتهم بأرقى صورها، وأكمل معانيها، . جحودا واستكبارا عّدوأن اإلعراض عنه ُي ،استقر في قلوبهم أن الدعاء هو العبادة بالعجز والفقر إلى اهللا، وفي المقابل شعورا - لدى األنبياء–لقد كان الدعاء في ذاته .شعور بقدرة اهللا على تحقيق ما عجزوا عنه، وهذا عين العبودية هللا في الفرائض، بل إن كل حركة في حياة األنبيـاء، وثيقـة ال ينحصر مدلول العبادة إن .عبادةفهي إذن ،منفذين بها أمره، محققين بها رسالته الصلة بعقيدتهم، متجهين بها إلى ربهم، نبيه، أنه استحق أن يكون بعبوديته المسلم األول عبر - سبحانه وتعالى- وقد وصف اهللا ِ قُْل إِنَّ َصاَلتِي َونُُسِكي[: الزمان فقال اَل َشِريَك لَهُ َوبَِذلَِك ) 162(َربِّ الَعالَِمينَ َوَمْحيَاَي َوَمَماتِي ُل الُمْسلِِمينَ .}األنعام{ ) ]163(أُِمْرُت َوأَنَا أَوَّ نستدل على منهج القرآن في التعبد، والذي يهدف إلى أن ،من خالل هذه اآلية الكريمة ذاك هو الصراط حتى ال يخرج عن سنته،يضع اإلنسان في مكانه الصحيح في الكون، المستقيم، الذي يحقق السعادة في الدنيا واآلخرة والذي نطلب االهتداء إليه أكثر من سبع عشرة .)3(}5:الفاتحة{ ]إِيَّاَك نَْعبُُد َوإِيَّاَك نَْستَِعينُ [: كل يوم في قوله تعالىمرة يقيم من دعاء األنبياء دليال على أصالة فطرة التعبد ،فالقرآن الكريم في منهجه الحكيم ْعبَأُ قُْل َما يَ [: في أنفسهم، فهم دائمو الدعاء، وهو أساس الصلة المباشرة بينهم وبين اهللا، قال تعالى ْبتُْم فََسْوَف يَُكوُن لَِزاًما ، ولما كانت الدعوة اإللهية }77:الفرقان{ ]بُِكْم َربِّي لَْواَل ُدَعاُؤُكْم فَقَْد َكذَّ .9:، صفقه األدعية: البدر )1( .5:م، ص2009-هـ1430. دار الغد الجديد: القاهرة ).1(، طدعاء األنبياء: محمد إسماعيل ،الجاويش: انظر) 2( .180:مؤسسة الرسالة، ص .نشر ط وسنة، بال منهج القرآن في التربية: شديد، محمد: انظر )3( 44 وأّمنا حواء فإن أبانا آدم ،لم يزل الدعاء دأب األنبياء "اْدُعونِي أَْستَِجْب لَُكْم "بِــمستمرة َربَّنَا ظَلَْمنَا أَْنفَُسنَا َوإِْن لَْم تَْغفِْر [لمغفرة للبا ا إلى الدعاء طبالخطيئة فزع الما ابتلي - السالم ماعليه– حين توجه إلى اهللا - عليه السالم- ونوح ، }23:األعراف{ ]لَنَا َوتَْرَحْمنَا لَنَُكونَنَّ ِمَن الَخاِسِرينَ َدَخَل بَْيتَِي ُمْؤِمنًا َولِْلُمْؤِمنِيَن َوالُمْؤِمنَاِت َواَل تَِزِد َربِّ اْغفِْر لِي َولَِوالَِديَّ َولَِمنْ [داعيا طالبا المغفرة حين ،ضارعا - عليه السالم– والدعوات التي توجه بها إبراهيم، }28:نوح{ ]الظَّالِِميَن إاِلَّ تَبَاًرا ِميُع الَعلِيمُ [: رفع القواعد من البيت عليه – وذا النون ،}127:البقرة{ ]َربَّنَا تَقَبَّْل ِمنَّا إِنََّك أَْنَت السَّ ، }87:األنبياء{] أَْن اَل إِلَهَ إاِلَّ أَْنَت ُسْبَحانََك إِنِّي ُكْنُت ِمَن الظَّالِِمينَ [: إذ نادى في الظلمات - السالم ِحيمُ قَاَل َربِّ إِنِّي ظَلَْمُت نَْفِسي فَاْغفِْر لِي فََغفََر لَهُ إِنَّهُ ھَُو ال[: دعا - عليه السالم- موسى و ]َغفُوُر الرَّ .)1(}16:القصص{ جاب استومسارعتهم في الخيرات فحاجتهم هللا، األنبياء فيهار أظه ،تلك الدعوات وغيرها .اهللا لتلك الدعوات ثوابا لهم كتلـك ،ومنهجهم في التعبد إلى اهللا بالدعاء ،ونتأسى بطريقتهم !فما أروع أن نقتدي بهم !وجميل المناجاة النماذج من الرجاءات وحسن التضرع تهم ووظيفتهم في إبالغ الدعوةبالنظر إلى مهّم: المطلب الثاني خير زاد هفإن في التبليغ، تبرز أهمية أخرى للدعاء، األنبياء ووظيفتهم مهّمةوبالنظر إلى فهو من أهم مرتكزات مقوماتهم ،سالح عظيم يحتمون بهو ،لهم، وهو ركن شديد يلجأون إليه .النفسية نجد أنهم ،النظر في تلك اآليات مانعنتها آيات الكتاب، وعند إعظيمة بّي مهّمةنبياء ولأل إبالغ هذه األمانة التي تحّملوها إلى : تهم األولى هيسفراء اهللا إلى عباده، وحملة وحيه، ومهّم ُسوُل بَلِّْغ َما أُْنِزَل إِلَْيَك ِمْن َربَِّك َوإِْن [عباد اهللا َوهللاُ يَْعِصُمَك ِمَن لَْم تَْفَعْل فََما بَلَّْغَت ِرَسالَتَهُ يَا أَيُّھَا الرَّ غهم ما يخالف ، والبالغ يحتاج إلى الشجاعة وعدم خشية الناس، عند إبال}67:المائدة{ ]النَّاسِ .253:، صاإلسالم في ظالل األصول العشرين فهم: عبد العزيز: وانظر .//1/520، المنهاج: الحليمي: انظر) 1( 45 نَهُ َواَل الَِّذيَن يُبَلُِّغوَن ِرَسااَلِت هللاِ َويَْخَشوْ [م عما أِلفوه هِيهم ما يستنكرونه ونهأمرِومعتقداتهم، .)1(}39:األحزاب{ ]يَْخَشْوَن أََحًدا إاِلَّ هللاَ وذلك ،قومه ىن من أذللنبي من التحّص فإذا كانت تلك أحوال األنبياء مع أقوامهم، فال بّد ولقد كان لألنبياء مع أقوامهم مواقف حرجة، لم ينقذهم منها إال صدق " ،ليعصمه ؛باللجوء إلى اهللا تماء بالخالق القدير، ورب العرش العظيم، فكانت لهم فنـون مـن الـدعاء وقوة االح ،االلتجاء ينشدون عونه ويرجـون ،ف الضراعة منيبين إليهحيث يرفعون إليه أكُ ،والذكر الرفيع ،الجميل .)2("كانت لهم في هذه المواقف أنبل كلمات الدعاء وأجمل ألفاظ المناجاة والتوسلحيث فضله، ، تأديتهم وتبليغهم الرسالة من خاللحاجة األنبياء للدعاء يوضح أهمية وما ونسوق الرسالة فه ربه لحمل حينما كلّ -عليه السالم- ومن تلك الدعوات التي التجأ إليها نبي اهللا موسى اَلةَ لِِذْكِري[ :قائال له .}14:طه{ ]إِنَِّني أَنَا هللاُ اَل إِلَهَ إاِلَّ أَنَا فَاْعبُْدنِي َوأَقِِم الصَّ ويدعوه إلى اإليمان برب ،أن يواجه الطاغية فرعوناهللا بعد هذا التكليف أمره و حيث - عليه السالم– التي كان يتمتع بها موسى ،العالمين، ورغم القوة النفسية والعزيمة القوية وعونه على مواجهة هذا الطاغية، ،حاجته هللا مستشعر - عليه السالم–كان ،كان من أولي العزم ْر لِي ) 25(َربِّ اْشَرْح لِي َصْدِري[ :قائال مهّمةهذه الوسائل تعينُه على هللا فطلب من ا َويَسِّ ھَاُروَن ) 29(َواْجَعْل لِي َوِزيًرا ِمْن أَْھلِي) 28(يَْفقَھُوا قَْولِي) 27(َواْحلُْل ُعْقَدةً ِمْن لَِسانِي) 26(أَْمِري ) 34(َونَْذُكَرَك َكثِيًرا) 33(َكْي نَُسبَِّحَك َكثِيًرا) 32(ي أَْمِريَوأَْشِرْكهُ فِ ) 31(اْشُدْد بِِه أَْزِري) 30(أَِخي . }طه{] )35(نََّك ُكْنَت بِنَا بَِصيًراإِ العون من اهللا، أن يستمّد صا علىيحر - عليه السالم- وإزاء هذا التكليف كان موسى " فيأخاه هارون كأحد من أهله، فدعا أن ُيشرِ مهّمةأن يعينه على هذه العلى وكان حريصا قُنِي إِ [: ةالنبّو بُونِ َوأَِخي ھَاُروُن ھَُو أَْفَصُح ِمنِّي لَِسانًا فَأَْرِسْلهُ َمِعَي ِرْدًءا يَُصدِّ ] نِّي أََخاُف أَْن يَُكذِّ .}34:القصص{ .43:، صالرسل والرساالت: األشقر: انظر) 1( .8:، صدعاء األنبياء: الجاويش) 2( 46 أحسا أنهما بحاجة إلى عون استجاب اهللا دعاءه، وكلّفهما أن يذهبا إلى فرعون،وحين قَااَل [يدعوانه رف عنه من بطش وجبروت، فتوجها إلى اهللا ن بسبب ما ُعرعواهللا، وخشيا لقاء ف – موسى اعتقادرغم دعاءل، فكان هذا ا)1(}45:طه{ ]َربَّنَا إِنَّنَا نََخاُف أَْن يَْفُرطَ َعلَْينَا أَْو أَْن يَْطَغى .لى عون اهللا ومعيتهإال أنه شعر باالحتياج إ ،وأنه يسمع ويرى ،يقينا أن اهللا معهما - عليه السالم مدار تسعمائة مع قومه على ح يرى الجهد العظيم الذي بذله كذلك المتدبر في سورة نو َولَقَْد أَْرَسْلنَا نُوًحا إِلَى قَْوِمِه فَلَبَِث فِيِھْم أَْلَف َسنٍَة إاِلَّ َخْمِسيَن َعاًما فَأََخَذھُُم الطُّوفَاُن [وخمسين سنة ومن ،روا، فال بّد من اللجوء لركن شديد، لكنهم أعرضوا وتجّب}14:كبوتالعن{] َوھُْم ظَالُِمونَ ليشكو إلى خالقه ؛السنين الطويلة من الدعوة المستمرة بعد هذه - عز وجل–التوجه إلى اهللا .}21:نوح{ ]َساًراقَاَل نُوٌح َربِّ إِنَّھُْم َعَصْونِي َواتَّبَُعوا َمْن لَْم يَِزْدهُ َمالُهُ َوَولَُدهُ إاِلَّ خَ [عنادهم ، بل في اإلبالغ أو التبشير واإلنذار قتصر حاجة األنبياء للدعاء وأهميته في حياتهمتوال ، فإن إخراج الناس من الظلمات إلى إصالح نفوس المؤمنين وتزكيتهامن أجل ؛تعدى ذلكت نجد الذ ،بادتهمعتعريفهم بربهم ووتزكية نفوسهم، و ،ربهم ال يتحقق إال بتعليمهم تعاليَم ،النور لهذه وذلك حينما دعا ،بعد مئات السنين داهاصيدعو بدعوة خالدة، نجد - عليه السالم- الخليل َربَّنَا َواْبَعْث فِيِھْم َرُسواًل ِمْنھُْم يَْتلُو [: فقال عز وجل األمة نفسها من ببعث الرسول الخاتم األمة يِھْم إِنََّك أَْنَت الَعِزيُز الَحِكيمُ َعلَْيِھْم آَيَاتَِك َويَُعلُِّمھُُم الِكتَاَب ، لتتحقق هذه}129:البقرة{] َوالِحْكَمةَ َويَُزكِّ .- صلى اهللا عليه وسلم- بنبينا محمد الدعوة ، سياستهم لألمةفي ،أيضا للدعاء تمثلت حاجة األنبياء ومن جانب آخر لمهّمة األنبياء، - عليه السالم– ة ينادي داودلرأي، فرب العّزااحتياجهم إلى السداد في وتتركز هذه الحاجة في ، فلما أخطأ في }26:ص{ ]يَا َداُووُد إِنَّا َجَعْلنَاَك َخلِيفَةً فِي األَْرِض فَاْحُكْم بَْيَن النَّاِس بِالَحقِّ [: قائال الحتياجه إلى المغفرة من اهللا تعالى ؛راكعا سارع إلى التوجه وخّر ،إصابة الحق بالقضاء .)2(}24:ص{ ]فََر َربَّهُ َوَخرَّ َراِكًعا َوأَنَابَ فَاْستَغْ [ .108-107:، صالمرجع السابق :انظر )1( .50:، صالرسل والرساالت: األشقر: انظر )2( 47 فال يمكن ات،وهكذا نلمس أهمية الدعاء في حياة األنبياء وهي المليئة بالمتاعب واالبتالء .لهم ترك الدعاء أبدا بالنظر إلى حاجاتهم البشرية: المطلب الثالث ، وبما يعتريها من م البشريةتظهر من خالل حاجاته ،في حياة األنبياءبالغة لدعاء أهمية ل .نسيان وغفلة، وعجز وحاجة إلى السالمة من األسقام، وافتقار إلى إعانة اهللا في أمورهم كلها فهم طبيعة بشرية، تظهر مالمحها في ثنايا حياتهم، ذوو -تعالى–ء اهللا فإن أنبيا ياتها، وشواهد ذلك إلى أي من لوازم بشريتهم ومقتضيتوجهون إلى اهللا وقت إحساسهم بالحاجة ّنوأأن أمر بشريتهم بات موضع جدل لدى أقوامهم، وما ذاك إال كثيرة في حياة األنبياء، إثبات بشريتهم طوال فترة عنبشريتهم من األسباب المباشرة لتكذيبهم، وما فتئ األنبياء .دعواتهم هذه الحاجات التي ومن ،نظرا ألنهم بشر ،رون عن دعاء اهللالذا نجد أن األنبياء ال يفتُ إلى طلب الذرية - عليه السالم–الخليل الذي ألجأ شعور األبوة: كانت من مقتضيات بشريتهم الِِحينَ [: فقال افات{ ]َربِّ ھَْب لِي ِمَن الصَّ ولم ،، وكان طلبه بعد ما تقدم به السن}100:الصَّ الدعوة من مل هّمَح من أجلكان ،حينما شعر بحاجته للذرية - عليه السالم– ينجب، وزكريا َوإِنِّي ِخْفُت الَمَوالَِي ِمْن َوَرائِي َوَكانَِت اْمَرأَتِي َعاقًِرا فَھَْب لِي ِمْن لَُدْنَك [: فقال ،ووراثة الدين ه،بعد .}مريم{) ] 6(يَِرثُنِي َويَِرُث ِمْن آَِل يَْعقُوَب َواْجَعْلهُ َربِّ َرِضيًّا) 5(َولِيًّا حسن فّنجعلته ُي - عليه السالم- زكريا نية التي استجاشت في نفسة الحاإن شعور األبّو .فلهج بهذا الدعاء - وهو العظم–ما فيه قد وهن بأن أصلَب: هويصف حال ،الطلب النسيان التي قد يعتريها ،استنادا إلى طبيعة األنبياء البشرية ،كما تتجلى أهمية الدعاء - عليه السالم-وال بد من التوبة والدعاء، فآدم ،، فيقع بالذنب حينئٍذوالغفلة والخطأ والغضب ] َولَقَْد َعِھْدنَا إِلَى آََدَم ِمْن قَْبُل فَنَِسيَ [وأكل من الشجرة ،كان ال بد من اعترافه بالذنب حين نسي ]ونَنَّ ِمَن الَخاِسِرينَ َربَّنَا َظلَْمنَا أَْنفَُسنَا َوإِْن لَْم تَْغفِْر لَنَا َوتَْرَحْمنَا لَنَكُ [: ، فتاب قائال}115:طه{ .}23:األعراف{ 48 .بعدما أخطأ االجتهاد ،مه اهللا االستغفارألَه - عليه السالم–كذلك داود فاحتاج إلى ،كذلك تعرض للبالء في بدنه وماله وأهله وولده - عليه السالم–وأيوب رُّ وَ [ :كشف ورفع ما به من مرض وسقم، فشكا إلى ربه نَِي الضُّ اِحِمينَ أَنِّي َمسَّ ]أَْنَت أَْرَحُم الرَّ .}83:األنبياء{ .بهذه الجوانب وغيرها تتجلى لنا أهمية الدعاء في حياة األنبياء 49 الفصل الثاني ة جابعاء األنبياء ودالالته ومراتب اإلأنواع د عليه :وفيه ثالثة مباحث أنواع دعاء األنبياء: المبحث األول نبياءدالالت دعاء األ: المبحث الثاني ومراتبهاإجابة الدعاء وأنواعها : المبحث الثالث 50 المبحث األول أنواع دعاء األنبياء وفي الوقت نفسه، ،يطلبون عونه، وينشدون رحمته -سبحانه–يتوجه األنبياء إلى اهللا ياء فاألنب ،مون العباد الكيفية التي تليق بدعاء اهللا، ليضرب أنبياء اهللا بذلك نماذج يحتذى بهايعلّ ويمرون بالظروف نفسها، فهم وإن كانوا ،بشر يعيشون مواقف إنسانية مع أنهممعلمو البشرية، يطلبون بالدعاء عون اهللا ورحمته، فإن دعاءهم يترك أثرا عظيما في أهم جانب من جوانب بالتوجه -وحده–على من يستحق لذا ظهر في دعائهم روح الثناء. ءلدعاالتأصيل لالعبادة، وهو .ناسب مقالهم المقاميسبق طلبهم وسؤالهم، ف ليه بالدعاء، فكان ثناؤهمإ جاءت من خالل المطالب ،األنبياء اجتهادات عدة عندولقد كان في تحديد أنواع الدعاء :اآلتية والترجيح بينها ،اجتهاد العلماء في بيان أنواع الدعاء: المطلب األول